|
"بروكينجز": أخطاء أمريكا بالعراق لا تُغفر
|
|
بقلم: مايكل إي. أو.هانلون
*
ترجمة وتحليل: شيرين حامد فهمي **
|
05/04/2005
|
|

|
|
مايكل إي أو هانلون
|
"كشفت
مرحلة ما بعد احتلال العراق التي تكمل
عامها الثاني عن أسوأ تخطيط عسكري مر
على الجيش الأمريكي منذ عملياته في
الصومال عام 1993.. ذلك التخطيط الذي جر
على الولايات المتحدة الأمريكية من
الويلات ما فاق كل ما سبقها -باستثناء
طبعا حرب فيتنام. فالقوات الأمريكية لم
تُعد نفسها للمهمة الكبرى التي كانت
الولايات المتحدة في حاجة إلى إنجازها
بعد إسقاط النظام العراقي، تلك المهمة
التي كانت تتلخص في توفير الأمن
والاستقرار.
"إن
الدخول الأمريكي في هذه الحرب دون
استعداد مسبق لكيفية إعادة الأمن
السريع إلى عراق ما بعد صدام يشبه
تماما الدخول في عملية قلب مفتوحا بدون
أكياس احتياطية من فصيلة دم المريض،
لإصرار الطبيب القائم بالعملية على
تصوره أنه توصل إلى طريقة فذة تغنيه عن
تلك الاحتياطات".
هذه
الكلمات بقلم "مايكل إي. أو. هانلون"
نشرها -قبل أسابيع قليلة من حلول
الذكرى الثانية لاحتلال العراق- مركز
"بروكينجز" الأمريكي حيث يعمل
هانلون كباحث أول.
وتأتي
هذه الكلمات ضمن الدراسة التي أعدها
تحت عنوان "العراق دون خطة"
والقائمة على حجة "هانلون"
القائلة بأن التراجيديا العراقية
الحالية تحمل درسا قاسيا ومؤلما لكلٍ
من المدنيين والعسكريين الأمريكيين..
تلك التراجيديا التي أنزلت الولايات
المتحدة من أقوى انتصار عسكري تشهده
البشرية في التاريخ الحديث –على حد
قول الكاتب- إلى أسوأ تخطيط لإدارة
الاحتلال تشهده البشرية أيضا في
التاريخ الحديث.
إلا
أن تلك التراجيديا -كما يفترض كاتب
الدراسة- كان لها دور محوري في تنبيه
كلٍ من المدنيين والعسكريين
الأمريكيين إلى أصل العلاقة بينهما،
والتي من الظاهر أنهم نسوها أو
تناسوها؛ والتي تقوم بالأساس على
المشاركة في تحمل المسئولية، وعلى
المزج بين الإستراتيجية التي يضعها
المدنيون والعمليات العسكرية التي
يقوم بها العسكريون، وليس على الفصل
بينهما كما فعلوا على أرض العراق.
فكانت النتيجة هي الوقوع في ذلك
المستنقع الذي تشهده قوات الاحتلال كل
يوم، وكل دقيقة، وكل ثانية، من بعد
سقوط بغداد وحتى اليوم.
الخلل
المدني-العسكري
بالرغم
من أن الدستور الأمريكي يطالب الزعماء
العسكريين بالامتثال والرضوخ لرئيس
الدولة الذي يعتبر في الوقت ذاته قائد
القوات المسلحة فإنه لا يطالبهم
بالسكوت عند إعداد الخطط، خاصة إذا
كانت الأخيرة تتسم بضعف واضح. والمقصود
هنا -كما يرى الباحث الأمريكي- هو
الإشارة إلى قابلية الزعماء الأمريكان
للوقوع في الخطأ كما يؤكد التاريخ ذلك.
ولكن
رؤية الزعماء المدنيين لا تستطيع
وحدها تحديد مسار التكتيكات والعمليات
العسكرية؛ ولذا، فإنه من الضرورة
القصوى -حسب كلام الباحث الأمريكي- أن
يشارك المسئولون المدنيون والعسكريون
بعضهم البعض في تحمل المسئوليات، وأن
يقلعوا عن التعامل مع شأن الحرب بروح
الفصل التي يُفصل فيها المتخصصون في
الإستراتيجية بعيدا عن المتخصصين في
العمليات العسكرية؛ وكأن أحدهم لا يمت
للآخر بصلة.
ينادي
"أو. هانلون" إذن بنسف الخطوط
الحمراء التي تفصل بين الرؤية
الإستراتيجية والعمليات العسكرية،
ويؤكد أن الفشل الذي مُني به نظام
الدفاع الأمريكي بعد إسقاط صدام حسين
كان بسبب تلك الخطوط الحمراء التي
وضعها الفريقان.
وكان
أيضا من ضمن مظاهر الخلل الملحوظ في
العلاقة بين العسكريين والمدنيين
معرفة وإدراك المخططين العسكريين مدى
هامشية الدور المنوط بوزارة الخارجية
الأمريكية في الشأن العراقي، وسكوتهم
المقصود على ذلك اللهم إلا إصدارهم
لبعض الأمنيات والنداءات. فقد عبر
مثلا "تومي فرانكس" عن أمله في أن
يكون هناك مزيد من التعاون والتفعيل
بين وزارتي الخارجية والدفاع، فقط بعد
إدراك "البنتاجون" لحاجته إلى
مساعدة وزارة الخارجية في شئون كثيرة،
مثل: تشغيل العراقيين العاطلين،
وتحديد العملية التي سيتم من خلالها
اختيار قيادة عراقية جديدة، وانتهاج
إستراتيجية مناسبة لتنقية العراق من
البعثيين، وإعادة بناء العراق سريعا.
ومن ثم، كان الإخفاق في هذه الشئون
مشهودا أمام الجميع.
أساطير
وإدراكات مُبسطة لما بعد صدام
|

|
|
الجنرال تومي فرانكس المسئول العسكري الأول عن غزو واحتلال العراق
|
وكان
للإدراكات المُبسطة التي تبنتها
الإدارة الأمريكية دور جوهري في
النكسة الأمريكية التي تلت سقوط بغداد.
فقد أرادت الإدارة الأمريكية أن تظهر
للعالم كله، دولا وشعوبا، أن مسألة
العراق ليست صعبة على الإطلاق؛ وذلك
بهدف نيل الدعمين الدولي والمحلي
لحربها في العراق.
وكانت
نتيجة هذا التبسيط المُستهدف هي
مواجهة الإدارة الأمريكية لهول
المفاجأة من بعد صدام، دون أن تعمل لها
حسابا، بالإضافة إلى اعتقاد "تومي
فرانكس" إمكانية استمرار الجيش
الاعتيادي العراقي بعد سقوط بغداد، بل
ولعبه دورا محوريا في إشاعة الاستقرار
والأمان.
أما
التصور الواقعي للبنتاجون حول إمكانية
سيطرة "أحمد جلبي"، برفقة المجلس
الوطني العراقي الهزيل، على الموقف
العراقي بعد سقوط صدام، فقد مثل وحده
أسطورة هلامية -نسج خيوطها المسئولون
الأمريكيون- ونتيجة مُرة أخرى للخلل
القائم في العلاقة المدنية-العسكرية. وإذا
كان ذلك التبسيط من عجيب الأمور، فإن
الأعجب والأغرب هو تعامل الجيش الرسمي
مع هذه المنطلقات غير الناضجة،
والاستسلام لها كأنها واقع سيحدث.
ولم
تسفر الدراسات والتقارير -التي أجريت
قبل حلول فترة ما بعد صدام- عن تقديرات
دقيقة لعدد الجنود الذي ستكون
الولايات المتحدة بحاجة إليه إذا ما
شرعت في إعادة الاستقرار والأمن لعراق
ما بعد صدام.
أما
دراسات وزارة الخارجية فقد أخرجت كمّا
هائلا ومروعا من الأوراق التي لم تنصب
على عدد معين. وأما الدراسة التي
نشرتها الكلية الحربية Army
War College عام
2003، فقد ركزت على أهمية استغلال فرصة
فرح العراقيين بإسقاط النظام العراقي
في الشهور الأولى بعد دخول الاحتلال،
بجانب ضرورة تجهيز عمليات حفظ السلام
كضامن أساسي لمنع التشرذم العراقي بعد
إسقاط الحكومة.
وكما
نرى جميعا، فإنها دراسات أقرب إلى
الخيال منها إلى الحقيقة إذا ما
قارناها بحيثيات الواقع المرئي الراهن
وحالة التخبط السياسي القائمة حتى بعد
انتخابات يناير 2005.
صحيح
أنه قد تم إنفاق ساعات طويلة بخصوص
مناقشة "المرحلة الرابعة" وهي
المرحلة التي تتمثل في جمع شمل العراق
بعد إسقاط حكومته -إلا أنها نوقشت، كما
يقول الجنرال "تومي فرانكس"، في
إطار الاعتقاد السائد بأن معظم الجيش
الاعتيادي العراقي سوف يُكتب له
البقاء من بعد سقوط بغداد؛ وسيكون له
دور في إعادة النظام والاستقرار في
مرحلة ما بعد السقوط.
إن
الباحث الأمريكي يتعجب من إغفال
الإدارة الأمريكية أمورا جوهرية كان
لا بد لها أن تحدث بعد السقوط، سواء
شاءت الإدارة أم لم تشأ. مثل السيطرة
على الشوارع وحفظ أمنها، وحماية البنى
التحتية، ومراقبة أمراء وتجار الحرب.
هذه الأمور لم تضعها الإدارة
الأمريكية في عين الاعتبار، ولم
تدرجها من ضمن مخططاتها.
كما
يتعجب الباحث من السيناريوهات الوردية
التي تبنتها الإدارة الأمريكية، مثل
سيناريو وصول "أحمد جلبي" إلى
الحكم بعد سقوط صدام، وتمكنه من حفظ
الأمن في البلاد بدون أدنى حاجة لتدخل
الولايات المتحدة. حتى عندما تبين عدم
مصداقية هذه السيناريوهات، بقي
البنتاجون صامتا.
ويؤكد
"أو. هانلون" ضحالة مثل هذه
السيناريوهات، موضحا أن الوضع الفوضوي
الذي تلا سقوط بغداد لم يكن ينفع معه
سوى قوات "التحالف" تحت قيادة
الولايات المتحدة؛ وهو ما يدل مرة أخرى
على ضيق أفق وتصور الإدارة الأمريكية.
وأخيرا،
يتعجب الباحث من الافتراض الأمريكي
الذي كان قائما على أن خطة احتلال
العراق أو "قطع رأس الأفعى" ستمر
بمنتهى السهولة.
إضاعة
الفرص بغباء
ويأسف
الباحث الأول للسياسات الخارجية بمركز
"بروكينجز" على عدم استثمار الفرص
من قبل الإدارة الأمريكية التي أضاعت
أكثر من فرصة كان يمكن استخدامها على
الساحة العراقية لتغيير الظروف إلى
صالح القوات الأمريكية وقوات "التحالف".
ومن تلك الفرص التي أضاعتها الإدارة
الأمريكية:
زيادة
عدد الجنود منذ بداية الاحتلال:
كان
بإمكان المسئولين العسكريين إعداد خطة
أكثر اكتمالا لبناء عراق جديد بعد سقوط
صدام؛ تلك الخطة كانت ستحقق مزيدا من
الأمن لقوات "التحالف"، وأيضا
مزيدا من الجنود. وقد أثبت "بول
بريمر" -رئيس سلطة "التحالف"
المؤقتة- هذا الأمر فيما بعد ذلك قائلا:
"التغيير الوحيد الأكثر أهمية كان
يقتضي رفع عدد القوات في العراق منذ
البداية". وقد زعم "بريمر" أنه
رفع هذا الأمر عدة مرات إلى الحكومة
الأمريكية، إلا أنها لم تنصت إليه.
ملخص
القول أنه: لو أن خطة ما بعد صدام أُعدت
بطريقة أكثر وعيا ونضجا لاستطاعت قوات
"التحالف" منع تسرب غير العراقيين
عبر الحدود العراقية، ولاستطاعت
محاصرة ذلك الفيض من الأسلحة غير
المرخصة.
محاصرة
المقاومين منذ البداية:
وكان
بإمكان قوات "التحالف" محاصرة
المقاومة العراقية منذ بداية اندلاعها
منذ الأسابيع والشهور الأولى بعد سقوط
صدام. ودليل ذلك أن عدد المقاومين كان
يُقدر في البداية (من منتصف إلى نهاية
عام 2003) بـ5 آلاف مقاوم، ثم وصل نهاية
عام 2004 إلى 20 ألف مقاوم، كما قالت بعض
الجهات الرسمية الأمريكية.
ومن
ثم، فإن هذا التزايد الملحوظ كان يمكن
منعه لو أن الأمر ضُبط وأُجهض منذ
البداية.. وكانت نتيجة عدم الضبط هذا هي
انضمام عدد هائل إلى صفوف المقاومة
المتزايدة؛ وهو ما أدى إلى تدهور الأمن
والاقتصاد تدهورا مروعا؛ الأمر الذي
أدى بدوره إلى توفير تربة "خصبة"
لمتمردين جدد.
توطيد
التعاون مع العراقيين بعد إسقاط صدام:
وأخيرا
كان بإمكان قوات "التحالف"
استغلال فرحة العراقيين التي تلت سقوط
صدام، ومن ثم، كان من الذكاء هنا، تدخل
قوات "التحالف" للبناء على هذا
الرصيد، وإقناعهم بأن الوجود الأمريكي
يمثل ضرورة قصوى لإعادة الاستقرار في
البلاد.
إن
تفويت فرصة كسب ود العراقيين وكسب
تعاونهم كان بمثابة تضييع لفرصة لا
يمكن استرجاعها أبدا، ولو بعد حين.
باختصار، لقد أضاع المسئولون
الأمريكيون كما يقول "أو. هانلون"
فرصة ذهبية لتعاون العراقيين معهم ضد
المقاومة؛ وهو ما يمثل دائما المفتاح
الأول لنجاح أي عملية مناهضة للمقاومة
التي لا تزال تواصل عملياتها.
ما
كان يمكن إنقاذه
لو
أن الجنرال "توماس فرانكس" كان قد
تصرف مثلما فعل الجنرال "ويسيلي
كلارك" من قبل -الذي مشى ضد التيار-
لكان الوضع الأمريكي في العراق أحسن
مما هو عليه الآن.. هكذا مضى "أو.
هانلون" موضحا حجته التي تقول: إن
سكوت "فرانكس" على الخطأ قد مثل
سببا أساسيا لسقوط قوات "التحالف"
في مستنقع العراق المستمر حتى اليوم.
فما الذي سكت عنه الجنرال "فرانكس"
صاحب الخطة العسكرية للاحتلال؟.
لقد
سكت "فرانكس" -ومعه حفنة من الضباط
العسكريين- على ضعف الخطة التي تلت
إسقاط النظام البعثي وغض الطرف عن كل
عيوبها، متجاهلا الخسائر التي أسفرت
عنها والتي تَمثل أكثرُها في مسلسل
مقتل جنوده المتواصل واستمرار معاناة
من لا يزال منهم على الساحة العراقية.
إن
اللوم الكبير -كما يوضح "أو. هانلون"-
يقع على تلك الحفنة الصغيرة من
المسئولين العسكريين التي خططت لمهمة
الاحتلال فيما بعد صدام، والتي أدركت
أن "جهودها" لم تلق أي دعم أو
تأييد؛ وذلك بسبب ضعف المخطط وافتقاده
لإطار عام يوفر على الأقل قدرا من
الأمن في مختلف أنحاء العراق.
وبحسب
رأي الباحث الأمريكي، فإنه كان يجب على
هذه الحفنة أن تستقيل من وظيفتها لحفظ
ماء وجهها بعد تلك الفضيحة العسكرية
المهينة التي كشفت عنها تلك الخطة.
وكذلك كان على الجنود والضباط أن
يرفضوا الامتثال إلى ما يناقض
أخلاقياتهم المضبوطة. صحيح أن رفضهم
للامتثال العسكري وهم في زيهم العسكري
يعتبر خارقا للدستور الأمريكي؛ إلا أن
هذا ليس معناه البقاء في زيهم العسكري
حينما يطالَبون بالعمل ضد مبادئهم
الأخلاقية والمدنية.
وقد
استشهد بما فعله الجنرال "ويسيلي
كلارك" في حرب حلف الأطلسي في كوسوفا
عام 1999، حيث وقف ضد قناعة الإدارة
الأمريكية بسهولة القضاء على "سلوبودان
ميلوسوفيتش" في بضعة أيام؛ وكانت
وجهة نظره أن تظل قوات الأطلسي أطول
مدة ممكنة في الحرب؛ إلا أنه قوبل
بالإقالة من قبل وزير الدفاع حينذاك
"وليام كوهين". ولكن يبقى في
النهاية أن استطاع "كلارك" وضع
حاجة بلاده لكسب الحرب فوق المراسيم
والقوالب العسكرية.
وللأسف
الشديد، فإن المسئولين العسكريين
الحاليين لا يتصرفون من هذا المنطلق.
فكما يقول الباحث الأمريكي: "إنه
لمن الخطأ إعطاء القوات المسلحة
مصداقية أكثر من اللازم" "فلو أن
الجنرال (فرانكس) أو الجنرال (مايرز)
كانا قد تصرفا [مثل (كلارك)] بشأن خطة
حرب العراق -وهي تحت التصميم- لكان
وضعنا بالعراق الآن أحسن حالا
بالتأكيد".
اقرأ
أيضا:
*
باحث أول في وحدة دراسات السياسة
الخارجية بمركز بروكينجز الأمريكي.
**
باحثة دكتوراة بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة.
|