بعد مواجهات الشوارع في قلب القاهرة
الإخوان والحكومة عند مفترق طرق
|
|
محمد جمال عرفة
**
|
28/03/2005
|
|

|
|
قوات الأمن تطوق متظاهرين من الإخوان في وسط القاهرة
|
رغم
أن أوساطا صحفية وأمنية قدرت تعداد من
شاركوا في "تجمعات" مظاهرات
الإخوان التي جرت الأحد 27 مارس 2005 في
مناطق متفرقة من وسط القاهرة (ميدان
رمسيس وشارع الفلكي والسيدة زينب) -بدلا
من المظاهرة الأصلية التي منعتها
السلطات أمام مبنى البرلمان قرب "ميدان
التحرير"- بأكثر من 10 آلاف شخص؛ فقد
فاجأ مرشد الإخوان ونائبه (محمد مهدي
عاكف، ومحمد حبيب) الجميع عندما أعلنا
أن المظاهرة "رمزية"؛ وهو ما يعني
أن الإخوان لم ينزلوا فيها بثقلهم،
وبالتالي لم تكن "استعراض قوة"
مثل مظاهرة إستاد القاهرة (مارس 2003) أو
جنازات قادة الإخوان.
ورغم
هذه "الوقفة الرمزية" -كما يسميها
الإخوان- والتي أكدها أيضا د. عصام
العريان القيادي بالجماعة؛ فقد أغلقت
قوات الأمن المصرية قسما كبيرا من
شوارع قلب القاهرة والمصالح القريبة
من البرلمان، مؤشرة بذلك على بوادر
سياسية أمنية جديدة تقوم على حظر
المظاهرات (مدير أمن القاهرة أعلن حظر
مظاهرات حركة "كفاية" المعارضة
لفترة رئاسية جديدة للرئيس حسني مبارك
الأربعاء 30 مارس 2005)، والعودة للنظام
القديم القائم بشأن حظر المظاهرات
كليا.
ويبدو
أن تعديل السياسة الأمنية القديمة
للسماح بالتظاهر السلمي عقب مظاهرات
مارس 2003 الدامية ضد غزو العراق.. قد
أغرى قوى سياسية عديدة بالتظاهر؛ وهو
ما زاد الضغوط على أجهزة الأمن، خصوصا
مع تحول المظاهرات إلى نقد مبدأ توريث
الحكم، ورفض تمديد رئاسة الرئيس
مبارك؛ حيث نزلت قرابة 7 مظاهرات ضد
توريث الحكم وتعديل الدستور أمام
البرلمان والجامعة ودار القضاء العالي
في غضون الـ45 يوما الأخيرة.
ولأن
هذه المظاهرات ضد الحكم -وآخرها
مظاهرتا حزبي التجمع (اليساري) والعمل (ذي
التوجه الإسلامي) في منتصف مارس 2005-
كانت محدودة العدد ولا يزيد عدد من
شاركوا فيها عن 300 شخص؛ فقد كان يسهل
السيطرة عليها، بيد أن إعلان الإخوان
النزول بثقلهم السياسي والشعبي -ولو
رمزيا- لأول مرة منذ الخمسينيات في
مظاهرة رسمية أزعج الحكومة بشدة.
ويبدو
أن هناك جملة أسباب وراء التعامل
الحكومي الرافض لمظاهرة الإخوان
تحديدا بصرف النظر عن باقي المظاهرات؛
منها أسباب داخلية، وأخرى خارجية؛ مثل:
1-
مظاهرة إستاد القاهرة (المليونية) التي
سمحت أجهزة الأمن بها للقوى السياسية
المعارضة في مارس 2003 ضد غزو العراق،
وقال محللون: إن الإخوان شكلوا 97% من
المشاركين فيها، إضافة إلى جنازات
قادة الإخوان الراحلين (مثل مصطفى
مشهور ومأمون الهضيبي).. هذه التجمعات
كشفت قدرة الإخوان على حشد ما بين نصف
مليون إلى مليون من الأنصار
والمتعاطفين؛ وهو ما أثار خشية الأمن
من توافد ولو ربع هذا العدد على
البرلمان لتسجيل الحضور السياسي
للجماعة في الشارع.
2- نجاح
سيناريو المظاهرات الجماهيرية في
إسقاط أنظمة الحكم في أوكرانيا
وقيرغيزستان، بعدما نجح المتظاهرون في
دخول مباني الحكومة والبرلمان.. انعكس
على حالة قلق أمني واضح من "احتمالات"
خروج سيناريو الاحتجاج من جانب
الإخوان عن المعلن، وتطور الأمر لصدام
أو فوضى يصعب السيطرة عليها.
3-
استمرار ضغوط واشنطن على الحكم في مصر
ودول عربية أخرى تحت دعوى التغيير
الديمقراطي، وإعلان واشنطن صراحة أنها
لا تخشى "فزاعة" وصول الإسلاميين
للحكم في حالة إجراء انتخابات
ديمقراطية ربما أثار القلق الحكومي
أكثر تجاه الإخوان والتيار الإسلامي
عموما؛ إذ سبق للسفير "ريتشارد هاس"
مدير قسم التخطيط السياسي (السابق) في
وزارة الخارجية الأمريكية، رئيس "معهد
تنمية الديمقراطية في العالم العربي"
حاليا.. أن قال في 4 ديسمبر 2002: إن واشنطن
لا تعارض الأحزاب الإسلامية، وإن
الإدارة الأمريكية تدرك أن تكثيف
الديمقراطية في العالم الإسلامي ينطوي
على مغامرة بانتخاب قادة "لا تفضلهم"
واشنطن، وإن واشنطن -كما قال- "عاقدة
العزم على دعم الديمقراطية، حتى وإن
أدت إلى تولي أشخاص (لا تحبهم) السلطة
في بلادهم".
وقد
عادت وزيرة الخارجية كونداليزا رايس
لتأكيد هذا المعنى لصحيفة "واشنطن
بوست" 26 مارس 2005 بقولها إنها "لا
تعير اهتماما لمخاوف من انتصار
الإسلاميين المتشددين وحلولهم مكان
الأنظمة القمعية"؛ لأن جذور التطرف
تنشط في "غياب القنوات البديلة
للنشاط السياسي".
4-
سبق للرئيس مبارك أن قال في حوارات
سابقة: إن السماح بانتخابات حرة معناه
وصول الإخوان إلى السلطة في مصر
وفلسطين والأردن وغيرها من الدول؛ وهو
ما يمكن أن يؤدي إلى تكرار ما حدث في
الجزائر من عنف طوال عقد التسعينيات من
القرن الماضي، وعندما سئل في باريس عن
المظاهرات المعارضة قال -في حوار مع
"فيجارو" الفرنسية: "إن
الإسلاميين فقط هم الذين يطالبون
بإلغاء قانون الطوارئ" الساري في
البلاد منذ عام 1981.
أما
عن حركة "كفاية" فقال: "بعض
الحركات تسقط علينا من الخارج"،
والملاحظ هنا هو الرصد الرسمي لردود
أفعال التيار الإسلامي والتحسب لها،
ومنها مظاهرة الإخوان المعلنة لأول
مرة.
5-
توعد وزير الداخلية المصري في
البرلمان الأسبوع الماضي بـ"وقفة
" مع من أسماهم "الشتامين" -يقصد
الشعارات التي تطالب باستقالة الرئيس
والحكومة- وألمح إلى سياسة جديدة في
التعامل مع هذه المظاهرات، وبيان
الداخلية بشأن الاعتقالات التي جرت
عقب مظاهرة 27 مارس 2005 تحدث ضمنا عن حق
"الكيانات السياسية الشرعية" في
التظاهر وفقا للضوابط التي حددتها
الوزارة؛ وهو ما يعني أن مظاهرات
الإخوان -كقوة تحظرها الحكومة- ممنوعة.
مظاهرة
الإخوان.. لماذا الآن؟
أما
على الجانب الآخر من الصورة فيثور
السؤال: ما الجديد الذي دعا الإخوان
للقيام بمظاهرة -ولو رمزية- للمطالبة
بتعديل الدستور ووقف الطوارئ والخروج
من سياسة "اللعب الحذر مع النظام"،
وتجنب الحضور بشكل لافت في المظاهرات
الأخيرة المعارضة للنظام التي تبنتها الجماعة في الفترة الأخيرة إلى
سياسة "فرض الشروط" كمقابل لتأييد
انتخاب الرئيس مبارك لفترة رئاسة
خامسة؟.
الأمر
المؤكد أن سيناريو استعراض العضلات أو
تصعيد مطالب الإخوان من جانب الجماعة
له بدوره مبررات داخلية وخارجية،
ولكنه لم يبدأ من مظاهرة 27 مارس 2005،
وإنما يعود إلى مارس الماضي 2004 عندما
تقدم الإخوان بمبادرة شاملة للإصلاح
السياسي والاقتصادي والاجتماعي من
منبر نقابة الصحفيين المصريين، أثارت
جدلا وأغضبت الحكومة، كما يعود أيضا
إلى فبراير 2005 عندما عقد مرشد الإخوان
مؤتمرا صحفيا عالميا تحدث فيه بوضوح عن
شروط الإخوان لقبول ترشيح الرئيس
مبارك، وحددوا مطالبهم الإصلاحية.
ورغم
تأكيد د.عصام العريان لـ"إسلام أون
لاين.نت" أن هدف الإخوان ليس التصعيد
أو الصدام أو الحكم، ولكن "الاستقرار
والتغيير السلمي الديمقراطي عبر
الحوار"، وأنه لم تقل كلمة "نابية"
واحدة في المظاهرات؛ فالواقع يشير
إلى أن "قراءة" الإخوان للواقع
السياسي الحالي على أنه لصالح
المعارضة عموما كانت وراء التصعيد
والدعوة لهذه المسيرة أو "الوقفة
الرمزية" كما فعلت باقي القوى في وقت
سابق.
وهناك
بالإجمال عدة عوامل كانت وراء تحرك
الإخوان وإلقاء ثقلهم في الحياة
السياسية في سياق المطالبات الشعبية
بالتغيير وقطف ثمار من وراء هذا، أقله
تثبيت شرعيتهم السياسية التي يرفضها
النظام في الشارع مثل:
1-
ربما شعر الإخوان -كغيرهم من القوى
السياسية- أن النظام في مصر بات ضعيفا
بسبب الظروف الداخلية الضاغطة والضغوط
الأمريكية والدولية المطالبة
بالتغيير الديمقراطي، وأن الوقت قد
حان للتحرك وإنهاء سياسة اللعب الحذر
مع النظام، سواء لقطف ثمار الإصلاح
المنتظر والاعتراف بهم كقوة هامة، أو
على الأقل الضغط على النظام لوقف أسلوب
التعامل الأمني مع الجماعة، والتحول
للتعامل السياسي معها.
2-
يدرك الإخوان أن قوتهم في الشارع
السياسي أكبر من باقي الأحزاب
المصرية، وأنهم -وفق دراسات وتقديرات
غربية- القوة السياسية المعارضة
الأولى في مصر، وساءهم استبعاد "توافق أحزاب المعارضة" الذي تعترف به الدولة لهم،
والتضحية بهم في حوار
الأحزاب والحزب الحاكم، وربما لهذا
قرروا التحرك وحدهم للفت الأنظار إلى
قوتهم على طريقة "نحن هنا"، حتى
وإن جاء هذا التحرك لاحقا على تحرك
أحزاب المعارضة.
3- كشف
مهدي عاكف المرشد العام لجماعة
الإخوان المسلمين عن عقد لقاء رسمي بين
قادة الجماعة ووفد حركة المقاومة
الإسلامية حماس الفلسطينية يوم 20 مارس
2005 في القاهرة عقب انتهاء مؤتمر الحوار
الفلسطيني، بعلم الحكومة المصرية (التي
لا تعترف بشرعية الجماعة) و"الأجهزة
السيادية وبمشاركة ممثلين عنها" كما
قال، وربما اعتبر الإخوان هذا جواز
مرور واعترافا رسميا يدفعهم للتحرك
الآن.
4-
كثرت الاتهامات من جانب خصوم الإخوان
بأن الإخوان في غيبوبة سياسية، وأنهم
يمالئون الحكومة، ويعقدون صفقات معها،
خصوصا مع تضارب بعض تصريحات الجماعة
بخصوص موقفهم من إعادة انتخاب الرئيس
مبارك، وكثرت الاتهامات لهم بعدم
المشاركة في مظاهرات رفض التمديد
والتوريث، والاكتفاء بمظاهرات ضد
العري في أغاني الفيديو كليب أو أحداث
خارجية في الجامعات، وربما كان هذا
دافعا لتحرك الجماعة بقوة في القضايا
الكبرى كالحكم والتمديد وتعديل
الدستور.
5-
الضغوط الدولية المتمثلة في سقوط عدة
أنظمة حكم بفعل التحركات الجماهيرية
الشعبية -آخرها قيرغيزستان- ربما أقلقت
الحكم، وساهمت في خروج قرار التظاهر
للعلن، وهو أمر لا يخفيه بعض قادة
الجماعة.
تطور
المظاهرات في مصر
وتبقى
ملاحظة أهم تتعلق بتطور المظاهرات في
مصر من جانب أحزاب المعارضة، وتحولها
من السر إلى العلن، ثم بموافقة وعلم
الحكومة، وأخيرا -وهو الأهم- رد
الحكومة عليها بمظاهرات مضادة ينظمها
"الحزب الوطني" الحاكم وأنصار
الحكومة بهدف إظهار أن الشعب يؤيد
الحكومة والرئيس مبارك، وأن المعارضة
لا تشكل سوى جزء بسيط من الشعب.
فالمظاهرة
التي نظمها الحزب الوطني عام 2003 ضد
الاحتلال الأمريكي للعراق كانت هي
المرة الأولى تقريبا التي يخرج فيها
الحزب بمظاهرة ضخمة تندد بالحرب
الأمريكية، ويدعو لها كافة قوى الشعب
المصري منذ المظاهرات الحاشدة التي
كان يقوم بها "الاتحاد الاشتراكي"
الذي كان الحزب الوحيد في عهد الرئيس
الراحل جمال عبد الناصر.
والمظاهرة
الثانية التي قام بها الحزب الوطني في
قلب ميدان التحرير يوم 23 مارس 2005
لتأييد بقاء الرئيس مبارك لفترة رئاسة
خامسة (ردا على مظاهرة مجاورة لمعارضي
التمديد) كانت أكثر دلالة على حرب
المظاهرات بين الحكومة والمعارضة،
وسعي الحكومة لاتباع نفس تكتيك
المعارضة في الخروج للشارع وإثبات
الذات.
فلا
شك أن هذه النقلة السياسية الجديدة
التي نتجت عن مظاهرات المعارضة
والحكومة تسهم بشكل ما في نوع من
الحراك داخل الأحزاب بما فيها الحزب
الحاكم، وداخل القوى السياسية
المحرومة من العمل السياسي أيضا بما
فيها جماعة الإخوان التي تفضل الحركة
السياسية الهادئة على الصدام، وسوف
تكون أكثر المستفيدين من هذا الهدوء
وعودة السياسة (بمعنى التواصل الحزبي
بالجماهير) إلى الشارع المصري.
تحرك
الإخوان بمظاهرة 27 مارس، ورد الحكومة
بالمنع حدث هام بالتالي في الحياة
السياسية المصرية؛ لأن أكبر حركة
سياسية مصرية تحركت أخيرا في الشارع،
كما أن رد الفعل الحكومي على المظاهرة
له حساب آخر في المعادلة، خصوصا أن
السلطة التي اعتقلت عددا من أعضاء
الجماعة بعثت برسائل مختلفة من خلال
تحويل بعض المعتقلين للنيابة، وإطلاق
آخرين.
ويبدو
أن أسلوب الصراع القادم بين الطرفين
سيشهد نوعا من المواءمات والتنازلات
المتبادلة بينهما يوازن بين مصالح كل
طرف، والظروف الدولية الضاغطة على
الدول العربية وأولها مصر، خاصة أن
خريف هذا العام سيشهد أيضا انتخابات
تشريعية جديدة، بجانب "الانتخابات"
الرئاسية، ولا شك أن الإخوان يطمحون
إلى تواجد أكثر حجما في البرلمان
المقبل، بينما يركز النظام بشكل أساسي
على ضبط الأجواء للانتخابات الرئاسية.
إذن
بعد مواجهات الشوارع والميادين..
الطرفان يقفان الآن عند مفترق طرق؛ فهل
ستشهد الفترة المقبلة صفقة أو تسوية ما
بينهما تعود على كل منهما بمكاسب
سياسية، أم أن هذه المواجهات لم تكن
سوى بداية لتصعيد جديد في علاقاتهما؟.
اقرأ
أيضا:
** محلل
الشئون السياسية بإسلام أون لاين.نت.
|