ومن
المتوقع أيضا، أن تصير توجسات الصين
الأمنية والعسكرية تجاه الهند هي
المحدد الأساسي لسياسة الدولة الصينية
تجاه منطقة جنوب آسيا، فالمشاحنات
الصينية الهندية في جنوبي آسيا وفي
شمالي المحيط الهندي ليس بأمر مستبعد،
بل من المفترض أن تصبح في المستقبل
القريب ظاهرة مهيمنة على القارة
الآسيوية. أما المحدد الآخر للسياسة
الصينية تجاه منطقة جنوب آسيا، فهو
يتمثل في النزاعات الصينية الهندية
حول الحدود، وبالذات فيما يخص إقليم
"التبت" الذي هو بمثابة "اللحم"
الإستراتيجي الذي لن تستطيع الصين
الاستغناء عنه أبدا.
ومن
منظور الدوائر الصينية، فإن الهند هي
الوحيدة التي لديها الإمكانية والرغبة
لكي تقف في مواجهة حقيقية مع الصين. إلا
أنه كما تشكل الطموحات الهندية
الجارفة خطرا على الصين، فإن الأخيرة
أيضا تشكل خطرا مماثلا على الهند، وهو
الذي يتمثل في ذهاب حوالي 90% من مبيعات
الأسلحة الصينية إلى الدول التي تقع
على حدود الهند، والتي كانت دوما تكره
تطلعات الهيمنة الهندية في المنطقة،
ومن ثم كان لجوءها إلى تدشين علاقات
أمنية مع قوى إقليمية أخرى، مثل الصين،
أو مع قوى غير إقليمية مثل الولايات
المتحدة؛ على أن يكون الهدف من وراء
ذلك هو إحداث توازن مضاد مع الهند.
وقد
أدى ذلك إلى بزوغ تحالف صيني مع "جيران"
الهند "الصغار"؛ الأمر الذي جعل
الصين تبوء بمكانة في بالغ الأهمية لدى
هؤلاء "الصغار"، وفي منطقة جنوب
آسيا ككل. وأضحت الصين تمثل عنصر
الاستقرار لديهم، وكذلك عنصر القوة
التي تمكنهم من اتخاذ قرارات وسياسات
مستقلة عن الدولة الهندية. هذا فضلا عن
الدور الاقتصادي المهم الذي تلعبه
الصين في المنطقة، في كل من باكستان
وبنجلاديش ونيبال وسيريلانكا، حيث
تعتبر الداعم الاقتصادي الأول لتلك
الدول خاصة باكستان التي تتمتع -مقارنة
بجميع دول المنطقة- بعلاقة وطيدة جدا
مع الصين. وهكذا
نرى، كيف تستخدم الصين الاقتصاد في فرض
الضغوط على الهند.
يضاف
لذلك أن الاتفاقيات التي تمت بين
الطرفين حول "حفظ السلام والهدوء"،
في عامي 1993 و1996 لا تسهم في حل النزاع
الحدودي، فالهند ترى أن حل هذا النزاع
سوف يمهد الطريق إلى نشر الجيش الهندي
على حدودها مع باكستان، وهو ما تعترض
عليه الصين لأن مثل هذا الإجراء سيكون
على حساب باكستان الصديق التاريخي
للصين، إضافة إلى كونه سيحبط
الإستراتيجية الصينية القديمة التي
كانت دوما تحرص على وضع الهند تحت ضغط
إستراتيجي من الجبهتين الباكستانية
والصينية. وكانت النتيجة هي بقاء
الحدود الصينية الهندية -وهي أطول حدود
في العالم بين دولتين، حيث تبلغ 4004
كيلومترات- الحدود الوحيدة التي لم
توضح بعد رغم أن الصين قد استطاعت
التفاوض بشأن حدودها مع كل من روسيا
وآسيا الوسطى وفيتنام في أواخر
التسعينيات.
لم
تقم الصين منذ عام 1963 بالدخول فقط في
تحالفات سياسية وعسكرية مع باكستان
لاحتواء "الخطر المشترك" المتمثل
في الهند بل توغلت أيضا في منطقة جنوب
آسيا كساحة أكثر ملاءمة وسهولة لبسط
النفوذ؛ ففي منطقة شرق آسيا، تقف
القوى الثلاث (روسيا واليابان
والولايات المتحدة) متحدية للصين؛ وفي
منطقة غرب آسيا تقف معظم الدول
الإسلامية التي لا تتمتع بعلاقات
وطيدة مع الصين؛ أما منطقة جنوب آسيا
فهي الساحة الأيسر اختراقا من قبل
الصين؛ فهي لا تحتوي إلا على عدو واحد
وهو الهند؛ ومن ثم كان تدخل الصين
التدريجي في المنطقة منذ النصف الثاني
من القرن العشرين؛ الأمر الذي أتى على
حساب الهند التي ترى أن الصين تشكل
خطرا عليها أكثر من الخطر الذي تشكله
باكستان، وقد أعرب رئيس الدفاع
الهندي "جورج فيرنانديس" عن ذلك
قبل شروع الهند في اختباراتها النووية
عام 1998 عندما وصف الصين بأنها تمثل "تهديدا
أكبر" من باكستان؛ لأنها صارت "محاصرة"
من قبل الأنشطة العسكرية الصينية.
