إن
تأييد كفاح الشعب العراقي لنيل حريته
الحقيقية التي يستطيع بمقتضاها
استرجاع سيادته على أراضيه، وإقامة
حكومة وطنية معبرة عن اختياره
وإرادته، لمن الأولويات القصوى التي
يجب على الحركة العالمية لمناهضة
الحرب والعولمة تبنيها ومتابعتها بحزم
وجدية.
وكذلك،
فإن العمل على إنهاء الاحتلال
الإسرائيلي لفلسطين ليس إلا أولوية
ثانية تقف على نفس مستوى الأولوية
العراقية. ولكن في ظل هيمنة اليمين
الأمريكي، وفي ظل هذه الأزمة العالمية
التي تسببت فيها الإدارة الأمريكية...
ماذا يمكن لتلك الحركة أن تفعله لكي
تحقق هاتين الأولويتين؟ وللرد على هذا
التساؤل، فإننا نقول بأن الحركة
مطالبة وملزمة بأربعة أمور لتأييد
هذين الحقين –الفلسطيني والعراقي- في
ظل التحديات الأمريكية الراهنة:
أولاً:
خروج الحركة من "التلقائية" إلى
"العالمية":
إن
الحركة مطالبة بالارتقاء من مستوى
التلقائية والعفوية إلى مستوى جديد من
التنسيق والتنظيم عبر الحدود، مستوى
يرتقي على مجرد الاحتفال بذكرى
المظاهرة العالمية ضد حرب العراق التي
حدثت في فبراير 2003.
إن
التأثير الجمعي والشعبي لن يحدث بدون
الرجوع إلى ذكرى "فيتنام"،
واستلهام العبر والدروس من فحواها. ففي
الفترة ما بين عامي 1968 و1972 اندلعت
احتجاجات عالمية تندد بالحرب
الأمريكية ضد "فيتنام"؛ لقد خرج
ملايين البشر إلى الشوارع، وظلوا على
حالة مستمرة وثابتة من الفعالية
والنشاط. ولا
نعني هنا التنسيق العالمي على مستوى
المظاهرات فقط، بل أيضا على مستوى
العصيان المدني، وعلى مستوى "الميديا"
العالمية، وعلى مستوى التثقيف
السياسي، وعلى مستوى الاجتماعات
اليومية للمسئولين والرسميين.
ثانيا:
إدخال تكتيكات احتجاجية جديدة
لا
بد من إدراج تكتيكات جديدة مثل
المقاطعة والمعاقبة الاقتصادية.
فمقاطعة الشركات الأمريكية التي
تستفيد مباشرة من حرب العراق، بات أمرا
واجبا. وقد اقترحت "أروندهاتي روي"
-المناهضة الهندية للحرب والعولمة–
إفلاس الشركتين الأمريكيتين "هاليبورتون"
و"بيكتل" عبر تحريك عالمي لجميع
الشعوب، ودفعها إلى مقاطعة منتجات
هاتين الشركتين في كل دول العالم. ونحن
نقول، إنه قد حان الوقت لكي نأخذ هذا
الكلام مأخذ الجدية، وليس فقط على
مستوى الشركات الأمريكية، بل أيضا على
مستوى الشركات الإسرائيلية.
تكتيك
آخر لا بد من الحث عليه، وهو رفع قدر
القابلية لممارسة الضغوط الموجعة.
فعلى الشعوب المناهضة للحرب والعولمة
أن تتدرب على اكتساب هذه القابلية،
وعلى تنميتها وتطويرها، مع الإكثار من
أعمال العصيان للحرب والعولمة؛ وأن
تتدرب على اكتساب هذه القابلية، وعلى
تنميتها وتطويرها، مع الإكثار من
أعمال العصيان المدني، وكذلك من أعمال
زعزعة الشركات الموالية للاحتلال
الأمريكي، كما قلنا من قبل. لا بد أن
نعلن لواشنطن وحلفائها بأن اقتصادكم
لن يدوم، ما دمتم مصرين على استمرار
الحرب.
وإن
الجدل السائر حاليا في بريطانيا حول
الوسيلة الأجدى والأنجع لمناهضة الحرب
الدائرة في العراق – هل هي المظاهرات
السلمية أم العصيان المدني– إنما هو
جدل يتسم بالغباء الشديد؛ إذ إن
الوسيلتين تعتبران في منتهى الأهمية؛
ولا يمكن الاستغناء عن إحداهما؛ بل لا
بد من الجمع بينهما في ظل أطر جديدة
ومبتكرة.
فعلى
سبيل المثال، يمكن للنشطاء في
الولايات المتحدة أن يعلنوا عصيانهم
للحرب الظالمة في العراق، مستندين على
العرف الأمريكي الذي يبيح إعلان
المعصية المدنية للقوانين غير
العادلة؛ والذي استخدم من قبل "هنري
ديفيد ثورو" و"الإخوة بيريجان"
المعروفين بوقوفهم ضد استعباد الزنوج
الأمريكيين. إن هذا النوع من المقاومة
يمكن أن يصير ذا أثر فعال ليس فقط على
وقف البطش الإمبريالي الأمريكي، وإنما
أيضا على وقف الاضطهادات التي تكتوي
بنيرانها –حاليا– كل من الديمقراطية
والليبرالية الأمريكيتين.
ثالثا:
تفعيل الشعبين الإيطالي والبريطاني
من
المعروف أن كلا من إيطاليا وبريطانيا
عاونا وأيدا سياسة بوش الحربية خارج
الولايات المتحدة. بل كان الدعم
الأساسي منهما؛ ومن ثم، كان بوش دائما
يلجأ إليهما، ملتمسا منهما إضفاء
الشرعية على مواقفه وسياساته في حربه
على الإرهاب.
والحقيقة
الأولى أن ما يحدث في إيطاليا يؤثر
بدوره على ما يحدث في بريطانيا.
أما
الحقيقة الثانية فهي أن كلا من البلدين
يحتوي على غالبية عظمى مناهضة للحرب،
هذه الغالبية يجب أن تستفيد منها حركة
مناهضة الحرب والعولمة؛ يجب أن تستفيد
منها أقصى وأكبر استفادة؛ وذلك عبر
تحويلها إلى قوى قادرة على إحداث
اضطرابات ملموسة في مجالي الاقتصاد
والتجارة؛ الأمر الذي سيؤدي إلى تكبيل
الدول الأمريكية والإيطالية
والبريطانية بخسائر فادحة.
ويجب
ألا ننسى حقيقة ثالثة، وهي اعتياد هذين
الشعبين بالذات على المظاهرات
والعصيان المدني في نفس الوقت؛ ومن ثم
قدرتهما على إلحاق أضرار بالغة السوء
بحكومتيهما، عقابا لهما على تأييدهما
للحرب الأمريكية على العراق.
ملخص
القول:
لا
بد من تأجيج حماسة هذين الشعبين
وغيرهما من الشعوب، ومطالبتهم جميعا
بالوقوف على خط النار عبر مقاومتهم
المدنية.. لا
بد من إنهاض معنوياتهم مرة أخرى، خاصة
بعد خمودها منذ حرب العراق؛ حيث كان
سبب خمودها هو إحساسهم بعدم جدوى
تحركاتهم التي لم تنجح في منع بوش من
احتلال العراق في 19 مارس 2003. ولذا وجدنا
التباين الملحوظ بين عدد المتظاهرين
قبل الحرب، وعدد المتظاهرين بعد الحرب.
رابعا:
توثيق العلاقات بين العالم العربي
وبين الحركة
بما
أن الشرق الأوسط سيصير هو المسرح
الأساسي للحروب العالمية في ظل العقود
القادمة، فإنه من الملزم ومن الواجب
خلق العلاقات وتفعيلها بين حركة
مناهضة الحرب والعولمة وبين العالم
العربي. وأقصد هنا المجتمعات المدنية
العربية، وليس الحكومات. فمن المعروف،
أن حكومات الشرق الأوسط تصاب بالشلل
وبعدم الفاعلية عندما يطلب منها اتخاذ
موقف تجاه الولايات المتحدة.
ومن
ثم، فإن حركات المجتمع المدني العربي
هي الأقدر هنا في اتخاذ الخطوات
الجادة؛ وهي في أشد الحاجة لأخذ هذه
الخطوات بعد وصفها بالإرهاب من قبل
الولايات المتحدة وبعض الحكومات
الأوربية. فقد
أدى هذا الوصف إلى إخمادها وتشويه
صورتها؛ إلا أن محاولة ربطها بالحركة
العالمية سوف يعيد لها حيويتها
وانتعاشها. ومن أجل تفعيل هذا الربط لا
بد من محو جميع المفاهيم الإرهابية
التي تفرضها علينا الإدارة الأمريكية.
وكذلك
على الحركات الفلسطينية والحركات
الإسرائيلية المناهضة للصهيونية أن
تمد يد التعاون والتضامن مع الحركة
العالمية لمناهضة العولمة والحرب،
وعليها إيجاد الوسائل والطرق الفعالة
لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي، بعيدا عن
التعقيدات والمواصفات الرسمية.. إنها
عملية جمع البشر سويا، مع بعضهم البعض،
بغض النظر عن المواقف السياسية التي قد
تبدو غير متجانسة.
وقد
تجسد ذلك فعليا في بيروت -سبتمبر 2004-
حيث تم حشد كل الحركات الاجتماعية من
مختلف دول العالم العربي لتلتقي
بممثلي الحركة العالمية لمناهضة الحرب
والعولمة.
وختاما..
فكما يبدو أمامنا، يقدم الرئيس
الأمريكي بوش على مواصلة أجندته
العالمية المهيمنة. ولا سبيل لنا
لمواجهة مثل هذه الأجندة العالمية إلا
بأجندة عالمية مثلها أكثر فعالية، وهي
المقاومة العالمية أو الكونية.
ففي
النهاية، قد يوجد أمر واحد أو وحيد
يستطيع إغاظة الإمبراطورية
الأمريكية، وإجهاض أهدافها في العراق
وفي فلسطين، بل في كل مكان؛ هذا الأمر
هو: تعاون وتضامن وتوحد الشعوب مع
بعضها البعض على مستوى الفعل أي القدرة
على إلحاق كل الأذى وكل الضرر بالقوى
المهيمنة الظالمة.
إن
تحقيق مثل هذا التضامن على أرض الواقع،
وإنجاحه في وجه الغطرسة الأمريكية لهو
التحدي الذي نحن بصدده الآن.
تابع محاور الملف:
اقرأ
أيضًا:
*
أستاذ
علم الاجتماع بجامعة الفلبين ورئيس
حركة "التركيز على الجنوب المتعولم"
**
باحثة
دكتوراه بكلية الاقتصاد والعلوم
السياسية بجامعة القاهرة