ويثير
المركز عددًا هائلاً من التساؤلات
المهمة من أبرزها: ما هي آثار العلاقات
المتغيرة والمتطورة بين كل من الصين
ومنطقة جنوب آسيا؟ ما الذي يمثله
البزوغ الصيني للمنطقة وما هي عواقبه؟
هل سيكون للصين القدرة على إحداث تغيير
في النماذج الإقليمية أو العالمية
لسياسة القوة؟ هل ستتمكن "بكين" -عبر
توطيد علاقتها مع "نيودلهي"- من
إفشال وإحباط الجهود الأمريكية
الساعية لتطويق التنين الصيني؟ وهل
سيؤدي التحسن الجاري الآن في العلاقات
الصينية الهندية إلى تخلي الصين عن
تحالفها التقليدي مع باكستان وإبعاد
الهند عن الدوران في فلك الولايات
المتحدة الأمريكية؟ ما هي الآثار
المرتقبة للتطبيع الصيني الهندي على
منطقة جنوب آسيا بوجه عام، وعلى
العلاقات الصينية الباكستانية بوجه
خاص؟ وما هي الطموحات الهندية، أن تصير
الهند شريكا للصين أم منافسا أم
الاثنين معا؟ وكيف يمكن لبلد مثل الصين
ذات القوة العسكرية والاقتصادية
المهولة أن تقتنع بالتحرك ضمن إطار
إقليمي متعدد الأطراف؟ وهل يمكن
للحساسيات التاريخية وللتوجهات
القومية المتصاعدة وللرؤى الكونية
المختلفة أن تخلق معوقات وعراقيل تحول
دون التعاون الفعال فيما بين دول
المنطقة من جانب، وبين الصين من جانب
آخر؟.
ويخلص
المركز بعد بحثه عن إجابة هذه
التساؤلات وغيرها إلى نتيجة أساسية
مفادها أنه مع ازدياد الترابط
والتداخل بين اقتصاد منطقة جنوب آسيا
والاقتصاد الصيني، سيزداد الالتحام
والتشابك حتما بين الطرفين. لذا فلا
عجب إذا فوجئ العالم بحدث تاريخي كبير
هو الصعود الجماعي لاتحاد جنوب آسيا
والصين.
ويستخلص
المركز في نهاية هذه الدراسة عددا من
النتائج أبرزها:
أولا:
إن الضغوط والطموحات التجارية
والاقتصادية قد أسهمت في تغيير
الأهداف والإستراتيجيات الهندية
والباكستانية والصينية، وتحويل الرؤى
الإستاتيكية إلى رؤى ديناميكية. فما
نشهده الآن هو تحول في الرؤى السياسية
الثلاث؛ فسياسة الصين تجاه منطقة جنوب
آسيا باتت أكثر تعاونا وتضامنا، وأقل
تصادما ومواجهة. والتطورات الإيجابية
الأخيرة على صعيد العلاقات الصينية
الهندية تقول بأن صناع القرار -من
الجانبين- قد انتهجوا سياسة تشجع على
التطبيع، وتعزز من توسيع العلاقات
الثنائية، وتنبذ المواجهة والتصادم. إن
الحقائق الجيو-اقتصادية الجديدة
استطاعت أن تمهد الطريق إلى أقصى درجات
التعاون والتداخل والتأقلم. لقد
صارت هناك حاجة إلى احتواء الشعوب
والثقافات والاقتصاديات، عكس ما كان
يحدث في الماضي، وصار الاقتراب
الآسيوي الجديد ينظر إلى العالم عبر
منظور ديناميكي يستجيب للتغيرات
العالمية السياسية والاقتصادية
والتكنولوجية والاتصالية إلى القدر
الذي تسعى معه إلى إحداث توازن دولي مع
القوة الأمريكية في المدى المنظور.
ثانيا:
إن القرن الآسيوي مرهون بتعاون
العملاقين (الصين والهند). وتكفي هنا
الإشارة إلى قول رئيس الوزراء الهندي
الأسبق "فاجبايي" بأنه "إذا
تعاونت الدولتان فقد يؤدي ذلك إلى
تحويل القرن الحادي والعشرين إلى
القرن الآسيوي".. وسيكون دور باكستان
ساعتها هو دور المَعبر أو المحرك
للامتزاج الاقتصادي الإقليمي في
المنطقة.. إن الصين ومنطقة جنوب آسيا
لديهما القدرة على بدء مرحلة جديدة من
الإثراء الاقتصادي، إذا ما حقق كل
منهما إنجازات اقتصادية متوازية. ومن
المتوقع، أن يُشهد صعودهم الجماعي في
السنوات القادمة".
ثالثا:
إن حلم الامتزاج الاقتصادي الإقليمي
في المنطقة لم يعد بعيد المنال. فالدول
الثلاث أظهرت في الآونة الأخيرة مواقف
في منتهى الإيجابية. وكل منها أظهرت
أفضل ما عندها، لتبدد الشكوك والهواجس
من حولها، سواء في نفس المنطقة أو في
المناطق الآسيوية الأخرى. فقامت
مجتمعة بإعلان توجهها نحو توسيع
علاقاتها التجارية والاقتصادية مع
المناطق المجاورة؛ شرق، شمال، وسط،
غرب آسيا.
ويمكن
تناول هذه الدراسة الهامة عبر المحاور
التالية: