وواقع
الأمر أن ضياع مصداقية الموقف العربي
الموحد نتيجة هذه التحركات الفردية
للتطبيع، والتحول الكبير في عالم
اليوم بصورة مكنت واشنطن من فرض سطوتها
على غالبية الأنظمة العربية بالعصا أو
الجزرة، حول قرارات وتوصيات القمة إلى
مجرد تحصيل حاصل.. بل إن صحيفة مصرية (الأسبوع)
نشرت البيان الختامي السري جدا للقمة
وصورة زنكغرافية له قبل انعقاد القمة
بخمسة أيام كاملة وكأنه أمر مقرر وثابت
وتحصيل حاصل.
ولهذا
أصبح الصحفيون المعنيون بمتابعة أعمال
القمة يترصدون أمورا أخرى غير
التوصيات المعروفة من عينة من حضر ومن
غاب ولماذا؟ والمناوشات والخلافات
العلنية والسرية في القمة بين القادة،
والأهم من ذلك ما يمكن أن نطلق عليه "توابل
القمة" التي يلقيها قادة مثل العقيد
القذافي، وهذه المرة كانت التوابل
حرّيفة وكشفت الخلافات العربية ضمنا،
منها:
-
المشكلات التي برع الرئيس القذافي في
إثارتها في القمة.. فالذين انتظروا منه
تكرار فكرة قيام دولة موحدة (دولة "إسراطين")
فوجئوا به يقول أطروحات أكثر جرأة
وإثارة مثل وصف "الفلسطينيين
والإسرائيليين على حد سواء بأنهم "أغبياء"،
متسائلا: "لماذا لم يقم الفلسطينيون
دولة لهم في الضفة الغربية وغزة" بين
1948 و1967؟ ما أثار أزمة مع الفلسطينيين،
وطالبوه باعتذار رسمي، فضلا عن وصفه
شارون بأن "عميل للعرب"، وهي
إثارة لا تقل عما فعله في قمة القاهرة
الطارئة عندما دخل في ملاسنة علنية مع
الأمير عبد الله بن عبد العزيز ولي
العهد السعودي.
-
ظهر خلاف على الهواء بين الرئيس السوري
بشار الأسد والرئيس المصري مبارك بشأن
لجنة تمثل الجامعة العربية تسعى
للدفاع عن سوريا ولبنان ضد القرار 1559،
حيث أصر الأسد على مشاركة سوريا ورأى
مبارك عدم أهمية هذا وعاد الأسد ليؤكد
أهمية المشاركة.. وعندما قال مندوب
الكويت إن الحل في يد رئاسة المؤتمر (الجزائر)
صفق له الرئيس عبد العزيز بوتفليقة
كأنه وجد حلا للمأزق.
-القمة
العربية التي حملت اسم "قمة الإصلاح
ولمّ الشمل"، انتهت لمشادات بين
الدول الرافضة للتطبيع بلا ثمن وتلك
المؤيدة، وظهور خلافات علنية واضحة في
الرؤية بين مصر وسوريا بخصوص مسألة
الانسحاب من لبنان والقرار 1559، وأخيرا
اتهام الفلسطينيين بالغباء.
-
الاقتراحات الجزائرية السابقة التي
أثارت الجدل بشأن تدوير منصب أمين عام
الجامعة على الأعضاء تركت أثرا ضارا،
خاصة أن وزير الخارجية الجزائري عبد
العزيز بلخادم قال قبل القمة: إن بلاده
"ترفض أن تتحول الجامعة إلى هيكل
ملحق بوزارة الخارجية المصرية"،
ورغم تجديد الثقة بموسى فلم تندمل
الجراح التي تركها هذا الاقتراح.
ولا
يعني هذا أن القمة لم تحقق توصيات
وإنجازات مهمة تمثل الحد الأدنى من
المتوقع منها؛ فالقمة العربية كانت
مطالبة بإنجاز 3 ملفات كبرى هي:
-
أولا: إنشاء برلمان عربي انتقالي، يكون
لكل دولة فيه 4 ممثلين، وتكون مهمته في
مرحلة أولى استشارية، على أن يتحول
بالتدريج إلى برلمان دائم مع توسيع
صلاحياته. ويدافع الجزائريون عن هذا
المشروع بقولهم: إنهم "استأنسوا
بتجربة البرلمان الأوربي الذي بدأ
مهامه بصفة استشارية، وباعتماد
التعيين طريقة في اختيار أعضائه، قبل
أن يصبح بالانتخاب في الدول الأوربية".
-
ثانيا: إنشاء هيئة لمتابعة القرارات،
مهمتها مراقبة مدى تنفيذ القرارات
الصادرة عن القمم، تتشكل من وزراء
خارجية رؤساء القمة السابقة والجارية
والمقبلة، إضافة إلى أمين عام الجامعة.
وتعمل هيئة متابعة القرارات تحت إشراف
رئيس القمة؛ حيث ترفع له تقارير دورية
عن نشاطها؛ وذلك لأن القادة اكتشفوا في
القمة السابقة أن عدم تنفيذ قرارات
القمم من أبرز ما يعوق العمل العربي
المشترك!.
-
ثالثا: مواصلة الجهود الرامية إلى
تطوير وتحديث جامعة الدول العربية
وتفعيل آلياتها لمسايرة التطورات
العالمية المتسارعة ومواصلة بناء
مجتمع عربي متكامل في موارده وقدراته
وتحقيق التنمية الشاملة المستدامة
وتمكين الجامعة العربية وكافة
مؤسساتها وأجهزتها من تطوير أساليب
عملها والارتقاء بأدائها والاضطلاع
بمتطلبات الشعوب العربية وتطلعها إلى
مزيد من تشابك المصالح بينها ومواكبة
المستجدات على الساحتين العربية
والدولية".
غير
أن هذه الملفات التي تطرق لها البيان
الختامي لم تحسم نهائيا وجرى تعليق بعض
هذه الإنجازات إلى القمم القادمة.
أما
بقية القضايا العربية كالسودان
والعراق والصومال وسوريا فقد جرى
التطرق العاجل لها حيث اكتفوا
بـقرارات "كلاسيكية"، مثل:
-
الإعراب عن تضامننا المطلق مع سوريا
الشقيقة إزاء ما يسمى "قانون محاسبة
سوريا"، واعتباره تجاوزا لمبادئ
القانون الدولي وقرارات الأمم
المتحدة، والتأكيد على ضرورة تغليب
منطق الحوار والتفاهم لحل الخلافات
بين الدول.
-
تجديد التأكيد على وحدة أراضي العراق
واحترام سيادته واستقلاله والدعوة
إلى تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم (1546)
لعام 2004 القاضي بتمكين العراق من
استعادة كامل سيادته وإنهاء الوجود
العسكري الأجنبي فيه.
-
الترحيب بالتوقيع على اتفاق السلام
في جنوب السودان والتأكيد على
التضامن معه ومساندة الجهود التي
تبذلها الحكومة السودانية لمعالجة
الوضع في إقليم دارفور ودعوة كافة
الأطراف الإقليمية والدولية المعنية
للعمل على إيجاد حل سلمي عاجل لهذه
القضية بما يحقق وحدة السودان ويحفظ
سيادته وسلامته بعيدا عن أساليب
الضغوط الأجنبية.
والملاحظة
الجوهرية هنا أن رد الفعل العربي مجرد
"تضامن" و"تجديد تأكيد" و"ترحيب"،
وهي مواقف لها دلالة مهمة في أن القمة
لم يكن لها يد في هذه التطورات في هذه
الدول الثلاث وليس أمامها سوى التضامن
أو التأييد، حيث جرى اتفاق السودان
برعاية أمريكية، واحتلال العراق بيد
أمريكية، وحصار سوريا على يد أمريكا.
قمة
الجزائر تعتبر بالتالي قمة الحد
الأدنى، وقمة ظهور نوايا التطبيع التي
كشفت أن هذا الأمر قاب قوسين أو أدنى
بحيث لن تأتي القمة المقبلة إلا
والعديد من الدول العربية ستكون على
الأرجح قد طبعت بشكل أو بآخر علاقاتها
مع تل أبيب بلا ثمن كما كان يقول وزير
خارجية إسرائيل عقب قمة شرم الشيخ.
وإذا
كانت قمة بيروت (2002) هي أول من وضع بذرة
التطبيع، وقمة تونس (2004) هي التي هيأت
الأجواء للتطبيع والرضوخ لخطة فرض
الديمقراطية الأمريكية؛ فقمة الجزائر
تستحق عن جداره لقب "قمة التطبيع
والاحتضار العربي".