 |
|
الشرطة الإندونيسية تعاين موقع التفجيرات في سوق تينتينا |
لم
تكن عملية التفجيرات التي وقعت في منطقة "تينتينا"
الواقعة في جزيرة "سولاويسي الوسطى" شرق
إندونيسيا مطلع الأسبوع الجاري، وتحديدا يوم
السبت 28 مايو 2005- هي الأولى من نوعها، فقد شهدت
هذه المنطقة أعمال عنف على خلفية طائفية في
نهاية العقد المنصرم وعمليات تفجير أخرى خلال
السنوات الثلاث الأخيرة ازدادت وتيرتها خلال
الأشهر الثلاثة السابقة رغم توقيع اتفاق "مالينوا"
للسلام بين المسلمين والمسيحيين بداية عام
2002. ولن تكون هذه العملية هي الأخيرة بالطبع
في ظل سلام هش فرضته الحكومة الإندونيسية بين
طرفي النزاع، وفي ظل الشكوك الكثيرة حول وجود
تدخلات أجنبية مباشرة وغير مباشرة في
إندونيسيا.
وما
يثير القلق بوجه خاص من العمليتين الأخيرتين
اللتين وقعتا وسط سوق تينتينا المركزي الذي
تحيطه مدارس مسيحية وكنائس وبنوك، أنهما
الأعنف على مر تاريخ الصراع الطائفي
بالمنطقة، حيث أديا إلى مقتل 22 شخصا وجرح 49
آخرين، وهو ما قد يعيد للأذهان تلك المواجهات
العنيفة التي وقعت بين المسلمين والمسيحيين
وأودت بحياة أكثر من ألفي شخص بين عامي 2000 و2001.
الأمر
الأكثر إثارة أن المسئولين الأمنيين في
إندونيسيا لم يعودوا يستبعدون شبهة تدخلات
خارجية لإحداث هذه التفجيرات في منطقة تنوء
بالتوتر الديني والطائفي، خاصة أن المراقبين
لاحظوا أنه قبيل كل تفجير تقريبا تشهده
إندونيسيا تقوم سفارتا واشنطن وأستراليا
بإعلان حالة التأهب القصوى ومنع مواطنيها من
السفر إلى إندونيسيا وإطلاق التحذيرات من قرب
وقوع حوادث إرهابية، وحدث هذا فعلا في معظم
عمليات العنف السابقة دون أن تقوم السفارتان
بإبلاغ السلطات الأمنية المحلية بمعلومات
تفيدها في منع وقوع مثل هذه الحوادث.
تساؤلات
إندونيسية.. هل أمريكا متورطة؟
جاءت
عمليتا التفجير في "تينتينا" بعد 10 أيام
من تحذير أستراليا مواطنيها بعدم السفر إلى
إندونيسيا عقب تلقيها معلومات تشير إلى
احتمال وقوع تفجيرات انتحارية، وعقب 3 أيام
فقط من قيام الولايات المتحدة بإغلاق بعثاتها
الدبلوماسية الأربعة في إندونيسيا وفرض
الحراسة الأمنية المشددة على المنشآت التي
ترجع ملكيتها للحكومة الأمريكية في المدن
الإندونيسية الأخرى بعد تلقيها تهديدا بهجوم
محتمل، دون أن يوضح موقع السفارة الأمريكية
على شبكة الإنترنت طبيعة هذه التهديدات ومع
اكتفائه بإنذار كافة الأمريكيين المتواجدين
في أرجاء البلاد، وذكر الموقع أن الهجوم قد
يحدث في أية لحظة ويستهدف مواقع منها محلات
يكثر فيها الأجانب والأمريكيون.
وقد
أثار هذا السلوك الأمريكي المتكرر حفيظة
الإندونيسيين وعمَّق من شكوكهم حول وجود
أيادٍ خارجية خاصة الأمريكية منها، إن لم يكن
بالتورط الفعلي أو التخطيط لهذه التفجيرات،
فإنه يكون بالشك في هذا الصمت الأمريكي وعدم
تقديم معلومات مفيدة حقا للسلطات
الإندونيسية لا سيما أن الولايات المتحدة هي
الطرف الأكثر استفادة من هذه التفجيرات بما
يدعم من تحالفها مع إندونيسيا في إطار حربها
على الإرهاب في ضوء استمرار وجود بعض الخلايا
في إندونيسيا من الجماعة الإسلامية التي لا
تزال تتبنى فكر تنظيم القاعدة بعد أن تم
القضاء عليها في ماليزيا، ذلك فضلا عن
المصالح السياسية والاقتصادية الأخرى
للولايات المتحدة في إندونيسيا.
في
هذا السياق لم يستبعد رئيس مجلس الشورى
الشعبي الدكتور "هداية نور واحد" في
حديثه التلفزيوني مع قناة "مترو" يوم 29
مايو وجود تدخل للعنصر الخارجي؛ لأن القصد من
حدوث هذه العملية التي تم التخطيط لها جيدا هو
النيل من سيادة إندونيسيا وتشويه سمعة البلاد
أمام العالم، خاصة أن توقيت هذه التفجيرات قد
تزامن مع قيام الرئيس "سوسيلو" بزيارة
إلى الولايات المتحدة.
ويذهب
أستاذ علوم الجريمة في جامعة إندونيسيا "أيرلانجا
ماسديانا" إلى أبعد من ذلك بتوجيه أصابع
الاتهام مباشرة إلى الولايات المتحدة، ويعلل
ذلك في تصريح أدلى به إلى الصحفيين في اليوم
التالي للتفجيرات بقوله: "إن أمريكا تستفيد
من عدم استقرار إندونيسيا، ومن مصلحتها عودة
البلاد إلى مرحلة القلق والاضطراب السياسي
لتجد ثغرة للتدخل في الشئون الإندونيسية
سياسيا واقتصاديا واجتماعيا لاستغلال ثروات
إندونيسيا الكثيرة". ويشير "ماسديانا"
إلى أن عمليات التفجيرات في "تينتينا"
حدثت بعد بضعة أيام فقط من إنذارات السفارة
الأمريكية، وقد حدث هذا أيضا قبيل تفجيرات
منتجع "بالي" في أكتوبر 2002 وقبل عملية
التفجير في فندق "ماريوت" بجاكرتا عام 2003.
أما
رئيس الشرطة الإندونيسية الجنرال "داعي
بختيار" فأشار إلى أن أجهزة الأمن لم تحدد
بعد الجهة المسئولة عن هذه العملية، إلا أنه
وجه عتابا ضمنيا للسفارة الأمريكية
بإندونيسيا قائلا: "ما دامت تدرك احتمال
وقوع عمليات عنف فإن عليها أن تتواصل وتتعاون
مع الأمن الإندونيسي أو وزارة الخارجية
الإندونيسية بدلا من إعلانها إغلاق سفارتها
انفراديا".
وربما
يكون لهذه الشكوك الإندونيسية ما يبررها إذا
ما تمت العودة إلى تاريخ العلاقات
الإندونيسية الأمريكية، فقد ساندت الولايات
المتحدة الحكم الدكتاتوري للرئيس "سوهارتو"
وتغاضت عن ضمه الإجباري لتيمور الشرقية عام
1975 وتحولت إندونيسيا في هذا الوقت إلى حليف
للغرب في جنوب شرق آسيا، إلا أن هذه الأهمية
الإستراتيجية لإندونيسيا قد انخفضت مع
انهيار الاتحاد السوفيتي وبدأت سلسلة
متواصلة من التدخلات الغربية تهدف إلى
السيطرة على الموارد الطبيعية من جانب وإبعاد
إندونيسيا -كبرى الدول الإسلامية- عن العالم
الإسلامي وتسهيل عملية التبشير المسيحي فيها
والتقريب بينها وبين إسرائيل من جانب آخر.
ووصلت
هذه الضغوط الغربية أقصاها عند مساندة الغرب
استقلال تيمور الشرقية في أغسطس عام 1999، مما
أثار النزعات الانفصالية في أقاليم أخرى مثل (آتشيه
وجزر آمبون وجزر الملوك) وأدخل إندونيسيا في
دوامة من العنف السياسي التي ما زالت تعاني
منها حتى اليوم.
وأدت
هذه العوامل إلى سوء العلاقات أكثر وأكثر بين
الدولتين حيث أنهت الولايات المتحدة عام 1999
جميع أشكال تعاونها العسكري مع إندونيسيا بعد
أن كانت الولايات المتحدة قد اتخذت إجراء
سابقا عام 1992 يقضي بعدم مشاركة إندونيسيا في
برنامج التدريب العسكري الدولي الذي كانت
تشارك فيه القوات المسلحة الإندونيسية.
وعملت
الولايات المتحدة بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 على
التعاون مع حكومة "ميجاواتي" لمواجهة
الجماعة الإسلامية الإندونيسية التي تتبنى
فكر "القاعدة" والتقى الطرفان مرة ثانية
على ضرورة مكافحة الإرهاب وشبكاته المنتشرة
في المنطقة، مما أدى إلى التدخل الأمريكي في
الشئون الإندونيسية بغرض مكافحة الإرهاب
ومساندة مسيحيي إندونيسيا كما سيأتي لاحقا.
وهو الأمر الذي جعل الأمريكيين هدفا محتملا
لعمليات العنف في البلاد كما اتضح في هجوم "بابوازيا"
في أغسطس عام 2002 ثم في تفجيرات مدينة "بالي"
في أكتوبر من نفس العام فضلا عن استهداف
السفارة الأسترالية في جاكرتا في سبتمبر عام
2004 لتأييدها للسياسات الأمريكية.
مخاوف
من اندلاع فتنة طائفية في شرق إندونيسيا
تثير
التفجيرات الأخيرة المخاوف من إشعال فتنة
طائفية جديدة في مدينة "تينتينا" خاصة أن
اتفاق "مالينوا" للسلام الذي فرضته
الحكومة على المسيحيين والمسلمين في هذه
المنطقة في ديسمبر عام 2001 لم يمنع استمرار
وقوع حوادث متفرقة استمرت بين الطرفين في
السنوات الماضية مثل التراشق بالنيران
والقنابل.
ورغم
أن الشرطة الإندونيسية لم تتأكد بعد من هوية
منفذي هذه العملية، فإن رئيسة الجهاز الأمني
في "تينتينا" تعتقد أن المسلمين يقفون
وراء هذه التفجيرات لأن معظم القتلى مسيحيون
بينهم كاهن.
وتثبت
عمليات العنف المتبادل بين الجانبين من
الفينة إلى الأخرى أن ثمة صعوبة في معرفة
المسئولين عن هذه التفجيرات التي باتت معتادة
في هذه المنطقة، لكن الأمر الجدير بالاهتمام
هو البحث عن الأسباب الحقيقية وراء استمرار
هذا العنف.
بداية
لم تحقق اتفاقية "مالينوا" للسلام بين
الطائفتين المسيحية والإسلامية المزايا التي
نصت عليها للمسلمين؛ إذ لم تقم قوات الأمن
بإعادة توطينهم في أراضيهم التي استولت عليها
المليشيات المسيحية قبل عام 2001 كما عجزت
الحكومة عن تنفيذ وعودها بمحاكمة أو فرض
العقوبات على بعض المسيحيين الذين تسببوا في
اندلاع الفتنة الطائفية في نهاية
التسعينيات، مما سبب إجحافا بحقوق المسلمين
الأصلية.
وما
زاد الأمر تدهورا هو خضوع الحكومة
الإندونيسية للضغوط الغربية شبه العلنية
لمنع محاكمة مرتكبي الجرائم ضد المسلمين.
وخير دليل على ذلك هو تدخل كل من الولايات
المتحدة ومنظمة المسيحية العالمية لمنع
السلطات الإندونيسية من معاقبة الراهب
الراديكالي "رينالدي دومينيك" بعد أن تم
اعتقاله في أغسطس 2003 إثر وجود دلائل قوية تشير
إلى دوره في احتدام الصراع الطائفي وتصويره
فوتوغرافيا وهو يقوم بتهريب نحو 14 سلاحا
ناريا والمئات من الذخيرة وبعض الأشياء
المحظورة الأخرى، إلا أنه تعمد القيام بدعاية
مكثفة إلى مسيحيي الخارج وخاصة اتحاد الكنائس
العالمي والأمم المتحدة لتشويه هذه الحقائق
رغم ثبوتها، وقامت 11 كنيسة من منطقة سولاويسي
الشمالية ذات الأغلبية المسيحية بالتهديد
بإشعال الفتن إن استمرت الحكومة في اعتقال
"رينالدي"، ومن ثم أصبح ضغط الخارج
وتهديد مسيحيي الداخل حائلا أمام تحقيق
القانون ومعاقبة مثيري الفتنة الطائفية.
لم
تتمكن إذن حكومة أكبر دولة إسلامية في العالم
(210 ملايين نسمة) وتزيد نسبة المسلمين فيها عن
90% من إجمالي عدد السكان من تبني سياسة حكيمة
لمواجهة أحداث الفتنة الطائفية في العديد من
الأماكن التي يقطنها سكان مسلمون ومسيحيون
مثل منطقة شمال سومطرة، ومدينة "ميدان"
بجزيرة سومطرة وفي جزيرة سولاويسي الجنوبية،
وفي العاصمة جاكرتا.. تلك الفتنة التي بدأت
تظهر ملامحها مع نهاية حكم "سوهارتو" ثم
مع التدخل الغربي لحل مشكلة تيمور الشرقية،
حيث رأى المسلمون في استقلال تيمور الشرقية
نموذجا لدور الغرب المسيحي في تقسيم البلاد
ووجههم ذلك لحالة من الاستقطاب الديني، كما
أن ذلك الاستقلال قد رفع من الروح المعنوية
لمسيحيي إندونيسيا الذين سعوا للاستقواء على
المسلمين خاصة في المناطق التي يتساوى فيها
عدد السكان المسيحيين مع عدد المسلمين مثل
جزيرة "سولاويسي".
ولا
شك أن تنامي دور البعثات التبشيرية المسيحية
في بعض المناطق التي يقطنها غالبية من
المسلمين مثلت تحديا للحس الإسلامي، ومن ثم
سببا لاندلاع العنف الديني في ظل حكومة
مركزية ضعيفة في ناحية تطبيق القانون،
واستمرار الضغوط الغربية وخاصة الأمريكية
لإثارة الفتنة الطائفية بإندونيسيا تحقيقا
لمصالحها الذاتية في استغلال ثروات
إندونيسيا ومحاربة الإرهاب والحفاظ على
النفوذ الأمريكي في منطقة شرق آسيا.
اقرأ
أيضًا:
**
صحفي ومحلل للشئون
الإندونيسية.