|
رهان "عباس" الإسلامي* |
|
حسين أغا وروبرت ماليه**
|
28/06/2005
|
|

|
|
أبو
مازن
|
وقّعت
حركة ياسر عرفات "فتح" اتفاقات
أوسلو عام 1993 ووقعت في تناقض لم تخرج
الحركة منه إلى اليوم. فهل هي حركة تحرر
وطني، وقادتها مناضلون، وغايتها
الاستقلال، وأداتها الأولى المقاومة؟
أم هي حزب، وقادتها هم رجال دولة،
وغايتها إنشاء مؤسسات، وأداتها الأولى
المفاوضة؟ وكان من أمر إرساء السلطة
الفلسطينية أن بلغ التناقض شفير
الانفجار. وبعض الفلسطينيين لا
يترددون في القول إنهم يوم كسبوا معقلا
خسروا وطنهم (...).
ويسع
"حماس" اليوم أن تمنح محمود عباس
فرصة من غير قبوله اتفاقات أوسلو.
ويسعها كذلك الانخراط في المؤسسات
الفلسطينية من غير الموافقة على
السياسات السابقة. فـ"حماس" تتمتع
بقوة نسبية تجعلها على يقين من قدرتها
على المحافظة على استقلالها، من جهة،
وعلى استعمال ثقلها في رسم قرارات
منظمة التحرير والسلطة، وفي صبغة
المجتمع الفلسطيني الدينية، من جهة
أخرى. وهي تنظر بعين الرضا إلى مشروع
الرئيس الفلسطيني السياسي -الشفافية
والديمقراطية– وبينما محمود عباس
قادر على مفاوضة واشنطن وإسرائيل، لا
تمانع "حماس" وهي لا تتمتع بهذه
القدرة، في الأمر.
وعلى
هذا، فوقف إطلاق النار "التهدئة"
الجزئي والمضطرب يواتيها مواتاة تامة.
فالفلسطينيون متعبون ومرهقون،
واستمرار "حماس" على الحرب قد
يكبدها خسارة جمهور الفلسطينيين
ومساندته. وكذلك، أدت العمليات
الإسرائيلية إلى مقتل معظم قياداتها
التاريخية، وحطت بقوتها العملاتية.
فقد يبدو مسعى الرئيس الفلسطيني في دمج
"حماس" تحرريا، وفي وقت غير مناسب.
والحق
أن عباس ورث حين ورث "فتح" منظمة
رخوة، من غير وحدة ولا نهج واضح، ومصدر
قوتها أمجادها الماضية وقادتها الذين
قضوا اغتيالا. ولم يفلح الخلف بعد أكثر
من مائة يوم على انتخابه إقناع
الفلسطينيين بجدوى سياسته.
ويخشى
الإسرائيليون والأمريكيون
والفتحاويون حيازة "حماس" قوة
راجحة في الهيئات الفلسطينية، وإضعاف
سيطرة "فتح" على السلطة جراء
إستراتيجية الرئيس، وعمله على دمج
الخصم الإسلامي في السلطة. ولعل إرجاء
الانتخابات التشريعية المظهر الأقوى
للخلاف.
ولكن
عباس يرى الأمر على نحو مختلف، فهو
يقدر أن دمج "حماس" قد يؤدي إلى
تغير المنظمة الإسلامية و"فتح"
وطريقة تناول الفلسطينيين السياسة،
معا. وما على كوادر "فتح" إلا
لوم أنفسهم إذا خيبت نتائج الانتخابات
توقعاتهم. (...) وإذا اضطرت "فتح"
إلى المساومة مع قوة برلمانية إسلامية
قوية، فقد يفرض عليها ذلك رص صفوفها،
وضبط ناشطيها، وصوغ برنامج سياسي وطني
متماسك، وتعريض نفسها للشفافية، وكبح
أطماع قادتها.
وأظهرت
الانتخابات البلدية تصدر قوة "فتح"
وسبقها، على رغم إحراز خصمها تقدما.
ومعظم الفلسطينيين يرفضون المقاومة
الإسلامية؟ وتحظى "حماس" بعطف من
الرأي العام ناجم عن الشك الشعبي في
العملية السلمية، وفي السلطة
الفلسطينية وظروف الحياة في أراضي
السلطة، فوق ما هو ناجم عن جاذبية
برنامجها (...). وقد تجني "حماس" في
الدورة الانتخابية الأولى مكاسب سببها
طهارة من لم يزاول الحكم ويتقلب في
وصوله.
فإذا كسب محمود عباس رهانه، وتعاونت
إسرائيل والولايات المتحدة على تحسين
أحوال الفلسطينيين ميدانيا، ورعاية
أمل ملموس، فلن يلبث النجم الإسلامي أن
يخبو حين حلول الموعد الانتخابي
التالي.
والحق
أن "حماس" لا تملك خطة حكم، ولا
أجوبة عملية عن المسائل التي يؤدي
استلامها السلطة إلى طرحها. وتدرك "حماس"
أن أمورا كثيرة وحاسمة تتعذر معالجتها
من غير مساعدة سياسية واقتصادية
تتولاها واشنطن.
فإذا استلمت السلطة (وهي على سياستها
المعروفة اليوم) ترتب على استلامها رد
دولي قوي ترجم ترديا ماديا في أحوال
الفلسطينيين (...) و"حماس" اعتادت
السياسات المعارضة، وليس الاضطلاع
بالمسئوليات.
وهي
لا تريد تحمل المسئولية عن إخفاق محمود
عباس. وتقدر موقع "حزب الله" من
الهندسة السياسية في لبنان حق قدرها:
فهذا الموقع يتيح للحزب الجمع بين
فوائد العمل داخل المؤسسات وخارجها،
وبين الامتناع من قبول القرارات
الرسمية والرضوخ لها ضمنا، وبين
التنديد بأفعال الدولة والاستفادة
منها (...). وبحسب محمود عباس فإن دخول
"حماس" منظمة التحرير والمجلس
التشريعي يجبرها على المساومة، بما
فيها على
القرارات التي ترفضها.
ويرى
الرئيس الفلسطيني أن تهميش المنظمة
الإسلامية يضع إستراتيجيته في مهب عمل
هجومي عسكري. فإذا انضمت إلى المعترك
البرلماني، فهو على يقين من رجحان كفة
التزامها الهدنة وإلزام قاعدتها بها.
وما دام الاحتلال الإسرائيلي، فكل
محاولة بتجريد الحركة من سلاحها
بالقوة تستنفر مقاومة عنيفة، وتفضي
حتما إلى نزاع أهلي، وإلى تنديد شعبي
عريض.
اقرأ
أيضا:
بلديات
فلسطين.. حماس لاعب سياسي قوي
أبو
مازن.. هل يمكن أن يصبح "ساداتيا"؟
ما
بعد الحوار الفلسطيني.. هل تتغير
موازين القوى؟
أبو
مازن وحماس: كيف يمكن تفادي الحرب
الأهلية؟
عباس
واللعب مع الكبار: بوش وشارون وحماس
أزمة
فتح.. سقوط "الحركة" في قفص "السلطة"
*المقال نشرته جريدة الحياة يوم 22 يونيو 2005 نقلا عن "ذا نيويورك ريفيو أوف بوكس"، النصف الأول من يونيو 2005.
**حسين أغا (كاتب فلسطيني) وروبرت ماليه (مستشار بيل كلينتون لشؤون المفاوضات الإسرائيلية – الفلسطينية).
|