وثمة
محور آخر للتنافس يتمثل في السعي إلى
السيطرة على الطرق البحرية؛ فقد سعت
الصين إلى حماية طرقها التجارية
ووارداتها النفطية عبر المحيط الهندي؛
الأمر الذي استفز الهند التي سعت دوما -وما
زالت تسعى- إلى الهيمنة على المحيط
الهندي، كما يرى المحللون والمراقبون
الصينيون، بل إنها اتجهت نحو تحدي تلك
الهيمنة البحرية الصينية في المنطقة
من خلال سياسة "انظر إلى الشرق"
التي تتلخص في تعميق التعاون العسكري
والاقتصادي بين الهند ودول شرق وجنوب
شرق آسيا بهدف التأثير على النفوذ
الصيني، ومن ثم شهدنا التدريبات
البحرية المشتركة بين الهند وفيتنام
وجنوب كوريا وماليزيا واليابان.
على
أي حال، ورغم أن كلتا المدرستين لديهما
من الأدلة ما يثبت وجهة نظرهما، فإنه
يمكن القول إن العلاقة الصينية
الهندية هي مزيج من التنافس والتعاون،
فكما يتصارع العملاقان من أجل النفوذ
والقوة في آسيا، فهما يشتركان أيضا في
مصالح عدة تمتد من حفظ الاستقرار
الإقليمي واستغلال الفرص الاقتصادية
إلى اكتشاف الأسواق الجديدة وضمان
الحصول على مصادر الطاقة وتحسين
التجارة الإقليمية. ومن ثم، فإنه على
الأصعدة الاقتصادية والثقافية
والتجارية والبيئية يمكن للعملاقين أن
يتقاربا ويتعاونا أكثر من أن يتصادما
ويتعاركا، حيث لم يتردد العملاقان
الآسيويان أن يستفيدا كل الاستفادة من
تلك التجمعات الاقتصادية الإقليمية
التي نشأت في العقد الماضي لكي تخفف
قليلا من الآثار الشرسة للعولمة
الاقتصادية.
إنه
لا يمكن للعملاقين أن ينعما
بالاستقرار في المنطقة إلا إذا اتخذا
مواقف أكثر اتزانا؛ فالصين مثلا ملزمة
بأن تكون أكثر اتزانا في توجهها نحو
منطقة جنوب آسيا لتقي المنطقة من
اندلاع سباق نووي هندي-باكستاني طويل
الأمد، كما أن الصين تدرك أن تحالفها
مع باكستان يوفر لها الوصول الآمن إلى
القواعد البحرية في "كاراتشي" و"أورمارا"
و"جوادار" القريبة لمدخل الخليج
الفارسي ووسط آسيا؛ نظرا لأن موقع
باكستان الجغرافي يطل على مداخل ثلاثة
(جنوب وغرب ووسط آسيا)، وترى الصين أن
باكستان هي الأقدر على منع استفحال
الهيمنة الهندية في جنوبي آسيا، ومن
ثم، فإنها تضخ معوناتها الاقتصادية
الضخمة في قلب باكستان.
وقد
قابلت الهند ذلك بتدشين تجمعات
اقتصادية إقليمية جديدة مثل BIMSTEC وSAFTA
وعزلت عنها باكستان عمدا لمحاولة شل
الاقتصاد الباكستاني، إلا أنها تسعى
في الوقت ذاته إلى الاستفادة من الوضع
الجيو-إستراتيجي المتميز الذي تتمتع
به باكستان. فموقعها الجغرافي يمكن أن
يساهم في ربط الهند بأسواق الطاقة وسط
وغرب آسيا والخليج. فالهند التي ترغب
في دور اقتصادي أكبر بالمنطقة، ستفعل
كل ما في وسعها للحصول على أكبر
استفادة اقتصادية من باكستان؛ وهو ما
سيتطلب من الهند تهدئة وتيرة الصراع
إلى أقصى درجة ممكنة. بمعنى آخر،
إذا أرادت الهند أن تصير قوة عظمى في
يوم من الأيام، فعليها التطبيع مع
الصين وباكستان. وقد تجلت بوادر هذا
التطبيع في يناير 2004، حينما أدلى "فاجبايي"
بكلمته الشهيرة قائلا: "يجب على
الهند ألا تبقى حبيسة للماضي. نحن
حاربنا طويلا، واكتفينا... نحن لن
نستطيع إضاعة أموالنا على الحروب... من
الذي سيستفيد من هذا الصراع؟" وتجلت
أكثر حينما بادر وزير الخارجية
الباكستاني "خورشيد قاصوري" -بعد
حديث "فاجبايي" مباشرة- بإعلانه
عن عدم لجوء بلاده إلى أي منتديات
دولية لحل النزاع مع الهند، وإنما
لجوؤها إلى الهند مباشرة ليتم تسوية
النزاع في ظل المحادثات الثنائية.
تابع
في هذا الملف: