بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

في الموقع أيضًا:

ساحة الحوار    -    دليل المواقع

استراتيجيات

إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين


الإرث السوفييتي ومشكلة المياه في وسط آسيا

زينيدين كارييف*
قراءة وترجمة: إبراهيم غالي**

18/06/2005

مثل سقوط الاتحاد السوفييتي عاملا رئيسيا في ظهور العديد من النزاعات المختلفة بين الخمس عشرة دولة التي قامت بعد تفككه. ومن بين هذه الدول ثمة خمس دول تمثل منطقة وسط آسيا هي (كازاخستان، قيرغيزستان، طاجيكستان، تركمانستان، وأوزبكستان) التي حصلت جميعها على الاستقلال عام 1991.

وقد شهدت هذه المنطقة التي تتميز باشتراكها في مصادر المياه العديد من التوترات والنزاعات التي تم تسييسها إلى درجة كبيرة، فإلى جانب مشكلات التحول من الاقتصاد المركزي المخطط إلى اقتصاديات السوق، ووجود حدود مصطنعة تخلق النزاعات، مثلت المنطقة مجالا خصبا للتنافس الإقليمي بين روسيا والصين والولايات المتحدة وتركيا وإيران وغيرها.

ويقدم الكاتب "زينيدين كارييف" الأستاذ بجامعة وسط أوربا في بودابست في هذا المقال واحدا من النزاعات التي تشهدها المنطقة وكيفية حلها وهي قضية الاستخدام المشترك للمياه بين دول المنطقة باستثناء تركمانستان.

خلفيات الصراع في منطقة وسط آسيا

شهدت منطقة وسط آسيا في نهاية القرن التاسع عشر تنافسا روسيا بريطانيا انتهى بتقسيمها إلى ثلاث مناطق؛ الجزء الشرقي كان من نصيب الصين، والجزء الجنوبي أصبح تحت السيطرة البريطانية، أما الجزء الباقي وهو الدول الخمس فقد استولت عليه روسيا، ثم تم إلحاقه قسريا بالإمبراطورية السوفييتية في أواخر العشرينيات من القرن الماضي.

وقد عمل الحكم السوفييتي على إحداث تغيير دراماتيكي في البنى الاقتصادية والاجتماعية بل والتكوين الجغرافي والبشري لهذه الدول حيث نزوح عدد من السكان السوفييت من الأصل السلافي للمنطقة ومهاجمة الثقافات غير المتجانسة مع مركز الحكم في موسكو ومنها عدم توفير الحماية القانونية للإسلام ذاته بالمنطقة، فضلا عن استخدام السكان لزراعة وجمع القطن في هذه الدول.

وقد كانت إعادة ترسيم الحدود هي إحدى خلفيات هذا الميراث الشائك بين الجانبين في فترة ما بعد الحكم السوفييتي، فلم تراع هذه الحدود الميراث التاريخي والثقافي لدول المنطقة تاركة أقليات قومية كبيرة داخل حدود كل جمهورية بما يخلق علاقات سياسية متوترة ويضع مشاكل أمام التنمية الاقتصادية بالمنطقة.

وعلى سبيل المثال نجد وادي "قيرغانا" ذا الكثافة السكانية العالية والأكثر خصوبة قد تحول في فترة الحكم السوفييتي إلى أكبر منتج للقطن بعد أن تم تقسيمه بين قيرغيزستان وأوزبكستان وطاجيكستان، فخزانات المياه توجد في أوزبكستان لكنها تنشأ في قيرغيزستان ويتم حلج القطن في أوزبكستان، بينما الطريق التجاري لنقله يتم عبر طاجيكستان. ورغم أن المنطقة تحولت لأكبر مصدِّر عالمي للقطن في الستينيات والسبعينيات حيث كانت أوزبكستان تنتج وتصدر ما يزيد عن 4 ملايين طن من القطن سنويا، فإن هذه الترتيبات قد قضي عليها بعد الاستقلال بعد أن تسببت في آثار بيئية مدمرة بنهر الآرال، والتي نتج عنها أن أصبحت المنطقة واحدة من أعلى مناطق العالم تدميرا لصحة السكان حيث بلغ معدل الوفيات 110 أشخاص لكل 1000 مولود.

وقد أدت هذه السياسة السوفييتية إلى خلق أوضاع تسمح بتفجر الصراعات، فهناك أجزاء داخل الأراضي القيرغيزية والطاجيكية لا يتم الوصول إليها إلا عبر الأراضي الأوزبكية. ولأن أوزبكستان قد اتبعت سياسة الانعزال عن جيرانها بعد الاستقلال فقد تم تقييد حرية العبور عبر أراضيها إلى الدول المجاورة بحجة عدم دخول المتطرفين إلى أراضيها. يضاف لذلك أن 90% من مصادر المياه بالمنطقة تركزت في دولتين فقط هما قيرغيزستان وطاجيكستان لأن أكبر نهرين بالمنطقة ينبعان من أراضيهما هما نهرا سيرداريا وآموداريا، بينما نجد أوزبكستان أكبر مستهلك للمياه هي دولة "مصب" وهي بحاجة دائمة للحفاظ على تدفقات المياه إلى أراضيها. كما قامت وزارة الري السوفييتية بإنشاء خزانات للمياه في دولتي المنبع (قيرغيزستان وطاجيكستان) لإنتاج القطن في طاجيكستان وأوزبكستان وأقامت شبكة إقليمية واحدة لمحطات توليد الطاقة الكهرومائية في دول المنبع بحيث كانت تصدر هاتان الدولتان القوى الكهربائية لدول المصب في فصل الشتاء بينما تنقص إمدادات المياه في فصل الصيف لتخصيصها لإنتاج القطن؛ الأمر الذي كان ينذر بحدوث خلافات عميقة بين دول المنطقة أو تهديدها اقتصاديا في حالة حدوث أي خرق لهذه الترتيبات. وهو ما حدث فعلا مع دخول القرن الحادي والعشرين حينما شهدت المنطقة أسوأ موجة جفاف وأدى نقص المياه إلى انخفاض إنتاج القطن والأرز وغيرها، مما سبب انخفاضا في مستويات المعيشة وتوترات أمنية شديدة بين دول المنطقة.

صراعات ما بعد الاستقلال.. لا جدوى من الاتفاقيات الثنائية

بدأ التوتر بالمنطقة حول توزيع المياه منذ الثمانينيات، إلا أن موسكو كانت تخمدها على الفور لعدم التأثير على إنتاج القطن، لكن مع انهيار الاتحاد السوفييتي انتقل الصراع فجأة من قضية داخلية إلى موضوع للوساطة الدولية، وعمدت كل دولة أن يتضمن دستورها السيادة المطلقة على مواردها الطبيعية، كما شكلت كل منها لجنة داخلية لتنسيق المياه في عام 1992 في وقت لم تستعد فيه هذه الدول الضعيفة اقتصاديا لمواجهة الفراغ الذي تركه السوفييت بعد أن أشركهم جميعا في بنية أساسية وموارد مشتركة الاستخدام. وقد خلق هذا بدوره تنافسا فيما بينها لإظهار كل منها لدورها الإقليمي، كما جعل المنطقة الغنية بثرواتها النفطية والمعدنية والزراعية أرضا لمعركة تنافس دولي محموم للسيطرة على منابع النفط في ظل نظم غير ديمقراطية ومشكلات داخلية كبيرة منها تصاعد الفقر وظهور الجماعات الإسلامية المسلحة بل والخوف من قيام حروب أهلية كما حدث في طاجيكستان خلال التسعينيات والتي أدت إلى مزيد من التدخلات الخارجية لاسيما من روسيا الاتحادية.

لقد ساهم النزاع الحدودي في إثراء النزاعات بين دول المنطقة خاصة لدى أوزبكستان التي لها مشكلات حدودية مع كل جيرانها وهذا يتضح بوجه خاص في نزاعها مع "قيرغيزستان" حول مقاطعتين متواجدتين على أراض مشتركة للدولتين، كما تدعى كل من أوزبكستان وطاجيكستان أن لكل منهما أجزاء من أراضيهما تقع داخل إقليم الدولة الأخرى.

وأدى ذلك إلى بروز قضية الاستخدام المشترك للمياه بالمنطقة وخاصة أن أوزبكستان وكازاخستان لا تملكان سوى ما بين 14% إلى 45% من احتياجاتهما المائية على أراضيهما، بينما اعتبرت دول المنبع أن المياه سلعة تجارية تهدف للربح خاصة في ظل فقرها في المصادر الطبيعية الأخرى والعمل على تطوير استخدامها للمياه لتوليد احتياجاتها من الطاقة الكهرومائية كي لا تعتمد كليا على أوزبكستان وكازاخستان في الحصول على مصادر الطاقة.

ولهذا لجأت هذه الدول إلى إطار الاتفاقيات الثنائية لتنظيم هذه القضايا المتشابكة التي تلعب فيها المياه وإمدادات النفط والفحم عناصر المساومة الرئيسية، فقد وقعت أوزبكستان وقيرغيزستان 10 اتفاقيات ثنائية في الفترة من عام 1997 وحتى عام 2004.

لكن نتيجة هذه الاتفاقيات كان هو عدم الاستقرار؛ لأن كل دولة كانت تخل بالتزاماتها في الوقت الذي تملك فيه ميزة نسبية عن الدولة الأخرى خلال موسمي الصيف والشتاء، هذا فضلا عن المصالح الداخلية المتناقضة داخل كل دولة، فمثلا نلاحظ أن سكان الحضر في دول المنبع يضغطون على حكامهم في أن يكونوا أكثر مرونة في التفاوض على إمدادات المياه لدول المصب حتى لا يعاقبوا بقطع إمدادات الغاز والنفط من هذه الدول، بينما نجد ضغوطا هائلة من الفلاحين في أوزبكستان لتحسين شروط التفاوض لاعتماد 20% من سكان أوزبكستانفق على القمح كمصدر للدخل، وخوف الحكومة ذاتها من انتشار الر الذي يشجع الجماعات الانفصالية والمسلحة على إحداث العنف بين الحين والآخر.

توازن المصالح يفضي إلى اتفاق إقليمي

ولمواجهة هذه السلبيات كان لا بد من إعادة النظر مبكرا في هذه الاتفاقيات الثنائية؛ لأن صراع المصالح على مصادر المياه والطاقة يجعل تنفيذها صعبا إن لم يكن مستحيلا؛ حيث لا تملك أوزبكستان وكازاخستان التحول عن زراعة القطن والقمح، كما أن قرغيزستان وطاجيكستان لا يمكنهما توفير الطاقة الكهرومائية اللازمة بسرعة لمواجهة احتياجات سكانهما.

وقد قاد هذا الإدراك لعناصر القوة من الدول الأربع إلى إمكانية السيطرة على حالة التوتر التي سادت في عام 1997 الذي شهد تهديدا أوزبكيا صريحا بمهاجمة خزانات المياه القيرغيزية الموجودة على الحدود بين الدولتين، مما أدى إلى إعلان الحكومة القيرغيزية أن المياه سلعة تجارية وهددت ببيعها إلى الصين حال فشلت أوزبكستان في الدفع، ثم أعلنت حكومة أوزبكستان في فبراير 1998 قطع إمدادات النفط عن كل من قيرغيزستان وطاجيكستان وهو ما قابلته قيرغيزستان بالتهديد بفتح خزانات "توكتوجيل" لإغراق مساحات واسعة من القطن الأوزبكي، كما أعلنت الدولتان تقليل احتياجاتهما من النفط الأوزبكي.

هذه الأجواء المتوترة قادت أوزبكستان إلى صياغة اتفاق أولي تم عرضه على كل من قيرغيزستان وكازاخستان وتم التوقيع عليه في 17 مارس 1998 بين الدول الثلاث في مدينة "بيشكشك" ويلاحظ أن أوزبكستان تعمدت عدم دعوة طاجيكستان لاعتقادها أنها ستتخذ خطا تفاوضيا جامدا وأنه يمكن إذعانها عبر عدم اشتراكها المباشر في المفاوضات، لكن طاجيكستان وبدعم من روسيا التي أحدثت توازنا لهذه الاتفاقية قامت بالحد من تدفق المياه إلى أوزبكستان؛ الأمر الذي أدى إلى تدمير نحو مائة ألف هكتار من القطن وهددت بقطع التدفق المائي كليا إلى أوزبكستان خلال الموسم الحار، وهو ما أدى إلى دعوتها والالتحاق بالاتفاقية في صيف 1998.

وتتمثل العناصر الأساسية التي ساهمت في التوصل لهذا الاتفاق وتطويره حتى الآن في ما يلي:

أولا- أن دول المنبع تمتلك معظم مصادر المياه، وهي مدعومة من الجانب الروسي؛ الأمر الذي حقق لها ميزة في الاتفاقية تتمثل في تعهد دول المصب وأطراف ومنظمات دولية أخرى بتقديم مساعدات مالية للحفاظ على نهر الآرال وتدفقات المياه الأخرى.

ثانيا- أن دول المصب تملك ميزة إمداد دول المنبع بمصادر الطاقة، كما أنها الأقوى عسكريا مما يضع دول المنبع أمام أخطار جادة إذا أخلت بالتزاماتها، كما أنها مدعومة من الأطراف الغربية وهو ما أدى إلى الاتفاق على إمدادها بالكميات المناسبة لاحتياجاتها من المياه من دول المنبع.

ورغم توقيع هذه الاتفاقية فإن هناك نزاعات وتوترات لا تزال مستمرة خاصة في السنوات الثلاث الأخيرة في المنطقة؛ لأن التناحر السياسي هو الغالب على العلاقات فيما بينها، فدول المنبع تميل إلى التحرش مع دول المصب التي ترغب هي الأخرى في الانتقام، مما يعيق تنفيذ الاتفاقيات المختلفة وتبقى المشكلة قائمة حتى الآن.

ويخلص الكاتب "زينيدين كارييف" إلى أن الاتفاقيات التي تعقد عادة تحت ضغوط داخلية ودولية كبيرة تشمل العوامل الجيوإستراتيجية والجغرافية ربما يكون مصيرها التعطل خاصة في ضوء التذبذبات الموسمية وطبيعة العلاقات السياسية المعقدة داخل هذه الدول والتي تؤدي إلى تناقض مصالح الفئات الداخلية فيما يختص بطبيعة اتفاقيات المياه.

اقرأ أيضا:


* أستاذ الاقتصاد السياسي بجامعة وسط أوربا في بودابست، وقد نشر هذا المقال تحت عنوان "water diplomacy in central Asia" في دورية "the Middle East Review of International Affairs"، الإصدار 9، العدد 1 مارس 2005.

** باحث سياسي ومحرر الشئون السياسية بموقع إسلام أون لاين.نت.

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 


إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين


من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع