English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

في الموقع أيضًا:

ساحة الحوار    -    دليل المواقع

رواق الأفكار

إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين


مؤتمر الدوحة.. نقلة جديدة في حوار الأديان

2005/07/06

إميل أمين**

جانب من اجتماعات مؤتمر الدوحة الثالث لحوار الأديان

شهدت العاصمة القطرية الدوحة في الأيام القليلة الماضية (29 و30 يونيو) المؤتمر الثالث لحوار الأديان، تحت عنوان "دور الأديان في بناء الحضارة الإنسانية". والمعروف أن الدوحة كانت قد شهدت في العامين الماضيين مؤتمرين مماثلين، لكنهما كانا قد قصرا على الحوار بين الإسلام والمسيحية، أما مؤتمر هذا العام فقد تميز بنقلة نوعية؛ إذ دُعِي إليه عدد من حاخامات اليهود قَبِل بعضهم الدعوة، وأضرب البعض الآخر عن المشاركة، وكذلك فعل عدد من الرموز الإسلامية والمسيحية ذات الوزن الثقيل، وقيل: إن سبب ذلك اعتراضهم على مشاركة حاخامات يهود للمرة الأولى.

وإن كانت أحداث 11 سبتمبر قد أخرجت قضية الحوار بين الأديان على السطح ثانية؛ فإنها -للحق- كانت حاضرة منذ ستينيات القرن العشرين، ومهما يكن من أمر التاريخ فإن هناك عدة مشاهد تحتاج إلى إمعان النظر في واقع حال حوار الأديان، لا سيما على هامش أعمال المؤتمر وإفرازاته.

وقفة خاصة

المشهد الأول: والأجدر بالاعتبار -باعتباره مشهدا مشرقا يؤسس لمرحلة جديدة تنبع من داخل مؤتمر الدوحة الأول- هو ما جاء على لسان الدكتور "عبد الحميد الأنصاري" أستاذ الدراسات الإسلامية في جامعة قطر الذي "دعا المسلمين والمسيحيين واليهود إلى مراجعة تصوراتهم التاريخية النمطية عن الطرف الآخر، من خلال إعادة النظر في المناهج التعليمية والخطاب الديني والثقافي والإعلامي". ومعنى هذه الدعوة: بناء قاسم مشترك أعظم في حياة أتباع الأديان يجابه ثقافة الكراهية، وينافي محاولات فرض ثقافة واحدة أو هيمنة أيديولوجية معينة، تهدف لإخضاع البشر لنير العبودية الفكرية والمادية؛ وهو ما يعد ضد إرادة الخالق في التعددية.

وقد تُوِّج هذا التوجه -بإقرار المشاركين في أعمال المؤتمر- بإنشاء مركز عالمي أو مؤسسة دولية لحوار الأديان بهدف تعميق المعرفة بالطرف الآخر، وتعزيز ثقافة الحوار، ومراجعة الموروثات التاريخية السلبية التي تشكل عقبة أمام التفاهم المشترك بين أبناء إبراهيم الخليل، وهذا في حد ذاته نصر مبين لفرص الاتفاق وهزيمة نكراء لدعاة الافتراق، ودلالة على نجاح أعمال المؤتمر.

إن مؤتمر الدوحة يعد بمثابة التأسيس الحديث لحوار نموذجي بين أتباع الأديان، وكما أن المشهد الأول -بما يحمله من دلالات عميقة- مثال على ذلك، تبقى بعض المشاهد الأخرى التي يتعين التوقف أمامها أيضا.

في معنى الحوار..

المشهد الثاني: نتوقف فيه عند لفظة "حوار الأديان"، وفي تقديري أنه توصيف غير صحيح، والأجدر أن يطلق عليه "حوار أتباع الأديان"؛ ذلك لأن الأديان مطلقة بطبيعتها والحوار عملية نسبية، ومعروف أن تعددية المطلق هي تعددية زائفة؛ لأن المطلق بحكم تعريفه واحد لا يتعدد، وإذا تعدد فصراع المطلقات حتمي؛ وهو ما نتج عنه في السنوات القليلة الماضية مأساة صراع الأديان عن زيف أو حق. ولحل صراع المطلقات يستلزم انتزاع المطلقية من وحدات التعددية، وهنا يصبح من الضروري الحوار بين الأتباع بحكم أن اتجاهاتهم وآراءهم نسبية وليست مطلقة، قابلة للقسمة وللاتفاق أو الافتراق بعيدا عن جمود أو ثبات المطلق.

المشهد الثالث: نتأمل فيه لفظ حوار (المعنى والمبنى)، وعند كثير من الحكماء أن الحوار دعوة إلهية، وأن الوحي الإلهي كان حوارا بين حماة الأرض وجنة السماء، كما أن الأديان كافة جاءت لتحث الإنسان على الحوار مع الآخر؛ ففي الإسلام نجد قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا} (الحجرات: 13)، وفي المسيحية نجد الحوار مطلوبا كذلك للتعارف بين جميع البشر، حتى وإن تمايزوا إلى أمم وشعوب وقبائل.

المشهد الرابع: هو تاريخ الحوار، ويخطئ هنا من يظن أن مأساة الثلاثاء الأسود فحسب هي التي تقف وراء ذلك؛ لأن -على سبيل المثال- الكنيسة الكاثوليكية منذ المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني بادرت إلى ترسيخ مفاهيم الحوار في عدة نصوص، نقرأ منها ما جاء في بيان علاقة الكنيسة بالأديان غير المسيحية "ولئن كان قد وقع في غضون الزمن كثير من المنازعات والعداوات بين المسيحيين والمسلمين؛ فإن المجمع يحثهم جميعا على نسيان الماضي، والعمل باجتهاد صادق في سبيل التفاهم فيما بينهم، وأن يعملوا معا من أجل جميع الناس، ولأجل العدالة الاجتماعية والقيم الروحية والسلام والحرية".

والمؤكد أن هذه الدعوة قد لاقت قبولا ومودة متبادلة لدى كثير من الأوساط الإسلامية التي بلورت ردودها وتفاعلها في جمعيات كـ"الإخاء الديني" في مصر في الستينيات، ويتجلى الآن في دعوة كثير من البلدان العربية والإسلامية لعقد مؤتمرات حوار الأديان على أراضيها، ومؤتمر الدوحة الأخير ليس آخرها بكل تأكيد.

أسس الحوار وركائز التعاون

المشهد الخامس: وفيه نحاول أن نستوضح أسس الحوار؛ فالأساس الأول هو محاولة مسح الغبار عن العقائد أو الدوجماطيقيات؛ حتى تخرج من إطار القطع الأثرية التي لا تقدر بثمن والمكنوزة في المتاحف، والتي يقوم عليها موظفون وكهان أو علماء أو فقهاء يحمونها ويخدمونها، ويذودون عنها على أساس أنهم موظفو الله Les Fonctionnaires de Dieu على حد تعبير الكاتب الألماني Drewermany Eug؛ ذلك أن أخطر ما يصيب أتباع الأديان هو الغرق في المقدس من حيث الطقوس، ومن ثم فراغ النفوس والبعد عن حقائق الإيمان والاكتفاء بمظاهر العيان؛ مما يحصر الشرائع والنواميس الإلهية في دعوات لتبرير قتل الأبرياء باسم الدين، والخلط بين الترويع والإرهاب وحق الدفاع عن النفس والحرية والكرامة وحرية العقل والنقد.

أما الأساس الثاني -والذي بدونه يصبح الحوار ضربا من ضروب الحرث في الماء- فهو العدل والتضامن؛ فالمسيحية تدعو للعدل، والإسلام كذلك يجعل من العدل أساس الملك، أما التضامن فبدونه يصبح الحوار كنحاس يطن أو صنج يرن؛ فما فائدة حوار الأغنياء مع فقراء يتضورون جوعا؟

لذا فإن الحوار إن لم يكن ينشد بناء المدينة الفاضلة كما حلم بها اليوتوبيون من حيث قيامها على أسس العدل والتضامن، وليس على حراب قيصر المرتكزة إلى المجد والقوة والمال وفوهات البنادق؛ فليلزم كل منا داره؛ فذلك أجدى وأنفع.

والأساس الثالث هو الحوار القائم على المودة والحب؛ حيث يقول الأب يوسف مؤنس: "أنا على موعد ليكتمل وجودي بإطلالة الآخر وإقباله لفرح اللقاء والوجود"، أو كما يقول د.محمد السماك: "أنا أحب وأعرف الآخر، إذن أنا موجود".

إذا أقبلنا على الحوار من منطلق يبطن مذهب "الآخرون هم الجحيم" كما يقول سارتر، أو "إن لي رغبة لقتل الآخر" كما يذهب "هيجل"، أو شهوة ذئبية لنهشه كما يعتقد "هوبز"، أو إرادة تشيئية كما يصر سارتر من جديد.. فما فائدة الحوار أو نفع الجوار؟

المشهد السادس: وفيه نتساءل حول ركائز التعاون؛ ففي مؤتمر الدوحة كانت دعوة الشيخ حمد في كلمته الافتتاحية أن المؤتمر يطلب "التركيز في الحوار على المواضيع الاجتماعية والثقافية لتحقيق التعاون الذي ننشده". وهذه الجملة الموجزة هي اختصار دقيق لذلك التحول الاجتماعي والثقافي الذي تنعكس نتائجه أيضا حتى على الحياة الدينية. ومن شأن المؤمنين هنا أن يبتدعوا علاقات جديدة بين الإنسان والطبيعة، علاقات تغلب فيها كلمات الاحترام والخضوع والتكيف للسنن الإلهية في الكون والطبيعة على أعمال التلويث والعنف والاستعباد.

وكذلك فإن المؤمنين من المتحاورين -على اختلاف أديانهم- مطالبون اليوم بمواجهة أزمة كرامة الحياة التي يجب صيانتها بإجلال الأمومة ورفض الإجهاض، والتقدير الصحيح للمعوق والمريض، والحب النير الذي يجب أن يحاط به المحتضرون، والرفض الجريء لكل أنواع ما يعرف بالقتل الرحيم.

والمسلمون والمسيحيون واليهود مواجهون بحتمية الحفاظ على كرامة الإنسان؛ فلا يرغم إنسان على فعل ما يخالف ضميره في الشئون الدينية، ولا يمنع من العمل الفردي أو الجماعي ضمن الحدود الصحيحة بحسب ضميره في السر أو في العلن.

إضافة إلى ما تقدم هناك دافع آخر وهو التبادل المتزايد بين الشعوب نتيجة تطور وسائل الاتصالات؛ فقد أصبح تعدد الديانات حقيقة تفرض نفسها، وبات الانغلاق على الذات أو الاكتفاء شبه الذاتي مستحيلا، ولا شك أن حالة التعددية الراهنة لا تكتفي بالتسامح، فهذا كان في زمن كانت فيه الديانات والثقافات مكتفية ذاتيا بسبب تجمعها في مناطق جغرافية معينة، في حين أن شرائح كبرى من الشعوب اليوم تعي بتزايد الغنى الموجود في جميع الحضارات والأديان؛ لذا فإن التعايش لم يعد كافيا؛ بل لا بد من التفاعل والعمل المشترك في سبيل الخير العام، ولا سيما السلام والعدالة.

معوقات الحوار

المشهد السابع: معوقات الحوار، وهنا لا بد من التفريق بين المعوقات الداخلية والخارجية؛ أما الداخلية فهي كيفية الولوج إلى عالم الحوار، فلا يمكن أو يصح الدخول إليه في ظل ضغوط نفسية أو سلطوية؛ ذلك لأن الحوار مثل الصداقة، لا يقوم إلا نتيجة الحرية والاختيار الحر، ثم إن الحوار يفترض تضامنا مع الطرف الآخر والابتعاد عن موقف الشك أو رفض ما يأتي به الآخر أو ما يطالب به؛ إذ يبدأ بنظرة حق إلى مطالب الآخرين، وشعور حقيقي بهمومهم وأوضاعهم؛ لذا فإنه لا بد للمحاوِر من نظرة احترام كلية لشريكه على أساس المشاركة الفعلية، ولا بد للمتحاورين من التحرر من ثقل الأحكام المسبقة أو التصورات النمطية عن الآخرين، ولا بد لهم كذلك من تربة نفسية سليمة، قوامها الاستعداد للتعلم من الآخر؛ لتنمية لقاء روحي عميق يحث كل طرف على أن يتقدم في فهم إيمانه وترجمة ذلك في الحياة اليومية. ولعل أمير قطر قد لخص ذلك في مطلع كلمته في افتتاح المؤتمر عندما دعا إلى إزالة الحاجز النفسي بين الأديان، وتغليب القواسم والمصالح المشتركة لإنجاح الحوار بين الديانات السماوية الثلاث.

وأما المعوقات الخارجية فتتمثل في النزعات الإمبراطورية التي تتخذ الدين ستارا لتحقيق مآرب أبعد ما تكون عن روح الإيمان، وأتفق هنا مع "موريس برومان" -من مركز الحوار الإسلامي المسيحي في فرنسا- الذي ذهب في مؤتمر الدوحة إلى القول بأن الأخطاء التي وقعت فيها الإدارة الأمريكية خاصة احتلال العراق أثرت على مسيرة الحوار الديني في العالم". وأضيف إلى ذلك أنها أرجعتها إلى الوراء كثيرا؛ مما جعل الحوار مع "الصليبيين واليهود" أمرا مكروها.

المشهد الثامن: ويدور حول المشاركة اليهودية للمرة الأولى، وفيه علا صوت الحاخام "رولاند مالتون" -من مجمع بني جيشرون في نيويورك- حيث أشار إلى أن هناك يهودا حول العالم ضد قمع الحريات ومع العيش الإنساني، مبينا أن كثيرا من الأشياء التي تثار ضد اليهود هي بسبب أفعال المتطرفين منهم. والحق أنه إذا كان لدى هؤلاء النية الصادقة؛ فهناك حاجة إلى دليل آخر يجعلنا نصدق هذه النوايا، وإلا فإن العودة إلى قناعات سابقة تنافي وتجافي وجودهم في دائرة الحوار من الأصل.. هو العرض الوحيد المتبقي.

وأخيرا: يبقى القول -وكما تقول الصوفية- بأن "الناس عيال الله"، لكن بعضا من عياله أراد الوصول بنا إلى نهاية التاريخ وصراع الحضارات وتناحر الأديان؛ فهل سيقدر لحوار أتباع الأديان أن يبدأ تاريخا جديدا من حوار الحضارات والثقافات والناس والأديان؟ إنها دعوة لرسم تباشير الصباح على جبين فجر حمل ليلُه الكثير من الترويع والتعصب، وهدد المستقبل في أعز ما تملكه الإنسانية.

اقرأ أيضًا:


** باحث متخصص في شئون الفاتيكان.


إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع