بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

في الموقع أيضًا:

المنطقة العربية

إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين


كوندي و"الفوضى الخلاقة" في المنطقة العربية*

حسن نافعة **

09/04/2005 

كوندوليزا رايس.. انتقدت بقوة الأنظمة العربية

في حديثها إلى صحيفة «واشنطن بوست» الأسبوع الماضي، أبدت وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس، حماسة شديدة للتحول الديمقراطي في منطقة الشرق الأوسط، حتى وإن أدى إلى تغيير واستبدال الأنظمة الحليفة والموالية. ووجهت انتقادات عنيفة إلى سياسة القبول بالأمر الواقع بدعوى الحفاظ على الاستقرار. وعندما قيل لها إن التفاعلات التي تموج بها هذه المنطقة من العالم لا تترك مجالا آخر سوى للاختيار بين الفوضى أو سيطرة الجماعات الإسلامية على السلطة، ولن تؤدي بالضرورة إلى انتصار الديمقراطية، لم تتردد السيدة ذات الابتسامة الزنجية الساحرة في أن تقول إن الوضع الحالي «ليس مستقرا» وإن الفوضى التي تفرزها عملية التحول الديمقراطي في البداية هي من نوع «الفوضى الخلاقة» التي ربما تنتج في النهاية وضعا أفضل مما تعيشه المنطقة حاليا.

وليست هذه هي المرة الأولى التي يتحفنا فيها الأكاديميون المتخصصون وصناع السياسة الأمريكية بمصطلحات من هذا النوع. فقد أصبح صك المصطلحات السياسية غير المألوفة حرفة أمريكية خالصة، ومجالا محجوزا لا يقدر أحد على الدخول إلى حلبة المنافسة فيه!. ويبدو أن هذه الحرفة تحولت إلى صناعة تطرح منها في سوق السياسة ما تشاء بين الحين والآخر. وسيكون من السذاجة بمكان الاعتقاد بأن هذا النوع من المصطلحات الغريبة يأتي من وحي الخاطر مصادفة. فالواقع أنها مصطلحات مدروسة بعناية ويقصد بها أداء وظائف محددة للتضليل وإخفاء حقيقة النيات وتجميل العيوب الظاهرة في المواقف والسياسات. فالأوضاع التي يدركها الناس على أنها تنطوي على قدر ما من «عدم الاستقرار» أو «الغموض» أو «الفوضى» هي بطبيعتها أوضاع سلبية، لكنها حين تأتي مقترنة بأوصاف أخرى ويصبح عدم الاستقرار «منضبطا»، والغموض «بناء»، والفوضى «خلاقة»، فمن الطبيعي أن تتبدل الأمور وتتحول صورة السلبي إلى إيجابي والقبيح إلى حسن. ولأننا لا نسأل أنفسنا عادة ذلك السؤال البديهي حول صاحب المصلحة، فغالبا ما يقع بعض مثقفينا بحسن النية، أو يتعمدون الإيقاع بنا بسوء نية، في مصيدة هذه المصطلحات الأمريكية المضللة.

مصطلحات للتضليل المخطط

فمصطلح «الغموض البناء»، على سبيل المثال، تم صكّه في نهاية التسعينيات لتبديد القلق من الغموض الذي اكتنف اتفاقات أوسلو، خصوصا بعد بداية تعثر تنفيذها على الأرض. وحاول المروّجون له الإيحاء بأن الغموض في اتفاقات أوسلو متعمد ومقصود للتغلب على عقبات إجرائية وشكلية، وسيوظف في النهاية لمصلحة التسوية الشاملة والعادلة. لكن هذا التفسير لم يكن في الواقع سوى محاولة تضليل مخطط. وكان بوسع أي متابع أمين لتطورات الصراع العربي- الإسرائيلي ومواقف أطرافه أن يدرك أن أي غموض في الاتفاق سيوظف حتما لصالح الطرف الأكثر قدرة على فرض الأمر الواقع على الأرض، وهو ما حدث فعلا.

وفي تقديري أن القصد التضليلي الكامن في مصطلح «الفوضى الخلاقة»، الذي لم نختبره بعد، لا يقل قوة ووضوحا عن نظيره في مصطلح «الغموض البناء»، والذي سبق لنا اختباره، وأن صك وإطلاق مصطلح «الفوضى الخلاقة» في هذا الوقت بالذات لا يعني سوى شيء واحد، وهو أن مرحلة جديدة من مراحل تطور السياسة الأمريكية تجاه منطقة الشرق الأوسط بدأت، وهي سياسة تضمر في باطنها دائما ما لا يستطيع ظاهرها أن يشي به.

فظاهر الأمور يوحي بأن كوندوليزا رايس أرادت بتصريحاتها أن تبعث رسائل إلى كل من يهمهم أمر المنطقة مفادها، أولا أن الولايات المتحدة جادة في موضوع التحول الديمقراطي هذه المرّة، ومصممة على استخدام كل الوسائل المتاحة لديها لإنجاحه. وثانيا أنها لن تلقي بالا إلى محاولات إثنائها عن عزمها، بتخويفها من الفوضى المحتملة أو من وصول الجماعات الإسلامية إلى السلطة، لأنها تعرف أولا كيف تتعامل مع هذا النوع من الأخطار، ولأنها تدرك ثانيا أن القبول والتسليم بالأمر الواقع ينطوي على أخطار أكبر. أما ثالث هذه الرسائل فهو إلى القوى المحلية والإقليمية والدولية صاحبة المصلحة التي عليها أن تصطف وراءها وأن تقبل بقيادتها وريادتها.

أما باطن الأمور فيوحي بشيء آخر مختلف تماما وهو أن المرحلة الثانية من الإستراتيجية الكونية للمحافظين الجدد تحولت إلى خطة تم الشروع في تنفيذها بالفعل على أرض الواقع. وإذا كانت المرحلة الأولى من هذه الإستراتيجية جرت تحت شعار «الحرب على الإرهاب» واستهدفت إسقاط نظامي طالبان في أفغانستان والبعث في العراق، فإن المرحلة التالية من هذه الإستراتيجية ستجري تحت شعار «الحرب على الاستبداد ونشر الديمقراطية» وتستهدف إسقاط نظامي سوريا وإيران، ونزع سلاح المقاومة وتفكيك بنيتها التحتية في كل من لبنان وفلسطين، وإدخال إصلاحات سياسية بعيدة المدى في العالم العربي، وخصوصا في الدول المركزية وعلى رأسها مصر والسعودية. الفرق الوحيد بين المرحلتين أن الأولى تطلبت استخداما مكثفا للقوة العسكرية واحتلالا فعليا للدول المستهدفة، أما الثانية فستعتمد على الوسائل غير العسكرية في المقام الأول، ولكن من دون استبعاد كلي للقوة العسكرية التي قد يتم اللجوء إليها لتوجيه ضربات جوية ضد أهداف محددة ومحدودة إذا لزم الأمر. ويبدو أن احتلال الأرض أصبح مستبعدا في هذه المرحلة بسبب الصعوبات والدروس المستفادة مما جرى ويجري في أفغانستان والعراق.

ولفهم طبيعة التحركات الأمريكية في المرحلة المقبلة يتعين، في تقديري، أن نميز بين ما يمكن تسميته بمسرح العمليات المباشر، ومسرح العمليات غير المباشر. فإيران وسوريا ولبنان وفلسطين تشكل مسرح العمليات المباشر. وتعتبر إيران وسوريا هما الرقم الصعب فيه. ومن الواضح أن اختيار الولايات المتحدة وقع على الملف النووي ليكون بمثابة الذريعة والمدخل للضغط على إيران، وعلى الملف اللبناني ليكون هو الذريعة والمدخل الملائم للضغط على سوريا. أما مسرح العمليات غير المباشر فهو كل مكان وأي مكان آخر في «الشرق الأوسط الكبير أو الموسع» يتيح فرصة معقولة لتحولات تخدم المصالح الأمريكية في المنطقة.

وتدل شواهد كثيرة على أن الخطة الأمريكية للتحرك على المسرح الرئيسي للعمليات في الشرق الأوسط لا تجري، في المرحلة الحالية، وفقا لجدول زمني محدد ولا تخضع لترتيب هرمي في الأولويات وتتمتع بما يكفي من المرونة لضمان حرية الحركة بالسرعة المطلوبة، سواء بالتتابع على أي من الجبهات المستهدفة أو بالتوازي على أكثر من جبهة في الوقت نفسه، وفقا لما تمليه الضرورات والظروف المتغيرة. فرحيل عرفات، وبصرف النظر عما إذا كان عملا مدبرا ومقصودا أم قضاء وقدرا، استتبعه تحرك سريع استهدف تهدئة الجبهة الفلسطينية وتثبيتها، وذلك للإيحاء بأن الصراع العربي- الإسرائيلي في طريقه للحل. واغتيال رفيق الحريري، وهو أمر مخطط ومدبر بطبيعته بصرف النظر عن الجهة التي نفذته، استتبعه تحرك سريع لإشعال جبهة لبنانية كانت محاولات تسخينها انطلقت بجهود منسقة لاستصدار القرار 1559 واستهدفت ممارسة أكبر قدر من الضغط على سوريا.

غير أن ذلك لا يعني أن مسار الأمور بات متروكا بالكامل للمصادفات انتظارا لفرص قد تتيحها الأخطاء المرتكبة من جانب اللاعبين على مسرح العمليات، كما حدث بالنسبة لسوريا في موضوع التمديد للحود. فالواقع أن هناك تواريخ وتوقيتات محددة تبدو حاكمة. وعلى سبيل المثال تشير بعض التقارير إلى أن الولايات المتحدة تتجه لتوجيه ضربة عسكرية للمنشآت النووية الإيرانية خلال حزيران (يونيو) المقبل. ولفت نظري، على سبيل المثال، ما كتبه سكوت ريتر، أحد أشهر مفتشي لجنة اليونسكوم لأسلحة الدمار الشامل العراقية، (مقال منشور في موقع «الجزيرة نت» يوم 30-3-2005) مشيرا إلى معلومات تؤكد أن البيت الأبيض طلب من وزارة الدفاع الأمريكية أن تكون جاهزة لتوجيه ضربة قاضية للمنشآت النووية خلال حزيران المقبل. ويشكل هذا التاريخ، وفقا لتقديرات المخابرات الإسرائيلية، نقطة اللاعودة في مسار البرنامج النووي الإيراني، والتي لن يكون في وسع أحد بعدها عرقلة تقدمه نحو صنع القنبلة النووية. ومن المعروف أن هناك إجماعا أمريكيا- إسرائيليا على عدم السماح لإيران باستكمال برنامجها النووي، مهما كان الثمن، وإصرار على الوقف الكامل والفعلي لكل أنشطة التخصيب النووي، وهو أمر من المستبعد أن تقبل به إيران.

غير أن أكثر ما يثير الانتباه هنا هو أن الموعد المقترح لتوجيه الضربة العسكرية للمنشآت النووية الإيرانية يأتي بعد شهر واحد من موعد الانتخابات البرلمانية في لبنان، والمقرر لها شهر أيار (مايو) المقبل. وربما لا تكون هذه مجرد مصادفة. فمن الواضح أن الولايات المتحدة وفرنسا، بعد أن ضمنتا انسحاب الجيش السوري والقوات الأمنية كليا من لبنان، سيلقيان بكل ثقلهما وراء المعارضة في الانتخابات البرلمانية اللبنانية المقبلة على أمل مساعدتها للفوز بغالبية كافية لتشكيل حكومة قادرة على نزع سلاح حزب الله أو، على الأقل، تحييد ردود أفعاله في حال توجيه ضربة جوية أمريكية أو إسرائيلية لإيران. وتأمل الولايات المتحدة أن تؤدي التفاعلات الناجمة عن هذه الضربة إلى خلق أزمة يمكن إدارتها وتوجيه مسارها على نحو يفضي في النهاية إلى تحقيق الأهداف الأمريكية كاملة: إسقاط النظامين الإيراني والسوري ونزع سلاح المقاومة في لبنان وفلسطين وتفكيك بنيتها.

"ربيع ديمقراطي" أم "جحيم أمريكي"

وإذا صحت هذه التوقعات فسيكون هذا دليلا إضافيا قاطعا على أن الأجندة الأمريكية هي في جوهرها أجندة إسرائيلية. وكما نجحت إسرائيل في إقناع الإدارة الأمريكية، أثناء الإعداد لخطط المرحلة الأولى من الإستراتيجية الكونية للحرب على الإرهاب، بأن العدو الذي ضربها في أيلول 2001 هو نفس العدو الذي يضرب إسرائيل منذ سنين، فليس من المستبعد أن تنجح هذه المرة أيضا، في إقناعها بأن ثورة إيران الإسلامية هي أصل البلاء في المنطقة وهي التي أشعلت نار الكراهية والحقد وعدم التسامح!، وبالتالي فإن إسقاط النظام الأصولي في إيران يعد شرطا ضروريا لنشر السلام والاستقرار والديمقراطية في المنطقة. ولأنه أصبح من الثابت الآن أن إسرائيل لعبت دورا محوريا في دفع الولايات المتحدة إلى غزو العراق واحتلاله، فلماذا نستبعد أن تلعب الدور نفسه وتقود الولايات المتحدة معصوبة العينين لمواجهة عسكرية جديدة، ولكن مع إيران هذه المرة.

لو كان نشر الديمقراطية وحماية حقوق الإنسان هما الهدف لاحتلت حقوق الملايين الأربعة من اللاجئين الفلسطينيين في الخارج وحقوق الملايين الأربعة من أمثالهم في الداخل موقعا مهما على جدول الأعمال الأمريكي. لكن كل الوطنيين في المنطقة باتوا مقتنعين الآن أن قضية الديمقراطية فيها لا تعني الولايات المتحدة إلا بالقدر اللازم وإضعافها وتحويلها إلى دويلات طائفية يتحقق في ظلها أمن إسرائيل المطلق. وللأسف يبدو أن المنطقة لا تتجه نحو ربيع ديمقراطي، كما يدعي البعض، والأرجح أنها تتجه نحو جحيم أمريكي.

اقرأ أيضًا:


* نقلا عن جريدة " الحياة" بتاريخ 6-4-2005

** كاتب وأكاديمي خبير بالشئون السياسية العربية

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 


إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين


من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع