|
الوضع السياسي: صعوبة الاتفاق
بدأت
الجلسة -التي سُجلت على شريط كاسيت ثم
أُفرغت ليتم نشرها على شبكة موقع "بروكينجز"
في 28 صفحة- بتعليق الأستاذ الجامعي "نوح
فيلدمان" حول الوضع السياسي فيما
بعد الانتخابات، متوقعا (وهو ما تحقق
بالفعل) حصول الشيعة العراقية على
الأغلبية في المجلس التشريعي العراقي.
وهو ما سيؤدي، بحسب فيلدمان، إلى
اندلاع التحديات التالية:
تحديان
أمام الشيعة:
يتمثل
التحدي الأول في مدى تمكن الشيعة من
الوصول إلى مفاوضات واضحة المعالم مع
الأكراد الذين سيُمثلون أكثر من خُمس
مقاعد المجلس التشريعي العراقي. وهذه
المفاوضات ستكون مُلزمة بتحقيق أمرين
متوازيين: الأول هو إرضاء الأكراد
والإبقاء عليهم في ظل عراق فيدرالي
موحد؛ والثاني هو الإبقاء على ما تبقى
من الأحلام القومية للعراقيين العرب.
وبحكم شعبوية هذه المفاوضات -التي سوف
تتم تحت أعين الشعب العراقي وليس وراء
الأبواب المغلقة كما حدث في أثناء
مفاوضات "قانون التحول الإداري"
TAL- فإن الأمر سيكون أكثر صعوبة
وتعقيدا؛ إذ تفتقد تلك المفاوضات
العامة العلنية عنصر الضغط من قبل
القوى الكبرى، مثل الولايات المتحدة،
ومن ثم يصير تسييرها متعرضا للإخفاقات
والكبوات. فخروج القياديتين الشيعية
والكردية باتفاق يقتضي منح الأكراد
"حكما ذاتيا" في شمالي العراق
بالإضافة إلى إعطائهم نصيبا معقولا و"عادلا"
من عائدات النفط... أقول إن خروج
القياديتين بمثل هذا الاتفاق على
الشعب العراقي، وتحت مرأى الرأي
العام، ليس بالأمر السهل. وليت هذا
الاتفاق يتم في ظروف عادية؛ بل إنه يتم
وسط أجواء حرب أهلية، أو وسط أجواء
مشرفة على حرب أهلية مدمرة.
أما
التحدي الثاني الذي سوف تواجهه
القيادة الشيعية -التي سيكون لها
الهيمنة على الحكومة العراقية الجديدة-
فيتمثل في مدى قدرتها على استخدام
النظام التشريعي والدستوري العراقي في
إيجاد حل سياسي لإشكالية المقاومة
السُنية. فالسؤال الذي يطرحه "فيلدمان"
هو: من الذي سوف يُمثل السُنة العاقلة
"الراشدة"؟ ويقصد هنا بالسُنة "الراشدة"
rational Sunnis أي السُنة غير المقاومة أو
غير المناهضة للاحتلال. إن الأزمة -بخصوص
هذا التحدي- تكمن في عدم وجود قيادة
سُنية حقيقية تمثل السُنة "الراشدة"
في داخل المجلس التشريعي العراقي؛ تلك
القيادة السُنية التي تستطيع عبر
المفاوضات -حسب رأي "فيلدمان"-
القضاء على المقاومة السُنية. فمع من
إذًا ستتفاوض القيادة الشيعية فيما
بعد الانتخابات؟ وكيف ستتمكن القيادة
الشيعية من إيجاد حل سياسي لإشكالية
المقاومة السُنية دون التفاوض مع
قيادة سُنية "راشدة"؟ هذا مع
الاعتبار بأن الشيعة -كما أوضح "فيلدمان"-
قد وصلوا إلى أقصى درجات الصبر مع
السُنة؛ فصبر الألف عام قد وصل إلى
أوجه؛ ومن المتوقع له أن ينفجر في أية
لحظة؛ ومن ثم، فإن القيادة الشيعية لن
تصبر طويلاً على المقاومة السُنية،
ولن تطيق تحملها إذا ما طال بها الأمد.
تحديات
أمام المجتمع السُني:
أما
المجتمع السُني فسيكون مطالبا بإعداد
نفسه للموافقة على أمرين، لا غنى عنهما:
أولاً، ضمان رسمي بأنصبة متساوية في
عائدات النفط العراقي؛ وثانيا، تمثيل
مؤسسي في المجلس التشريعي. فأخيرا دشنت
الانتخابات العراقية اللحظة الحاسمة -كما
يوضح "فيلدمان"- التي ستشهد فيها
الأقليات بالعراق (الأكراد والسُنة)
عدالة ومساواة في توزيع الثروات، ليس
فقط عبر ضمانات ورقية، بل أيضا عبر
تمثيلات حقيقية في البرلمان العراقي.
وستسنح
الفرصة لبعض التيارات السُنية
والأكراد لكي يشتركا معا في الضغط على
القيادة الشيعية لكي توافق لهما على
أخذ مقاعد بالمجلس الأعلى بالبرلمان
العراقي، باعتبار كون هذه المقاعد
مُرشحة إقليميا في الأصل؛ وذلك بهدف
تفعيل القاعدة الأساسية، وهي ترجمة
الضمانات الورقية الممنوحة للأقليات
إلى آليات مؤسسية. وبالطبع، ستقوم
القيادة الشيعية برفض مثل هذا الضغط -وهي
ترفضه بالفعل- إلا أنها ستُجبر على
تقبله إذا أدركت أنه الحل الوحيد
لإنهاء المقاومة السُنية.
وكذلك
فإن المجتمع السُني -كما يفترض "فيلدمان"-
مُطالب بإبراز ما يحتويه من الفئات "المعتدلة"
"الراشدة" التي ترغب في التفاوض
مع القيادة الشيعية. فهناك أعضاء من
المقاومة السُنية قد يرغبون في
التفاوض؛ ومن ثم فلا بد من إبراز هؤلاء
الأعضاء، كما يقول "فيلدمان" الذي
يستلهم ويستجلب النسق الإسرائيلي-الفلسطيني،
مشيرا إلى أنه في كل حركة مقاومة يوجد
البعض الذين يحبذون الجلوس إلى طاولة
المفاوضات. إلا أنه بالمقارنة بين
الوضعين، يأسف "فيلدمان" على عدم
وجود مؤسسة ممثلة للسُنة العراقية "المعتدلة"
غير المقاومة، بينما ينعم الفلسطينيون
"المعتدلون" بتلك المؤسسة؛ وهي
منظمة التحرير الفلسطينية.
القيادة
الشيعية والحكومة العلمانية
بالرغم
من إعلان القيادة الشيعية أن الإسلام
سيكون هو مصدر التشريع، فإنها لا تكف
في الوقت ذاته عن الخطاب حول
الديمقراطية المُشبعة بالإسلام؛ وهو
خطاب -كما يعتبره "فيلدمان"-
سيستدعي جدالا واسعا وسط الشعب
العراقي؛ حيث انتشرت الأقاويل
المفترضة بأن الحكومة العراقية
الجديدة قد تكون علمانية. وبنت هذه
الأقاويل حجتها على ما أعلنه الكثير من
السياسيين الشيعة، في أن رجال الدين لن
ينالوا مناصب عليا في ظل الحكومة
العراقية الجديدة، وفي أن السلطة
النهائية لن تقع في يد "الفقيه"
كما هو الحال في إيران، وإنما ستقع في
يد المجلس التشريعي، غير أنه يتوقع أن
يبقى لهذا "الفقيه" تأثيره من خلف
الستار.
المسألة الأمنية سوداوية إلا إذا..
بحكم
خبرته بالشئون الأمنية بالعراق -تدريب
القوات الأمنية العراقية وإرساء سياسة
أمنية للعراق- كان "بيتر خليل" هو
أنسب من يتحدث عن المسألة الأمنية في
عراق ما بعد الانتخابات، وما ستمليه
المرحلة الجديدة على حيثيات الوضع
الأمني. والحق يقال، إنه لم يستبشر
خيرا على الإطلاق؛ مشيرا إلى مواطن
عديدة من الخلل الذي سيُزيد الحالة
الأمنية العراقية اضطرابا وإرباكا؛ ومن
تلك المواطن التي ذكرها:
عدم
استعداد القوات العراقية لمواجهة
المقاومة السنية
بالرغم
مما أبدته قوات الأمن العراقي -حوالي
136.000- من قدرات واضحة في السيطرة على
الأمور في ظل الانتخابات العراقية،
فإنها ما زالت تفتقد وتفتقر إلى
تدريبات أكثر تقدما في كيفية مواجهة
المقاومة والإرهاب. الأمر الذي يؤدي في
النهاية إلى إلقاء أعباء المسئولية
الأمنية على أكتاف القوات الأمريكية؛
فتصير الأخيرة هي المتحملة والمُحملة
بالمهام الأمنية الصعبة؛ وهو ما يجعل
السؤال حول انسحاب القوات الأمريكية
من العراق سؤالا ساذجا. ومن ثم، يعتقد
"خليل" بأنه في ظل هذا الوضع
القائم، ستكون القوات الأمريكية
مسئولة لا محالة -على امتداد العامين
القادمين- عن جميع العمليات الدفاعية
والهجومية ضد المقاومين في العراق.
بلغة أخرى، إن تدريب القوات العراقية
على تحمل مثل هذه "المسئولية" -وهي
إجهاض المقاومة السُنية- سيأخذ عامين
على الأقل. صحيح أنه هناك بعض العناصر
الخاصة -داخل صفوف القوات العراقية-
التي يتم تدريبها حاليا على إجهاض
عمليات المقاومة والإرهاب، إلا أن
عددها قليل للغاية؛ وهي تحتاج إلى وقت
كافٍ لكي تزيد وتنتشر.
وجود
عناصر دخيلة في قوات الأمن العراقي
يُقصد
بهذه النقطة، إمكانية احتواء مؤسسات
الخدمات الأمنية، التي ستنشئها
الحكومة العراقية الجديدة، على جنود
وضباط سُنيين "دُخلاء" يُسربون
المعلومات لحركة المقاومة السُنية.
ومن ثم، فقد تعارض الكثير من الأحزاب
الشيعية الإسلامية تواجد مثل هؤلاء
الجنود والضباط من ضمن القوات الأمنية.
وقد قام بالفعل بعض الإسلاميين الشيعة
بمنع هؤلاء من الالتحاق بصفوف الخدمات
الأمنية، لما يشعرون به من توجس تجاههم.
وهنا تكمن المشكلة، كما يراها "خليل":
إذ كيف يمكن للشيعة أن تعطي مناصب
وزارية للسُنة من ناحية، ثم تمنعهم بعد
ذلك من الخدمة في الأمن العراقي بالرغم
مما لديهم من خبرات؟.
اعتماد
الشيعة على "فيالق بدر"
يتخوف
"خليل" من خطورة اتجاه بعض الشيعة
إلى الاعتماد على الميليشيات الشيعية،
لدحض المقاومة السُنية؛ خاصة أنه قد
سمع عن عزم بعض القيادات الشيعية
الاعتماد بشكل أساسي على بعض عناصر
الميليشيات الشيعية -مثل "فيالق بدر"
(التابعة للمجلس الأعلى للثورة
الإسلامية)- واستخدامها في محاربة
المقاومة السُنية، والتخلص منها سريعا.
إن الخطر يكمن في تلك الدعوات التي
تنادي بزيادة تواجد تلك الميليشيات
ضمن قوات الأمن العراقي... وهو ما إن حدث
فسيؤدي حتما إلى حرب أهلية ضروس.
بروز
إشكالية "مَن هو من؟"
على
امتداد العامين السابقين، قاومت سلطة
الاحتلال الأمريكي بالعراق إدراج "فيالق
بدر" في الخدمات الأمنية الحكومية
الجديدة؛ وذلك طبعا بسبب علاقاتها
الوطيدة مع إيران. فجنود كثيرون من هذه
الفيالق تم تدريبهم في إيران على يد
الحرس الثوري الإيراني؛ والكثير منهم
يتلقى الرشاوى من الإيرانيين. إلا أنه
من الصعب التفريق بين من هو موال فعلا
لإيران وبين من هو موال للعراق بحكم
وطنيته وقوميته. فمن بين 10 آلاف من جنود
"بدر"، يصعب التعرف على هوية
وانتماء كل جندي. ومن ثم، فإنه من
الحكمة -كما يوضح "خليل"- أخذ
الحيطة الشديدة عند إدراج الميليشيات
الشيعية في الخدمات الأمنية الجديدة.
وقد بدأت سلطة الاحتلال بالفعل في
التدقيق والتمحيص في تلك المسألة، ومن
ثم توجهها (منذ بداية عام 2004) نحو
التجنيد الفردي القائم على نظام مركزي
ومعياري للتجنيد، بعد أن كان نظام
التجنيد يتسم باللامركزية، وبعد أن
كان خاليا من أية معايير. والالتباس
هنا -كما يشير "خليل"- لا يتعلق فقط
بالميليشيات الشيعية، بل يتعلق أيضا
بالبعثيين؛ فليس كل بعثي مؤمنا حقيقة
بالعقيدة البعثية؛ فقد يوجد بعثيون
كثيرون لم يلتحقوا بالحزب البعثي
البائد إلا بهدف التقدم في مجالاتهم
وتخصصاتهم، حتى ولو كانت هذه التخصصات
عسكرية بحتة.
إلا
أن "خليل" -حتى يكون علميا محايدا-
كان ملزما بذكر الجوانب المشرقة من
الصورة، بالرغم من سوداويتها؛
وتتمثل تلك الجوانب حسب رأيه في التالي:
احتواء
أغلبية المقاومة السنية على رجال صدام
السابقين
يستبشر
"خليل" باحتواء المقاومة السُنية
على عدد كبير من الطاقم "الصدامي"
القديم، سواء كانوا من رجال العسكر أو
رجال المخابرات؛ ويعود سبب استبشاره
إلى كونهم مستعدين للتفاوض. فبالرغم من
احتواء المقاومة السُنية على عدد من
الإسلاميين "المتشددين" (كما
يسميهم "خليل") ومن "الجهاديين"
غير العراقيين الذين لن يقبلوا
بالتفاوض على أية حال، إلا أنهم لا
يشكلون في النهاية إلا عددا صغيرا جدا
مقارنة برجال الجهاز الأمني للعهد "الصدامي"
البائد. ومن ثم، يدعو "خليل" -كما
دعا "فيلدمان" من قبله- الحكومة
العراقية الجديدة إلى استغلال هذا
العنصر، من خلال تشجيع التفاوض معهم.
احتواء
المقاومة السنية على عناصر "معتدلة"
فعالة
وكذلك
يستبشر "خليل" بوجود عدد غير قليل
من العناصر "المعتدلة" في داخل
المقاومة السُنية؛ ويدعو بالمثل إلى
احتضان واحتواء تلك العناصر من قبل
الحكومة العراقية الجديدة، وإدخالها
في العملية السياسية. ويأمل "خليل"
في أن يشهد المثلث السُني تحولا مثل
الذي شهدته حركة "مقتدى الصدر" من
قبل. فمنذ ثمانية أشهر كانت مقاومة "الصدر"
مشتعلة في أنحاء "النجف" ومدينة
"الصدر"، إلا أن الزعيم الشاب
أدرك في نهاية المطاف بأنه لن يستطيع
تحقيق أهدافه السياسية عبر استخدام
القوة؛ ومن ثم وضع سلاحه، وصار مشاركا
في العملية السياسية. وبالرغم من أنه
لم يرشح نفسه في الانتخابات، فإن نوابه
قد قاموا بذلك نيابة عنه. ومن بعدها -كما
يرى "خليل"- استقرت الحالة
الأمنية في مدينة "الصدر". ولذا،
فقد يأمل "خليل" في حدوث نفس
السيناريو في المدن والبلدان المندرجة
تحت المثلث السني المقاوم.
إعادة البناء: تحميل العراقيين
المسئولية
لا
تنكر "شيبا كروكير" بروز بعض
المبشرات، وسط تلك الظلمات الأمنية
التي أسهب فيها "خليل"؛ ومن بين
تلك المبشرات التي ذكرتها "كروكير"
الاستبشار بالوضع الأمني السائر في ظل
الانتخابات العراقية، حيث تشير إلى
النجاح النسبي الذي أظهرته القوات
العراقية؛ وهذا ما كان من المتوقع -كما
تقول "كروكير"- باعتبار أن هذه
القوات ما زالت تحت قيد التدريب.
ولكنها تذكر في الوقت ذاته أن إغلاق
حدود العراق في أثناء الانتخابات
العراقية قد سهل كثيرا من مهام قوات
الأمن العراقي في حفظ الأمن.
إلا
أن حديثها يعود بعد ذلك ليصبغ بنفس
الصبغة التشاؤمية التي أبداها "خليل"؛
فكما يرى الأخير سوداوية السيناريو
الأمني، ترى "كروكير" سوداوية
السيناريو البنائي، مفترضة بأن السبب
الحقيقي وراء تلك السوداوية قد يكمن في
انعدام الرؤية الصائبة والحكيمة في
كيفية إنفاق المساعدات الخارجية على
المشاريع الوطنية التي تخدم الشعب
العراقي، سواء في مجال الزراعة أو
الصناعة أو الإسكان أو المرافق العامة
أو...إلخ. فبالرغم من الإنفاقات الضخمة
التي يتم صرفها على إعادة تأهيل
العراق، فإننا ما زلنا نشهد الخدمات
الأساسية -من الكهرباء إلى المياه
الصالحة للشرب- وقد انتشرت بطريقة
عشوائية وغير مخططة في مختلف أنحاء
العراق. نعم، قد توجد بعض التحسنات
والتطورات الخدمية، ولكن يوجد بجانبها
تل من الأزمات والإشكاليات التي لم يتم
حلها بعد. سبب آخر وراء تلك السوداوية
قد يكمن في الفراغ القانوني الذي تراه
"كروكير" أكبر تهديد لعملية إعادة
البناء، بل تراه أكثر تهديدا من
المقاومة السُنية ذاتها. من ثم، فهي
تنصح بإعداد رؤية أكثر نضجا وفطنة
لعملية إعداد البناء؛ ومن
مقتضيات ومتطلبات تلك الرؤية الآتي:
تحويل
عملية إعادة البناء إلى أيدي
العراقيين
أعلنت
وزارة الخارجية الأمريكية مؤخرا، أنها
عازمة على تحويل بعض الإعانات المالية
إلى الوزارات العراقية لكي تقوم هي
بنفسها بإدارة تلك الإعانات بدلا من
الحكومة الأمريكية. بمعنى أن تكف
الأخيرة عن تقديم العقود مباشرة إلى
المتعاقدين الأمريكيين، وأن تقوم بدلا
من ذلك بإعطاء الإعانات المالية إلى
الوزارات العراقية التي من المفترض أن
تحدد هي بدورها الأطراف التي ستتعاقد
معها. وسيبدأ هذا التحول بالتدريج، على
أن تكون أول بادرة من نوعها هي إعطاء
صفقة -مقدارها 50 مليون دولار- إلى وزارة
الإسكان والتعمير العراقي، نظرا لما
أثبتته تلك الوزارة من جدية في العمل
طيلة الفترة الماضية. وهذه ستكون أول
خطوة تجاه تمليك الشعب العراقي
لمشاريع إعادة بناء بلده، ومن ثم
التحول عن نموذج المتعاقد الأمريكي
الأوحد.
استيعاب
المساعدات الخارجية للبطالة
تقول
الإحصاءات العامة إن معدلات البطالة
في العراق تتراوح فيما بين 30 و40%؛ وبعض
التقديرات تقول إنها قد تصل إلى 60 أو 70%.
ومن هنا، تحض "كروكير" على وجوب
استخدام الإعانات الأمريكية وغيرها من
الإعانات الخارجية بطريقة فعالة، تسمح
باستيعاب البطالة. ولن يتحقق ذلك إلا
من خلال إحالة تلك الإعانات إلى
الوزارات العراقية، باعتبارها أنها
ستكون غالبا أكثر قدرة -من المتعاقدين
الأمريكيين- على تشغيل العراقيين
العاطلين.
حل
إشكالية "تدوير" المال الأمريكي
في العراق
تشدد
"كروكير" على وجوب تيسير إدارة و"تدوير"
المال الأمريكي في داخل العراق. فحتى
الآن، لم يتم إلا إنفاق 2.5 مليار دولار
من القروض المعدة لعمليات إعادة
البناء، والتي تبلغ حوالي 18.4 مليار
دولار. وترجع أسباب عسرة الإنفاق
الأمريكي في داخل العراق -كما توضح "كروكير"-
إلى الحالة الأمنية المتدهورة من
جانب، وإلى العراقيل البيروقراطية
المعتادة، من جانب آخر، التي يوجدها
ويسببها الكونجرس الأمريكي كلما طالبت
وزارة الخارجية الأمريكية بإدراج
مساعدات مالية جديدة.
إعداد
مقياس مضبوط ودقيق للإنجازات
الأمريكية بالعراق
تنتقد
"كروكير" تناقض التقديرات
والإحصاءات التي تتحدث عن "الإنجازات"
الأمريكية في داخل العراق. فها هو "أنتوني
كوردسمان" بمركز الـCSIS يعتقد بأن
القوات العراقية التي تدرب لإجهاض
المقاومة السُنية تتراوح بين 7.000 و11.000
عراقي؛ وها هو السيناتور "بيدن"
بمجلس الشيوخ الأمريكي يقول إن العدد
قد يصل إلى 18 ألفا؛ ثم يأتي الجنرال
الأمريكي "مايرز" ليقول إن العدد
قد لا يتعدى الـ40 ألفا؛ وأخيرا تأتي
الحكومة الأمريكية لتعلن أن العراقيين
المتدربين وغيرهم من المؤهلين للتدريب
قد يصلون إلى 130 ألفا. ومن ثم، تنادي "كروكير"
بإعادة التفكير في طريقة جديدة لقياس
حجم الإنجازات التي تحققها الولايات
المتحدة عل الصعيد العراقي؛ وقد قام
بالفعل مركز الـCSIS مؤخرا بتعقب
الأحداث في العراق بطريقة تراكمية،
مُركِزا على الصورة الكلية أكثر من
الأرقام المجردة.
صياغة
إستراتيجية متكاملة للانسحاب
تنتقد
"كروكير" افتقار الإدارة
الأمريكية إلى رؤية إستراتيجية حقيقية
تجاه خروجها من العراق، مشيرة إلى أن
إستراتيجية الخروج لا تقتصر فقط على
الوقت الذي ستنسحب فيه القوات
الأمريكية إلى خارج العراق، وإنما
تمتد إلى نقاط كثيرة أخرى. ومن ثم تقترح
الباحثة بلورة إستراتيجية "كاملة"
للانسحاب، تتضمن العناصر الأمنية
والعناصر السياسية وخطة لإعادة البناء
الاقتصادي. وإذا كان الرئيس الأمريكي
"بوش" قد تحدث في خطبة "الاتحاد"
عن الأهداف التي يجب أن تحققها
الولايات المتحدة قبل خروجها من
العراق، فإنها في النهاية ليست إلا
أهدافا، ولا يمكن أن ترقى، على أي حال
من الأحوال، لتصير إستراتيجيات حقيقة.
حتى هذه الأهداف، لا تتوقع لها "كروكير"
الحدوث على المدى القريب. فتحقيق
الديمقراطية العراقية سيأخذ على الأقل
جيلا بأكمله؛ وتحقيق حكومة تمثيلية لم
يُر منه شيء تطبيقي حتى الآن؛ وتحقيق
السلام بين العراق وجيرانه لم يدشن منه
شيء حتى هذه اللحظة؛ وتحقيق العراق
الآمن الذي سيستطيع الدفاع عن نفسه
بالكامل لم تثبت مصداقيته طيلة
السنتين الماضيتين.
الإستراتيجية العسكرية الأمريكية
بالعراق
انتقالا
إلى المحور الرابع والأخير من الجلسة -وهو
الإستراتيجية العسكرية الأمريكية
بالعراق- نجد "أو.هانلون" يشير،
متشائما أيضا، إلى خروج الأمر العراقي
من أيدي القوات الأمريكية التي لا ولن
تستطيع كسب الحرب بمفردها. ويحصي "أو.هانلون"
كم الخسائر التي مُني به العراق، والتي
لم تعد القوات الأمريكية قادرة على
احتوائها: فمعدلات البطالة والجرائم
في ازدياد مستمر؛ ومستوى المعيشة لم
يتحسن لكثير من العراقيين، وشعبية
الوجود الأمريكي في داخل العراق
تتضاءل يوما بعد يوم. وبناء
على ذلك، يحض "أو.هانلون" على
تطوير الإستراتيجية الأمريكية
بالعراق عبر وسيلتين، لتخفف من حدة تلك
الخسائر:
رسم
إستراتيجية خروج عبر العامين القادمين
ينادي
"أو.هانلون" بضرورة جلب المجتمع
الدولي إلى العراق لكي يشارك في عملية
تدريب القوات العراقية، حتى يتسنى
للقوات الأمريكية الانسحاب في غضون
عام ونصف أو عامين على الأكثر؛ ومن ثم
إنهاء الاحتلال الأمريكي وتبعاته.
فالعدد المطلوب تدريبه قد يصل إلى 150
ألف عراقي؛ وهو عدد مهول بالطبع، إلا
أنه يمكن أن يصير صغيرا إذا شارك
الحلفاء الأوربيون والعرب في الأمر.
ويعتقد "أو.هانلون" أن مهمة تدريب
القوات العراقية تمثل اليوم تحديا
أمنيا مركزيا للعالم الغربي، إذ
بإتمام هذه المهمة ستستطيع القوات
الأمريكية تطبيق إستراتيجية الانسحاب
في أقصر وقت ممكن (عامين)، كما ستستطيع
ضبط المقاومة السُنية. وقد علق منسق
الجلسة على هذا الجزئية قائلاً إن
الوقت ملائم تماما لتحقيق تلك
المشاركة بين الولايات المتحدة
وحلفائها الأوربيين. فالزيارات التي
قام بها الرئيس "بوش" مؤخرا -فبراير
2005- إلى عدة دول أوربية، وترحيب
الأخيرة بتلك الزيارات خير شاهد على
ذلك.
إيجاد
إستراتيجية تسمح للعراقيين بمواصلة
الحرب بأنفسهم
لا
يعتقد "أو.هانلون" أنه بإمكان
الإدارة الأمريكية بلورة إستراتيجية
لـ"انتصار" في ظل العامين
القادمين. بلغة أخرى، إن النصر الحقيقي
لن يكون حليف الولايات المتحدة
الأمريكية إلا إذا قامت الأخيرة
بصياغة إستراتيجية تسمح للعراقيين
بمواصلة الحرب بأنفسهم، حتى تختفي
صورة "الاحتلال الأمريكي"
تدريجيا؛ تلك الصورة التي يراها "أو.هانلون"
العدو الأول للقوات الأمريكية بالعراق.
أما
"كينيث بولاك" رئيس قسم الأبحاث
بمركز "سابان" والمؤرخ العسكري في
الوقت ذاته، فقد حض الإستراتيجيين
العسكريين الأمريكيين على الارتكاز
والاعتماد على أمرين مهمين، سيكون
لهما تأثير كبير في إحداث تطور إيجابي
على الصعيد العسكري الأمريكي بالعراق،
وهما:
اللعب على
الأوتار النفسية
يشير
"بولاك" إلى أن النجاح الأمريكي
بالعراق يعتمد بدرجة كبيرة على العامل
النفسي. فمعظم الشعب العراقي -حوالي 90%
كما يقول "بولاك"- يريد إعادة
إعمار العراق، ولا يريد الحرب
الأهلية، ولا يريد المقاومة. فلماذا لا
تلعب الإدارة الأمريكية على هذا
الوتر؟.
إنه
لمن المؤسف حقا -يمضي "بولاك"
قائلا- إخفاق الإدارة الأمريكية في
اللعب على هذا الوتر طيلة العامين
السابقين؛ حيث إنها لم تقدم شيئا جديرا
بالذكر للمواطن العراقي، بعد خلع صدام
حسين من الحكم. وظل المواطن العراقي -طيلة
العامين السابقين- ينتظر تطورا
إيجابيا في حياته وفي معاشه، ولكنه لم
يجد شيئا؛ فصار التواجد الأمريكي في
العراق مكروها ومذموما من قبل
العراقيين الذين خُيبت آمالهم أكثر من
مرة، فتحطمت على صخور الوعود
الأمريكية الوهمية. إلا أنه بالرغم من
تلك الصورة القاتمة، فقد يأمل "كينيث"
في أن فرصة اللعب على الوتر النفسي ما
زالت موجودة؛ إذ إن نجاح سير عملية
الانتخابات العراقية أعطى الأمل مجددا
للمواطن العراقي، وجعله يطمح من جديد
في إمكانية إعادة إعمار بلاده. وهنا
وفي هذه النقطة بالتحديد، لا بد
للإدارة الأمريكية أن تتدخل وأن تثبت
وجودها من خلال بذل جهود عظيمة وجبارة -كما
يقول "بولاك"- لكي تكسب المواطن
العراقي إلى صفها، لكي تكسبه نفسيا قبل
كل شيء. أما إذا خُيبت آماله في هذه
المرة أيضا، فإن "كينيث" يحذر من
نشوب حرب أهلية شعواء، خاصة من قبل
الشيعة أولا والأكراد ثانيا.
عدم
التصدي للمقاومة السنية
بحكم
كونه مؤرخا، شدد "بولاك" على عدم
التصدي للمقاومة؛ فالقاعدة التاريخية
تقول إن التصدي للمقاومة خطأ فادح. "لقد
علمتنا إستراتيجية مناهضة المقاومة -عبر
قرن من الزمان- أنها أفضل طريقة
للانهزام أمام المقاومة". ومن ثم،
يحذر الإدارة الأمريكية من الإصرار
على هذا الخطأ؛ ويناديها بدلا من ذلك
إلى الإصرار على النجاح. والنجاح في
نظره هو نشر القوات الأمريكية في أنحاء
العراق للسهر على خدمة المواطن
العراقي العادي؛ وتأمين حياته
الاقتصادية، وجعل معاشه آمنا مطمئنا.
ويرى "بولاك" أن هذا "النجاح"
هو أقصر طريق لهزيمة المقاومة نفسيا
ومعنويا، وكسب تأييد المواطن العراقي
العادي للوجود الأمريكي.
تعليقات على هامش التساؤلات
يبقى
أخيرا التعليقات التي قالها الباحثون،
ردا على تساؤلات واستفسارات الحاضرين؛
حيث قمنا
بانتقاء أهم الأفكار التي وردت على
هامش الإجابات، ومنها:
رؤية
إيجابية لسلطة الاحتلال
على
الرغم من اعترافاتهم بوقوع سلطة
الاحتلال في العديد من الأخطاء -منها
إستراتيجيتها غير الناضجة بخصوص ما
بعد حرب العراق- فإنهم يؤمنون بأن هذه
السلطة سوف تخلف وراءها الكثير من
الخيرات التي ستظهر في السنوات
القادمة. ومن هذه الخيرات، إنشاء وزارة
دفاع عراقية جديدة تدار من قبل
المدنيين، وإقامة مؤسسة للخدمات
المدنية مستقلة عن وزارة الدفاع،
وتدشين جيش عراقي جديد بفكر جديد يعتمد
على ثقافة جديدة وبريئة من الثقافة "البعثية"؛
يرتقي فيها الجندي العراقي المناصب
بناء على جهده وليس بناء على مدى ولائه
للحزب البعثي؛ وينعم فيها الجندي
العراقي بمعاملة كريمة من قبل رئيسه
ولا يُعاقب بقطع أذنيه كما كان يحدث في
العهد الصدامي. ملخص القول، إن
الباحثين أشادوا بسلطة الاحتلال،
متوقعين لها أن يشار إليها بالبنان في
يوم من الأيام من قبل العراقيين الذين
سيقولون وقتها: "لقد كان لسلطة
الاحتلال بعض الفوائد الجليلة، فقد
شيدت الهياكل الأمنية من مؤسسات وقوات..
وكذلك الهياكل السياسية".
عدم سهولة
استدراك الشعب العراقي
ترفض
"كروكير" ما يُفترض حول إمكانية
كسب الولايات المتحدة الحرب النفسية
بالعراق، قائلة بأن الشعب العراقي لا
يسهل استدراكه أو اللعب على أوتاره
النفسية. فعلى حسب رأيها، يعتبر
العراقيون جمهورا إعلاميا محنكا
وفطنا، يعلم جيدا من أية جهة تأتيه
المادة الإعلامية. فهم حينما يشاهدون
الفضائيات، يشاهدونها بعين المدرك
الواعي. وهم حينما يتابعون قناة فضائية
ممولة من قبل إيران، يتابعونها بحذر
وترقب؛ وكذلك بالنسبة لقناة "الحرة"
التي يعلمون جيدا أنها ممولة أمريكيا.
خطورة
اعتماد الفصائل العراقية على
الميليشيات
آخر
ما حذر منه الباحثون هو استفحال ظاهرة
الاعتماد على الميليشيات؛ حيث أنه
كلما زادت قناعة العراقيين بوجوب
الاعتماد على ميليشياتهم، زادت
قناعتهم -على الناحية الأخرى- بعدم
جدوى عملية إعادة الإعمار؛ وهو منحنى
خطير، ونذير شؤم على المستقبل العراقي.
ولتفادي مثل هذا "الشؤم"، نادى
"بولاك" في نهاية الجلسة بضرورة
وحتمية إدراج "البشمرجة" الكردية
في صفوف الجيش العراقي؛ فالأكراد لن
يرضوا بأقل من ذلك. وإن لم يتم احتواؤهم
في قلب صفوف الجيش العراقي، فسيصيرون
نارا مدمرة على العراق ومستقبله. وكان
نداء "بولاك" مشابها لنداء "خليل"
الذي حذر -كما ذكرنا سالفا- من خطورة
اندلاع الميليشيات الشيعية، أو
بالتحديد "فيالق بدر".
وأكثر
مما لفت الانتباه في تلك التساؤلات
التي أقدم عليها الحاضرون، استفسار
أحدهم عن شرعية الحرب الأمريكية على
العراق؛ حيث كان الملاحظ هو تجاهل هذا
التساؤل والتهرب منه من قبل منسق
الجلسة، ولم يرد عليه الباحثون؛ وهو
أمر يدعو بالتأكيد إلى التأمل والتدبر.
|