 |
|
موقع انفجار ميدان عبد المنعم رياض بقلب القاهرة |
حوادث
العنف الثلاثة التي شهدتها القاهرة في غضون
شهر إبريل الجاري كانت جميعها موجهة ضد سياح
أجانب، من بينهم إسرائيليون، كما أن المنظمات
المجهولة مثل "كتائب العز الإسلامية بأرض
النيل" -التي أعلنت مسئوليتها عن حادث
الاعتداء الأول على أجانب في منطقة الأزهر
شرق القاهرة يوم 7 أبريل 2005- وجماعتي "كتائب
الشهيد عبد الله عزام" و"مجاهدو مصر"
اللتين تبنتا عمليتي ميدان التحرير والسيدة
عائشة وسط وجنوب القاهرة يوم 30 إبريل.. حرصوا
على تأكيد استهداف الأجانب في هذه العمليات.
كل ذلك يثير تساؤلات عن سر تصاعد العنف مرة
أخرى في مصر بعدما خمد في نهاية التسعينيات،
وتوجهه هذه المرة نحو أجانب وليس تجاه
الأنظمة العربية، والأخطر دخول ظاهرة
العمليات الانتحارية ساحة المواجهة في مصر
لأول مرة عبر تفجير الأشخاص أنفسهم.
العمليات
الثلاثة -وفق أوساط سياسية وبحثية مصرية- لا
يمكن فصلها بحال من الأحوال عن تفجيرات طابا
وسيناء ضد السياح الإسرائيليين في أكتوبر 2004
التي حدثت بعد فترة توقف لأعمال العنف في مصر
دامت 7 سنوات. وجاءت العمليات الأربعة وكلها -وفق
البيانات المعلنة- بمثابة أحداث عنف موجهة
للخارج بشكل أساسي لا إلى الداخل (عمليات
الجماعات الإسلامية والجهاد التي جرت في
التسعينيات من القرن المنصرم كانت موجهة إلى
النظام وأجهزة الأمن والمصالح الحكومية بشكل
خاص، حتى استهدافها للسياح الأجانب حينئذ كان
أساسا بهدف الضغط على النظام)، وكلها تؤشر
على مرحلة عنف وجيل ثالث من الجماعات أو
الخلايا الصغيرة التي تستهدف الأجانب، وربما
الحكومات لاحقا لو عطلتها عن تنفيذ أهدافها
كما حدث في السعودية.
فالمتهمون
في تفجيرات سيناء قالوا في التحقيقات: إنهم
استفزهم الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة
على الشعب الفلسطيني، وكانوا ينوون القيام
بهذه التفجيرات أصلا في مدن إسرائيلية،
ولكنهم عدلوا عن الفكرة نظرا للصعوبات
الأمنية، وفضلوا الصيد السهل في سيناء. كما أن
اعترافات من تم القبض عليهم من أفراد
المجموعة المتهمة بالتورط في تفجير الأزهر
أشارت أيضا إلى الاحتلال الأمريكي
والإسرائيلي لفلسطين والعراق كأحد أهم دوافع
تحركهم، بحسب الصحف الحكومية.
والجماعة
التي أعلنت مسئوليتها عن تفجير الأزهر أعلنت
أيضا -بصرف النظر عن مدى مصداقيتها- أنه "هجوم
استشهادي" للاحتجاج على سياسات حكومة
الرئيس المصري حسني مبارك والسياسات
الأمريكية في المنطقة؛ وهو ما يشير لوجود
أسباب خارجية للتفجير أكثر منها أسباب مصرية
داخلية؛ حيث شددت على أن العملية للثأر "من
أمريكا وأمثالها.. من كل القوى الاستعمارية
لإخواننا المسلمين المستضعفين، في العراق
كانوا أو في فلسطين وغيرها من بلاد الإسلام
الجريحة".
