|
أجندة التيار الإسلامي "المعتدل" الفائز تتعارض مبدئيا مع أجندة الإصلاح الأمريكية
البلديات السعودية.. إسلاميون تفوقوا على إسلاميين!
|
|
محمد جمال عرفة**
|
27/04/2005
|
|

|
|
فرز الأصوات في الانتخابات البلدية جرى في جو من الشفافية
|
أبرز
ما أفرزته نتائج المرحلة الثالثة من
الانتخابات البلدية السعودية التي فاز
فيها ما يمكن أن يطلق عليهم "الإسلاميون
الإصلاحيون" بجميع مقاعد مدينة "جدة"
التي يعدها البعض أكثر مدن المملكة
تحررا هو توجه المجتمع السعودي إلى
تبني أطروحات المرشحين الذين يمثلون
التيار الإسلامي الأكثر اعتدالا
وانفتاحا عن التيار الوهابي، والذي لا
يثق في الوقت ذاته في دعاوى الإصلاح
الأمريكية.
وكما
يقول المحامي السعودي "عبد العزيز
قاسم" فإنه لم يفز إلا القليل من
الإسلاميين التقليديين من التيار
الإسلامي الدعوي أو الوهابي، أو من
الليبراليين، أو من رجال القبائل
المستندين على سند عشائري، بينما تم
التصويت في معظم المناطق البلدية
السعودية لصالح الإسلاميين المعتدلين
الأكثر انفتاحا.
وتتلخص
دلالة هذا الفوز في أن الناخبين أوضحوا
بجلاء أن اختيار هذا التيار من
الإسلاميين لا يعني رفض الإصلاح؛ بل
المطالبة به بجدية على نحو يجعل الداخل
السعودي هو الموجه لهذا الإصلاح في
مقابل دعاوى الإصلاح الأمريكية.
إسلاميون
إصلاحيون معتدلون
ويلاحظ
أن أغلب الفائزين هم من ذوي الثقافة
الإسلامية المنفتحة ممن تلقوا علومهم
خارج السعودية أو من يطلق عليهم "التكنوقراط"،
ومنهم عدد كبير من متوسطي العمر ممن
تعلموا في الغرب؛ حيث فاز -على سبيل
المثال- في المرحلة الأولى من
الانتخابات البلدية خمسة منهم يحملون
درجة الدكتوراة، وأربعة من رجال
الأعمال؛ وهو ما اعتُبر إشارة إلى
نجاعة التيار الإسلامي الإصلاحي
المتزايد في المجتمع السعودي، وتفوقه
على التيار الإصلاحي العلماني
الليبرالي.
كما
يلاحظ أيضا أن نسبة كبيرة من المرشحين
كانوا من أصحاب الدعوات الإصلاحية
الإسلامية والعاملين في حقل الدعوة
وموظفي الحكومة؛ ففي الرياض مثلا ترشح
20 من أساتذة الجامعات، وفاز 5 مرشحين
يحملون درجة الدكتوراة من أصل 7 مرشحين
في العاصمة "الرياض" جميعهم من
الدعاة المعروفين أو العاملين في حقل
الدعوة، وثلاثة منهم لهم نشاط تطوعي
إنساني إغاثي ودعوي؛ هم: "القصبي"
رئيس لجنة الاستثمار في الندوة
العالمية للشباب الإسلامي، عضو المجلس
الأعلى للأوقاف، و"القعيد" من
مؤسسي الندوة العالمية للشباب
الإسلامي، و"البواردي" كان
مسئولا عن لجنة إفريقيا بالندوة
العالمية.
والعناصر
التي فازت في المراحل الثلاثة أغلبها
عناصر من النخبة الدعوية المؤثرة، ومن
الرموز الإصلاحية المعروفة أكاديميا،
ومعظمهم ممن لهم نشاط تطوعي بارز، مثل
الشيخ عبد الله السويلم "الذي حصل
على أعلى أصوات في دائرته (21800 صوت)
مقابل 5400 صوت فقط لمن جاء بعده مباشرة،
والشيخ "د.سليمان بن صالح الرشودي"
أكاديمي وداعية ورجل أعمال ناجح،
والداعية والخطيب "د.عبد العزيز
العمري"، ورجل الأعمال "د.عمر
باسودان" و"مسفر البواردي" أحد
رموز رجال هيئة الأمر بالمعروف والنهي
عن المنكر.
وقد
أرجع "عبد الرحمن يماني" خريج
الهندسة الصناعية وهندسة النظم من
جامعتي ستنافورد وفلوريدا في الولايات
المتحدة، أحد الفائزين في جدة ضمن "القائمة
الذهبية الإسلامية فوزه مع زملائه
الإسلاميين إلى أربعة عوامل هي:
1-
"إننا شعب متدين بطبيعته،
والعلمانيون ليس لهم قبول".
2-
"الناس يريدون الكفء، والمرشحون (السبعة)
محترفون من الطراز الأول".
3-
إن المرشحين "عملوا بجهد وفي وقت
مبكر لتنظيم حملتهم".
4-
جاءت تزكية العلماء والمشايخ لهم بسبب
برامجهم الخدمية وتوجهاتهم الإسلامية
الإصلاحية.
أيضا
قدم عضو مجلس الشورى المعين والمنافس
للإسلاميين "محمد عبد الله الزلفة"
تفسيرا آخر بقوله: "التيار الديني
الإسلامي موجود في الساحة والمجتمع
منذ فترة طويلة، وله منابره في المساجد
ووسائل الإعلام، وهو يتواصل مع
المجتمع من خلال احتكاره للعمل في
الجمعيات الخيرية بشكل جعل له قدرة على
إقصاء الآخرين".
ولا
يعني هذا أن غالبية الفائزين هم من
التيار الإسلامي المحافظ "المعتدل"
-كما يطلق عليه- ولكنْ هناك إسلاميون
سلفيون ممن يطلق عليهم البعض تسمية "متشددون"،
فازوا أيضا بعدد مقدر من المقاعد،
خصوصا ممن ساندهم بعض الشيوخ السلفيين
الكبار، بل إن خسارة هذا الجناح "المتشدد"
لبعض المقاعد التي كان يطمح فيها في
بعض المناطق مثل منطقة القصيم التي
توصف بأنها "منبع الفكر الديني
الوهابي" في المملكة دفعت وكالات
الأنباء الغربية إلى اعتبار الأمر
مفاجأة، وذهبوا إلى القول بأن
الإسلاميين قد خسروا، في حين أن رجال
الأعمال والموظفين الحكوميين
والقبليين الذين فازوا هناك (4 مقاعد
مقابل 2 للإسلاميين) هم من الإصلاحيين
الإسلاميين.
إذن
وفي ظل غياب حقيقي لما يسمى التيار
الليبرالي؛ فإن ما حدث كما يصفه بعض
المعلقين السعوديين هو تنافس فعلي بين
"إسلاميين" و"إسلاميين"، بين
من يطلق عليهم "السروريون" -نسبة
للعالم السوري الإسلامي محمد سرور
نايف زين العابدين- الذين يتركزون في
الرياض و"الإخوان"، وتنافس آخر
بين المعتدلين عموما من التيارين
السابقين والتيار السلفي.
هل
يشكل فوز الإسلاميين معضلة لواشنطن؟
التفسير
العام الذي ساد بين غالبية المحللين
نتيجة لهذا الفوز الكبير للتيار
الإسلامي الإصلاحي السعودي في
الانتخابات ركز على أن هذا "أمر
طبيعي" في مجتمع ديني، وبالتالي فلن
يزعج هذا الفوز واشنطن؛ لأنه أمر منطقي
أن يفوز إسلاميون في دولة إسلامية،
ولكن الذي لم تتناوله هذه التحليلات
والرؤى بعمق هو أن طبيعة الإصلاح الذي
تريده واشنطن في السعودية يختلف عن
تصورات هؤلاء الإصلاحيين الإسلاميين.
فالإصلاح
الذي تريده واشنطن في المملكة هو إصلاح
علماني يتمثل في حرية أكبر للمرأة
ودور سياسي لها، وحرية أكبر في نقد ما
يسمى الوضع الديني الجامد في المملكة،
وإنهاء مظاهر مثل "جماعة الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر"، ومزيد
من مظاهر الديمقراطية في مؤسسات الحكم
كبرلمان منتخب، والأخطر تغيير مناهج
التعليم، وتجميد نشاط (بعض) الجمعيات
الخيرية الإغاثية والدعوية..
وعلى
العكس تماما تتمثل رؤية
الإسلاميين الإصلاحيين الواردة في
"مذكرة الإصلاح" الأولى التي
صاغها في بدايات التسعينيات من القرن
الميلادي الماضي عدد من رجال الدعوة
والفكر، ثم وثيقة الإصلاح الثانية عام
2003 في تقييد سيطرة الأسرة الحاكمة
والقبيلة على الحكم بالعمل على إعادة
توزيع المناصب، وإعادة توزيع الثروة
بشكل عادل بدلا من توزيع قسم ضخم منها
على الأسرة الحاكمة وأنصارها.
وبدهي
أن تختلف أهداف هؤلاء الإصلاحيين بذلك
عن أهداف واشنطن؛ حيث تسعى واشنطن في
نهاية الأمر للحفاظ على مصالحها في
المملكة من خلال علاقتها بأسرة آل
سعود، وما يطالب به الرئيس الأمريكي
"بوش" أو "واشنطن" من إصلاحات
تستهدف في نهاية الأمر مزيدا من
التمكين والهيمنة الأمريكية
بالاستعانة بأنصارهم الليبراليين في
المملكة، ومزيدا من تفتيت النظام
الديني الذي تقوم عليه المملكة لصالح
الليبراليين.
وهذه
الأهداف الأمريكية تتعارض مع أهداف
الإصلاحيين الإسلاميين؛ بل ويصفها بعض
هؤلاء الإصلاحيين بأنها ضغوط خارجية
للإصلاح تمهيدا للأمركة!. أما أهداف
الإسلاميين فتتمثل في السعي لإصلاح
حقيقي في المجتمع، وتحويله لمجتمع
إسلامي صحي متقدم يمارس تعاليم
الإسلام في حرية التعبير والمساواة
والعدالة في السلطة وتوزيع الثروة
ورفع المظالم، وعدم الخضوع لأي قوة
خارجية أو أجنبية، وتخليص القرار
السياسي الداخلي من أن يكون أسيرا
للغرب، وأن يعبر فقط عن مصالح
السعوديين.
وكمثال
يطرح البعض مسألة استجابة الحكومة
السعودية لمطالب واشنطن بزيادة إنتاج
البترول لتخفيض السعر عالميا لصالح
الغرب، رغم أن هذا قد يكون ضد المصلحة
الوطنية السعودية في الحفاظ على
المخزون الإستراتيجي.
فوز
الإسلاميين الإصلاحيين في أول
انتخابات سعودية حقيقية قد يشكل
بالتالي -وعلى عكس المتصور- معضلة
مستقبلا، خصوصا بالنسبة للولايات
المتحدة الأمريكية التي تدعو
للديمقراطية في العالم العربي (السعودية
ومصر)، ولكن لصالح التيار الليبرالي
الموالي لها، وتسعى لتنفيذ أجندة
إصلاحية مضادة لقناعات هؤلاء
الإصلاحيين الإسلاميين، غرضها تحقيق
مصالحها فقط؛ لأن أهداف الإصلاحيين
الإسلاميين تتعارض مبدئيا مع أهداف
أمريكا وشعار الإصلاح الذي ترفعه.
دلالات
هامة
تحمل
الانتخابات البلدية السعودية نهاية
جملة من الدلائل والإشارات الإيجابية
المختلفة؛ فالنتائج أفرزت نجاح ممثلي
أكثر الأجنحة الإصلاحية المعتدلة قوة
في المجتمع بعد سلسة من الحوارات
الوطنية الصريحة، بدأت عام 2003 بين عدد
من الرموز الحكومية والعديد من
التيارات الفكرية والثقافية
والمذهبية (الشيعة أيضا) المختلفة، كشف
خلالها كل طرف عن رغباته في الإصلاح
وكيفية تصوره له، كما تعكس هذه النتائج
من ناحية أخرى رفضا للضغوط الخارجية
لفرض الإصلاح وانتخاب تيار إصلاحي
يتبنى الإصلاح من الداخل.
وتبقى
المظاهر الديمقراطية العديدة التي
شهدتها هذه الانتخابات مؤشرا إيجابيا
قويا على سعي المملكة وتقدمها نحو مزيد
من الإصلاحات؛ حيث تم استخدام وسائل
تكنولوجية كثيرة لمنع تزوير
الانتخابات، فضلا عن صدور بيانات
إصلاحية عديدة من كافة الرموز والنخب
السياسية بما فيهم شيعة السعودية، وكل
هذا -بجانب قيود التسجيل للانتخاب-
منعت الحديث عن "التزوير"، وتبقى
الميزة الكبرى لإجراء هذه الانتخابات
كونها تمثل البداية الحقيقية لنشاط
جدي للمجتمع المدني في السعودية بعد
ظهور أول جمعية لحقوق الإنسان، وأول
هيئة للصحفيين؛ وهو ما ساهم بدوره في
تنمية الوعي الانتخابي.
اقرأ
أيضا:
**
محلل الشئون السياسية بـ"إسلام أون لاين.نت".
|