 |
|
د. محمد السيد سعيد |
عبر
البعض عن قلقه من أن تكون دعوة الرئيس
الأمريكي "بوش" للرقابة الدولية على
الانتخابات الرئاسية المقبلة مقدمة لتطبيق
نموذج أوكرانيا للتغيير السياسي في مصر.
وكانت الدول الغربية قد بادرت إلى إعلان
رفضها لنتائج الانتخابات الرئاسية الأخيرة
في أوكرانيا لأنها في رأيها كانت مزورة،
وفرضت إعادة الانتخابات وجاءت الإعادة
لمصلحة مرشح المعارضة الموالي للغرب
وللولايات المتحدة بصورة خاصة.
والواقع
أن رفض غالبية القوى السياسية المعارضة
والموالية لدعوة بوش للرقابة الدولية لها
أسباب وجيهة أخرى، أهمها رفض المصريين
أدنى شبهة لوضع بلادهم تحت أي نوع من التدخل
والوصاية الدولية، أو شبهة العجز عن إدارة
الإصلاح السياسي الداخلي. ولا شك أن القوى
الإصلاحية في مصر تفضل الإشراف القضائي
الوطني الكامل على أي شكل من أشكال الرقابة أو
الإشراف الدوليين.
ويهمنا أيضا أن ننفي إمكانية تطبيق نموذج
أوكرانيا أو جورجيا على مصر أو أية دولة عربية
مهمة. فالعالم العربي بعيد كثيرا عن نموذج
أوكرانيا التي هي دولة صناعية متقدمة،
وبعيد أكثر عن نماذج دول شمال آسيا التي شكلت
الحزام أو الهامش الأقل تطورا للإتحاد
السوفيتي السابق. والواقع أن الحكم
السوفيتي قد عامل هذه الأرياف الجنوبية
الواسعة في حزمة الجنوب بقدر كبير من انعدام
المسئولية التي تصل إلى الإهمال التام.
وهو الأمر الذي سبب في أكثرها قدرا من الفقر
والخراب البيئي والتهميش الاجتماعي
والاستلاب السياسي لم تمر به أية دولة عربية
حتى في ظل أسوأ نماذج الحكم الوطني أو حتى
الاستعمار الأوربي الحديث. وربما يتمثل
الاختلاف الأساسي بين مصر وأوكرانيا أو بين
الدول العربية ودول شمال آسيا في أن الأخيرة
تعرضت لعملية تدمير سياسي شامل حرمها من فرض
بناء مجتمع سياسي طبيعي بسبب المصادرة
الكاملة للحريات العامة والاستئصال المنظم
لكل صور التعبير السياسي المستقل في ظل
النظام الشمولي والبيروقراطي السوفيتي
القديم.
وبالمقارنة،
فإن المجتمعات العربية خاضت تجارب سياسية
تسلطية وعنيفة إلى حد كبير، ولكنها لم
تفقد تماما فرص التعبير الحر والتطور العضوي
للمجتمع بما في ذلك وجود مختلف صور التعددية،
حتى في ذروة صعود النظم الراديكالية
والتسلطية والعائلية. وفي غالبية الدول
العربية لم يتم القضاء تماما على القطاع
الخاص والتعاوني والإنتاج الحرفي والصناعي
الصغير، فضلا عن ازدهار قطاع كبير للخدمات
المهنية الخاصة التي ضمنت حدا أدنى من صعود
الطبقات الوسطى الحديثة، وقد تعزز هذا
الواقع مع الإقلاع عن سيطرة الدولة على مجمل
الحياة الاقتصادية وتدشين توجهات سمحت
للقطاع الخاص بدور متعاظم في الاقتصاد.
ويصدق نفس هذا الحكم بالنسبة للحياة الثقافية
والمدنية. فبينما تم القضاء المبرم على
الحياة المدنية والثقافية المستقلة لمجتمعات
شمال آسيا لفترة طويلة من الزمن، تمتعت
أكثرية المجتمعات العربية لأسباب شتى بحياة
مدنية وثقافية مستقلة إلى حد ما. ولهذه
الأسباب مجتمعة، فإن المجتمعات العربية
حافظت على قدر ملحوظ من الاستقلالية عن
الدولة بالرغم من الدور المسيطر للقطاع العام
والهيمنة الحكومية على الاقتصاد والانتقال
إلى اقتصاد الريع النفطي.
ويترجم
هذا الواقع بصور معقدة في الساحة السياسية
الراهنة، حيث يتعين على مجتمعات شمال آسيا
ودول الكومنولث الأوربية مثل أوكرانيا أن
تنشئ مجتمعا سياسيا من العدم تقريبا بينما
تستطع الدول العربية الاعتماد على تراث من
الحيوية والاستقلالية المدنية والسياسية
النسبية، وفي بعض الحالات وخاصة في مصر
تستطيع الاعتماد على تراث طويل من الليبرالية
السياسية التي تركت بصماتها على الثقافة بل
وداخل مؤسسات الدولة وخاصة النظام القضائي.
ويرتبط بذلك اختلاف أقوى وأشد تأثيرا بين
المجتمعات العربية ومجتمعات أوربا الشرقية
والكومنولث الروسي. ففي الأخير شكل الخوف
من الهيمنة الروسية عاملا دافعا قويا ومحددا
للحراك السياسي. ولأن الهيمنة الروسية
المفزعة ارتبطت طويلا بالنموذج الشيوعي، فإن
الحراك السياسي اتجه نحو الغرب وقام على
استلهام النموذج الديمقراطي الغربي للحكم.
وقد نجح الانتقال إلى الديمقراطية في البلاد
التي تبلور فيها نضال وطني وديمقراطي مبكر،
وحيثما تم اختيار نموذج الجمهورية
البرلمانية الذي يمنح السلطة الأكبر
للبرلمان، بينما لم ينجح هذا النضال في
البلاد التي تأخر فيها النضال الوطني
والديمقراطي أو حيث تم الأخذ بالنظام الرئاسي
للحكم.
ويلفت
النظر أن الفشل الروسي في الانتقال إلى
الديمقراطية ارتبط بالنظام الرئاسي، حيث
أدخل هذا النظام المجتمع في مصيدة دستورية
يصعب الفكاك منها. فمصلحة الرئيس المسيطر
على الحياة السياسية أن يحكم للأبد وأن يمركز
السلطة بيده بصورة مطلقة وأن يفرض علاقة
تبعية على النخبة السياسية الجديدة، وهو
الأمر الذي يضعف كثيرا قوى الإصلاح
الديمقراطي ويسبب عجزها عن التجديد السياسي
الناجح.
أما
العامل الأقوى والأكثر تأثيرا على التطور
السياسي فهو أن التهديد الخارجي لم يأت-
مثل حالة أوربا الشرقية ودول شمال آسيا- من
النظام الشمولي السوفيتي بل من إسرائيل
والولايات المتحدة التي جسدت وواصلت التراث
الاستعماري الغربي المكروه في المنطقة.
وترتب على هذا الاختلاف أن المجتمعات العربية
دفعت للشك في النموذج السياسي المرتبط بالغرب:
أي الديمقراطية. وربما يفسر جزئيا ضعف
النضال الديمقراطي في الأقطار العربية حيث لا
تزال الدعوة الوطنية والقومية هي المصدر
الأقوى لوعي النخب السياسية المعارضة.
ويؤدي هذا الاختلاف الجوهري إلى تمايز واضح
في الشروط السياسية الداخلية والخارجية
للانتقال الديمقراطي. ولو عقدنا مقارنة
بين النماذج المختلفة للتطور فسوف نجد أنجح
نماذج الانتقال الديمقراطي في أوربا الشرقية
وبالذات بولندا والمجر التي توافر لديهما
تاريخ من النضال الديمقراطي حتى من داخل
الأحزاب الشيوعية الحاكمة قديما، ثم نأتي إلى
تجارب أقل نجاحا ولكنها ليست مأساوية في
بلغاريا ورومانيا حيث وقع انتقال ديمقراطي
أقل جذرية وأخذت هذه الدول بموقع وسيط جنبها
الاختيارات المتطرفة: أي الجمود الشديد أو
العنف الدوري والمتواصل، ثم نأتي إلى تجارب
اتسمت بالجمود التام الذي أدى إلى العنف وهنا
تندرج حالات معظم دول شمال آسيا بما فيها
كازاخستان وأوزبكستان، والدول الواقعة في
حيز الهيمنة الروسية المباشرة مثل جورجيا
وأوكرانيا وقرغيزيا فضلا عن الشيشان بالطبع
وسوف نلحظ أن أغلبية دول شمال آسيا ردت على
الجمود السياسي الشديد بالعنف الديني.
أما
نموذج أوكرانيا فيعد فريدا لأنه على تناقض فج
بين التقدم الاقتصادي والتعليمي والثقافي من
ناحية والجمود السياسي والحكم الرئاسي
المطلق من ناحية أخرى، الأمر الذي أدى إلى
أزمة الانتخاب العامة والتي تعكس صراعا
حقيقيا في المجتمع وليس مجرد تلاعب خارجي أو
أمريكي أو روسي.
وبالمقارنة
بهذه النماذج فإن الأمل في الإصلاح والتطور
السياسي في البلاد العربية يتمثل في علاقة
أكثر استجابية وأكثر مرونة بين المجتمع
والدولة.
وبينما يمثل الأخذ بالنظام الرئاسي مصيدة
حقيقية تعوق حركة الإصلاح وسرعته وانسجامه
فإن ثمة تقاليد تاريخية للدولة خاصة في مصر
تجعل من المتعذر للغاية أن تستمر الفجوة بين
الدولة والمجتمع فعندما يتحقق نوع من التوافق
العام في المجتمع يصعب على الدولة البقاء
خارجه وتتجه للمصالحة معه ولو بعد فترة من
التردد. وتفتح تقاليد الاستجابة هذه فرصا
أفضل لانتقال سلمي وإصلاحات ذات قيمة.
ويبدو أن هذه التقاليد ستشكل القوة الدافعة
لنموذج انتقال ديمقراطي سلمي وأكثر قابلية
للنجاح من دول عربية أخرى.
تابع
في الموضوع:
اقرأ
أيضًا:
*
مقال نشر بجريدة الأهرام يوم 23-5-2005
**
نائب مدير مركز الدراسات السياسية
والإستراتيجية بالأهرام