تغيرت
ملامح الصورة مع بداية عام 2005، ليس فقط لأنه
عام انتخابات الرئاسة وانتخابات مجلس الشعب،
ولكن بسبب إنهاء الرئيس مبارك للولاية
الرابعة والاستعداد لولاية خامسة بعد 24 عاما
في الحكم، وبسبب التغيرات الدولية والضغط
الأمريكي لتغيير النظم السياسية العربية،
وبسبب عجز الحكومة المصرية عن تحقيق إصلاح
حقيقي في ظروف الحياة، وفشل محاولات الإصلاح
الاقتصادي التي لا ترتبط بالإصلاح السياسي.
كل هذه العوامل أدت في النهاية لتبني الحكومة
المصرية لشعار الإصلاح السياسي، دون أي
محاولة للإصلاح الحقيقي، ثم تبني الرئيس
مبارك لتعديل المادة 76 من الدستور الخاصة
بالاستفتاء على رئاسة الجمهورية، ولكن بدون
تعديل حقيقي يحقق إمكانية وجود مرشحين
للرئاسة.
والمشهد
السياسي المصري يشهد عددا من الأحزاب
الممارسة للعمل السياسي، دون أن تكون لها
قواعد جماهيرية، وعددا آخر من الأحزاب
الكرتونية، وقوى سياسية غير ممثلة في أحزاب
سياسية رغم أنها قوى واعدة أو صاعدة، ولكنها
لا تملك القاعدة الجماهيرية بسبب عدم السماح
لها بتكوين حزب. ويضاف لذلك بقايا العديد من
القوى التي نشطت في النصف قرن الأخير، ولم يعد
لها نفس التواجد السياسي السابق. ولقد تجمعت
هذه القوى التي لم تمثل في أحزاب في الحركة
المصرية من أجل التغيير (كفاية)، لتصبح وعاء
لها تمارس من خلاله الضغط السياسي من أجل
التغيير، لفتح المجال السياسي بدون قيود،
والسماح لكل القوى بتشكيل أحزاب، وفتح المجال
أمام الأحزاب السياسية لتمارس العمل السياسي
الحر.
ويكتمل
المشهد السياسي المصري بجماعة الإخوان
المسلمين، وهي القوة السياسية المنظمة
والفاعلة، والتي تملك قواعد جماهيرية،
وقدرات تنظيمية. فهي تمثل التيار السياسي
متكامل الأركان، دون أن يسمح لها بتأسيس حزب
سياسي. فأصبحت القوة السياسية التي تحقق
الشرعية السياسية الحقيقية المتمثلة في
التأييد الجماهيري، وتفتقد للترخيص القانوني.
ونظام الحكم في مصر يعتبر الإخوان جماعة
محظورة النشاط السياسي في مصر، في محاولة
لعزلها عن التأثير في المجال السياسي، من
خلال خطة مستمرة للحصار والإجهاض، دامت أكثر
من 10 سنوات.
وهكذا
أصبح المشهد السياسي المصري يضم السلطة
الحاكمة، ولا نقول الحزب الحاكم؛ لأنها سلطة
أكثر من كونها تيارا سياسيا، وأمام هذه
السلطة الحاكمة، تيار سياسي فاعل متمثل في
جماعة الإخوان المسلمين، ومشاريع سياسية
جديدة محرومة من ممارسة حقها في إنشاء أحزاب
سياسية. وبهذا أصبح مركز الثقل يتمثل في سلطة
النظام الحاكم والقواعد الجماهيرية لجماعة
الإخوان. أي سلطة أمام جماهير، ورغبة في تفويت
فرص الإصلاح أمام رغبة في تحقيق التغيير
والإصلاح. وبهذا تحددت ملامح المواجهة
والتحدي، وأصبح النتاج مرهونا بممارسات
أطراف المواجهة.
من
الجانب الآخر، أدرك الإخوان أهمية وضرورة
الإصلاح السياسي، بوصفه العامل الأساسي
المساعد لكل عمليات الإصلاح الأخرى. وفي نفس
الوقت، فقد مارست الجماعة مختلف أشكال الدور
العام في النقابات والجامعات والانتخابات
التشريعية، وظل نهج الحكومة هو الحصار
السياسي المستمر، حتى وصلنا لمرحلة الجمود
السياسي الكامل، فأصبحت مختلف الأنشطة
العامة، مهما كان تأثيرها، لا تؤدي لتغيير
حقيقي في النهاية. ومع استمرار تردي الأوضاع
الداخلية، وتزايد العدوان والتدخل الخارجي،
أصبحت جماعة الإخوان تواجه لحظة فارقة في
تاريخ الجماعة. فأمام الجماعة أوضاع سياسية
راهنة تجهض كل محاولات التغيير والإصلاح،
واستمرارها بهذه الصورة سيؤدي لإجهاض حركات
التغيير والإصلاح نفسها، وفي المقابل تجد
الجماعة نفسها أمام لحظة مناسبة للتغيير؛
لأنها اللحظة التي أصبح فيها التغيير حتميا
لبقاء الأمة.
وإذا
نظرنا بعمق للحظة الراهنة، نرى ارتباط بقاء
الاستبداد السياسي باحتمالات الفوضى والتدخل
الخارجي؛ لهذا لا يمكن لجماعة الإخوان
المراهنة على أي انتظار لمتغير جديد في
المستقبل؛ فاستمرار الاستبداد يهدد دورها
التاريخي، فيهدد استمرارها، وانتظار مرحلة
الفوضى هو منهج مرفوض من الجماعة؛ لأن الأمة
ستدفع ثمن الفوضى، والتدخل الخارجي قد يحولها
إلى معارك وصدام. فأصبح وقف استمرار
الاستبداد وتحرير إرادة الأمة، هما الهدف
الأساسي للجماعة، والذي يمكنها من القيام
بدورها الطليعي كتيار إصلاحي، لتحقيق تغيير
وإصلاح حقيقي في بنية النظام السياسي المصري.