كما
أن الجماعتين اللتين تبنتا عمليتي التحرير
والسيدة عائشة استهدفتا بدورهما سياحا أجانب
(فوج سياحي في التحرير، وسيارة سياح تمر في
منطقة القلعة السياحية)، كما أن العمليات
الأربعة (في سيناء والقاهرة) اتبعت تكتيك
العمليات الانتحارية لأول مرة في مصر؛ لدرجة
أن منفذ عملية التحرير -بحسب الرواية الرسمية-
قفز بالقنبلة من فوق "كوبري 6 أكتوبر" (جسر)
ليسقط على الفوج السياحي الذي ترقب وصوله،
ويصيب سبعة سياح ومصريين وفق المصادر الأمنية
المصرية، في حين أن منفذتي عملية ميدان
السيدة عائشة (في العقد الثاني من عمرهما) قيل
بأنهما انتحرتا بعد إطلاق الرصاص على أتوبيس
سياحي بإطلاق النار على بعضهما البعض.
وسبق
لوزير الداخلية المصري حبيب العادلي أن حذر
عدة مرات من موجة إرهاب ينتظر أن تهب على
المنطقة بسبب التطورات الدولية؛ مثل احتلال
العراق وفلسطين، وألمح إلى خطورة هذه
السيناريو الأسود من أن يؤدي الغزو الأمريكي
للعراق في مارس 2003 وما تلاه من هيمنة غربية
لخلق مجموعات جديدة صغيرة غير مرصودة من
المتشددين دينيا أشبه بـ"الخلايا النائمة"،
ربما تتجه لتنفيذ عمليات يصعب كشفها مسبقا،
ولهذا جرى توسيع قاعدة الاشتباه عقب تفجير
الأزهر من جانب أجهزة الأمن، وجرى اعتقال
العشرات حتى من سكان منطقة التفجير لجمع
معلومات عن الجهة التي وراء التنفيذ، ورغم
هذا نفذت أعمالا أخرى.
ضد
الغزو الأمريكي والكراهية الغربية للمسلمين
ويبدو
أن موجة التفجيرات الأخيرة والعدوان على
الأجانب التي تطال العالم العربي منذ سنوات،
والتي بدأت في الخليج خصوصا السعودية.. جاءت
كرد فعل مباشر لعمليات الغزو الأمريكية ضد
دول مثل العراق وأفغانستان وعملية إعادة
تشكيل منطقة الشرق الأوسط الكبير بما يخدم
المصالح الإسرائيلية، وما واكب هذا من حصار
لسوريا ولبنان وضغوط على مصر.
بعبارة
أخرى: هي عمليات "ذات طابع إقليمي" لا
محلي، وليست موجهة ضد أنظمة الحكم بشكل أساسي
على غرار موجة العنف الأولى في السبعينيات
والثمانينيات والثانية في التسعينيات رغم
تأكيد بعض هذه المنظمات الجديدة المنخرطة في
موجة الإرهاب الثالثة الحالية على خنوع
حكوماتها أمام الضغوط الأجنبية؛ مما يضطرها
هي للتحرك والعنف، في عمليات موجهة ضد
الأمريكان والإسرائيليين بشكل أساسي.
فهذه
التيارات أو المجموعات الجديدة -التي أعلنت
الجماعات الإسلامية المصرية التقليدية
تبرؤها منها- استفزها الواقع العربي الرسمي
المنهار، وتصاعد "العدوان الصهيوني
والأمريكي" -كما تقول- على العرب والمسلمين؛
فبدأت في التحرك منفصلة مستفيدة من التطور في
العمليات التفجيرية التي أصبحت أشبه بألعاب
الفيديو في العصر الحديث، وربما معتمدة على
عناصر لها خبرات في هذا المجال، فضلا عن مجال
الإنترنت الرحب الذي بدأت هذه الجماعات
تستخدمه على أوسع نطاق في التواصل وفي معرفة
معلومات عن أساليب التفجير، وإعداد
المتفجرات، حتى إن بعض المتفجرات التي
استخدمت في تفجيرات القاهرة الأخيرة قالت
أجهزة الأمن المصرية بأنها مستخلصه من ألعاب
نارية تباع في الأسواق، ويضاف لها كمية
مسامير كبيرة كانت هي السبب في كافة الإصابات
التي وقعت لسياح ومصريين تصادف مرورهم في
ساحة العمليات.
والخطورة
هنا أن يتسع نطاق هذه العمليات التي تقوم بها
هذه المجموعات الجديدة المستقلة -وغير
المرصودة أمنيا من الأجيال العربية الشابة
الجديدة المحبطة- ليشمل دولا عربية أخرى،
خصوصا تلك التي توجد بها مصالح إسرائيلية أو
أمريكية، أو أن تتمدد هذه العمليات أكثر
لتطال أنظمة الحكم العربية في حالة تصديها
لهذه المجموعات.
وقد
وضح هذا في عمليات الجماعات المسلحة السعودية
ضد المصالح الأمريكية والبريطانية خلال عامي
2004 و2005، وتفجير القواعد والمعسكرات
الأمريكية، والتي انتهت بتفجير مصالح أمنية
سعودية؛ ردا على الحملة الأمنية ضد أعمالها
التفجيرية.
فجماعة
"كتائب الحرمين" التي أعلنت مسئوليتها
عن تفجير مبنى الأمن العام السعودي -المسئول
عن مطاردة هذه الجماعات- يوم 21 إبريل 2004 وقتل 4
وجرح 148 خاطبت الأمن في أحد بياناتها، قائلة:
"المجاهدون الأشاوس الأبطال في تنظيم
القاعدة من أتباع الشيخ الإمام أسامة بن لادن
-نصره الله- قد كفوا عنكم، وصبروا على أذاكم،
وانشغلوا عنكم بحرب الصليبيين، واكتفوا
بمدافعتكم مع شدة بأسهم وقدرتهم عليكم وبغضهم
لكم وتكفيركم والبراءة منكم..."؛ وهو ما
يعني أن هدف هذه الجماعات الجديدة الأول هو
ضرب الأجانب الذين تطالهم أيديهم في البلاد
العربية والإسلامية، ثم التحول لقتال النظام
إذا طاردها.
وأكد
اللواء فؤاد علام -نائب رئيس مباحث أمن الدولة
المصري سابقا- أن عمليتي القاهرة في آخر أيام
شهر إبريل 2005 "تثبتان صحة التحذيرات من أن
حالة الاحتقان السياسي في المنطقة من جراء
الممارسات الإسرائيلية في فلسطين والأمريكية
في العراق وأفغانستان ستفرز تنظيمات على غرار
القاعدة، ربما يقف وراء الموجة الجديدة لما
سماه الإرهاب في العالم".
فيما
أكد محللون سياسيون مصريون بدورهم ما سبق أن
قيل عن موجة عمليات متوقعة -منها هذه العمليات
الأخيرة- ضد المصالح الأجنبية في إطار حالة
الفوضى التي تجتاح العالم بعد غزو العراق،
ومحاولات رسم خريطة جديدة للعالم العربي
والإسلامي تخدم أهداف إسرائيل وسط عجز رسمي
عربي كامل؛ وهو ما يصعد حالات كراهية
الأمريكيين والغربيين عموما في العالم
العربي.
وبشكل
عام يمكن رصد الملاحظات التالية على تفجيرات
القاهرة ونتائجها المستقبلية:
1-
إعلان منظمات مجهولة مسئوليتها عن تنفيذ
عملية التحرير والسيدة عائشة معناه أن
العمليات قد لا تكون فردية أو عائلية كما قالت
بعض التوقعات المبدئية استنادا إلى أن صلة
منفذي العمليات الثلاثة بالقاهرة ببعضهم (أصدقاء
ومن منطقة واحدة، والفتاتان هما شقيقة وخطيبة
منفذ عملية التحرير)؛ وهو ما يعني أيضا أن
هناك ذيولا للعمليات وتنظيمات أخرى طليقة
وقادرة على تنفيذ عمليات أخرى، وأن الأمر لم
ينته بمقتل منفذي العمليات الثلاثة.
2-
تنفيذ العمليات بطريقة قتل النفس أو الانتحار
أو الاستشهاد -وفق قناعة منفذيها- يفتح الطريق
لدخول العمليات الاستشهادية إلى الساحة
المصرية لأول مرة، خصوصا في ظل ما ترصده مراكز
الأبحاث المصرية والعربية عن حالات البطالة
المتفشية واليأس والإحباط لدى كثير من الشباب
العربي، وهو (العمليات الانتحارية) تطور خطير،
خصوصا إذا تحول مستقبلا إلى مواجهة مع
السلطات الحكومية كما حدث في السعودية، عندما
تحولت العمليات إلى الأجانب، ثم الحكومة
السعودية فيما بعد؛ بدعوى أنها تعطل عملياتها،
وتطارد وتقتل أعضاءها، وجرى تفجير مصالح
أمنية وحكومية.
3-
عدم كشف أجهزة الأمن المصرية لهذه الخلايا
الجديدة غير المرصودة ينبئ بمخاوف من تعدد
عملياتها مستقبلا، وتسببها في حالة من الفوضى
الأمنية، ومن ثم السياسية في وقت تطالب فيه
أحزاب المعارضة بإصلاحات سياسية، وتدخل مصر
فيه مرحلة انتخابات رئاسية وبرلمانية حاسمة
الخريف المقبل.
4-
هناك احتمالات أن تؤخر عمليات العنف
الإصلاحات السياسية، وتؤدي لاستمرار العمل
بقانون الطوارئ وعدم إلغائه كما هو مأمول؛
حيث ستعتبرها الحكومة مبررا لتأخير أي
إصلاحات، أو لتبرير بطئها على أحسن حال،
والتجربة السعودية في هذا المجال كشفت عن
استمرار الإصلاحات السياسية، وإجراء أول
انتخابات بلدية حرة في تاريخ البلاد (مارس -
أبريل 2005) رغم استمرار عمليات العنف.
5-
هناك احتمال أن تتحول المواجهة بين هذه
الجماعات الجديدة من الجيل الثالث للجماعات (بعد
جيل التسعينيات وجيل مناصري بن لادن)
والأجانب، إلى مواجهة بينها وبين الحكومات
على الطريقة السعودية في حالة تصاعد
المواجهات الأمنية الداخلية معها؛ وهو ما
يهدد بموجة عنف داخلية أوسع حسب قدرات هذه
المجموعات الجديدة، وربما يزداد العنف
اتساعا في حالة تأجيل عمليات الإصلاح
السياسية الداخلية، والعكس صحيح.
التفجيرات
والعنف الداخلي حتى ولو كانت موجهة للأجانب
فإنها تصب في خانة مصلحة المشروع الأمريكي
الإسرائيلي في المنطقة، وتزيد ضعف الحكومات
العربية أمام مخططات الضغوط الأمريكية
المتوالية، ومن ثم القابلية لقبول الشروط
الغربية للإصلاحات التي تتصادم في كثير من
الحالات مع مصالح الشعوب العربية الحقيقية،
وتهدف لتحقيق أغراض المشروع الشرق أوسطي
الأمريكي الإسرائيلي، وربما لهذا تحركت قوى
إصلاحية إسلامية (الإخوان المسلمون) وأخرى
قومية عربية للتنبيه لمخاطر هذه العمليات على
بلدانها، وأدانت العنف الجديد، ودعت
الحكومات لتسريع الإصلاحات.
اقرأ
أيضًا:
**
محلل الشئون السياسية بإسلام أون لاين.نت