لبنان
مساء اليوم 28/2/2005 عاش لحظات لها ما
بعدها.. استقالت حكومة عمر كرامي دون
تصويت في البرلمان يحجب الثقة عنها..
فقد تكفلت جموع المعارضين المحتشدة في
"ساحة النجمة" -حيث مقر البرلمان-
و"ساحة الشهداء" -حيث جحافل
المعارضين- بما كان سيعجز عنه النواب
المعارضون، من حيث إنهم أقلية.
التطورات
المفاجئة والمتلاحقة في بيروت تقدم
مشهدا نقيضا لجلسة مجلس النواب
اللبناني منذ أقل من ستة أشهر(سبتمبر
2004).. آنذاك جرى في لمحة بصر تعديل
الدستور للتمديد لرئيس الدولة أميل
لحود بعد ولايته الثانية. وشتان بين
اللحظتين؛ فسوريا الحاضرة بوضوح في
الشأن الداخلي اللبناني سبتمبر 2004 غير
سوريا التي تقول بملء الفم الآن "إن
استقالة حكومة كرامي شأن داخلي". لكن
الكلمات القادمة من دمشق لا شك أنها
تبدو غير مسموعة لحشود المعارضين
الذين أحاطوا البرلمان.
لا
أحد بإمكانه أن يرسم بيقين ما الذي جعل
كرامي يتحول بشكل "درامي" خلال
ساعات بين الجلستين الصباحية
والمسائية في يوم واحد. فيعلن في بداية
المسائية استقالته، بينما كان قبل
سويعات يتصرف -في "الصباحية"- على
أنه باق هو وحكومته.
السيناريو
"البرتقالي"
لكن
الأهم من ذلك هو التساؤلات التي تطرحها
التطورات الجارية في بيروت على مستقبل
لبنان والمنطقة.
وباختصار..
فإن سيناريو "الثورة البرتقالية"
في أوكرانيا بدا حاضرا في "ساحة
الشهداء" حينما ألقى أكثر من متحدث -في
الجموع المنتشية باستقالة الحكومة-
دعوة مفتوحة للبقاء في الشوارع حتى "رحيل
السوريين". ولم لا، وقد تمكنت
المعارضة من تحقيق مكسبين في يوم واحد:
النجاح في تحدي بيان وزارة الداخلية
بحظر التظاهر.. والإطاحة بالحكومة.
إلا
أن سيناريو شبيها بالثورة البرتقالية -الذي
شجعته واشنطن في غير بلد وليس أوكرانيا
فقط- لن يكون مأمونا في لبنان. ولا يضمن
للمعارضة المضي في طريقها إلى النهاية.
فالقوى المسماة بـ"الموالاة"
لها جماهيرها التي يمكنها الخروج إلى
الشارع أيضا.. ولكل منها قاعدته
الطائفية القادرة على الحشد والتعبئة.
وبالأمس كان التنبيه بحظر المظاهرات
مقترنا بالتحذير من صدام بين
المتظاهرين الموالين والمعارضين، وقد
تحركت بالفعل بعض المظاهرات تجوب
شوارع مدينة طرابلس شمال بيروت،
احتجاجا على استقالة حكومة عمر كرامي
بما ينذر بمواجهات بين فريقين يحاول
الجميع تحاشيها.
وقد
يجري الضغط على كرامي للاستمرار في
حكومة تسيير أعمال لبعض الوقت، إلا أن
الفراغ الدستوري الذي نشأ اليوم له
وطأة كبرى في بلد كـ لبنان. وحيث
تظل "ترويكا" السلطة مشدودة إلى
عرف حديدي يخص السنة بمنصب رئيس
الوزراء (للمورانه رئاسة الجمهورية.. و
الشيعة رئاسة البرلمان ). والمعضلة
الأكبر الآن في العثور على شخصية سنية
مؤهلة سياسيا تقبل شغل هذا الفراغ،
بعدما اغتيل الحريري وبعد استقالة
كرامي. وفي ظل "المشاعر الجريحة
للسنة"، والتي كان المفتي "قبلان"
قد عبر عنها فور اغتيال رئيس الوزراء
السابق.
أمام
طريقان
أمام
ذلك يبدو أن أمام لبنان طريقين شاءت
المصادفة أن تعبر عنهما أبرز صحيفتين
لبنانيتين يوم استقالة الحكومة:
-
الأول.. أن يفضي ما حدث في البرلمان
وساحة الشهداء إلى فراغ دستوري. وعلى
خلفية طائفية واستقطاب إقليمي دولي
إلى انقسامات في أجهزة الأمن، وكما
ألمح "غسان تويني" في صحيفة "النهار"
إلى مخاطر انقسام في الجيش إذا تم قمع
المتظاهرين المعارضين.
-
الثاني.. أن يمسك الحكماء من مختلف
القوى السياسية اللبنانية باللحظة
ويتمكنوا من التوافق على "حكومة
انتقالية " تقود البلاد إلى
انتخابات برلمانية وبقانون انتخابي
يحظى برضا كافة الفرقاء، وترتب لإعادة
صياغة العلاقة مع سوريا، وتطمئن هواجس
"المقاومة اللبنانية" وتحديدا
"حزب الله" من سيناريو المؤامرة
الأمريكية الإسرائيلية، وبالتالي
تمنع وقوع لبنان تحت "وصاية"
واشنطن وتل أبيب بديلا عما يصرخ به
المعارضون عن "وصاية سوريا".
ولعل
طلال سلمان في صحيفة "السفير" قد
عبر عن هذه الهواجس قائلا: "إن
ذكريات اللبنانيين عن التدخل الدولي
في شئونهم الداخلية، ومن بينها
العلاقات مع سوريا (أو حتى مع
الفلسطينيين) سوداء وفي غاية المرارة.
وهم لا يريدون "الانتداب الأمريكي"
بديلاً عن "التدخل السوري" في
الشئون الداخلية لبلدهم".
لكن
الوصول إلى صيغة توافق بين اللبنانيين
حول مثل هذا السيناريو لن يكون سهلا.
فهناك أطراف في المعارضة ستصر على
زيادة جرعة التدخل الدولي (أي الأمريكي)
ليرعى الإشراف على جلاء سوريا ويشرف
على الانتخابات اللبنانية، وهو ما عبر
عنه "تويني" في "النهار".
ولعل
مفارقة الأزمة اللبنانية أن مسألة
الوجود السوري لم تعد المسألة الوحيدة
المطروحة على الأجندة.. فقد بات معالجة
"الفراغ الدستوري" مسألة ذات
أولوية. وهو أمر سيصبح أيضا محل شد وجذب
بين القوى الإقليمية الدولية. وهنا
ستتباين الأولويات بين من يضع
الانسحاب السوري أولا.. وبين من يربطه
بإعادة الاستقرار إلى الأوضاع
الدستورية في بيروت.
ولا
أحد يعرف الآن هل تكون استقالة عمر
كرامي فرصة أمام دمشق لالتقاط الأنفاس
من حيث لم يقصد معارضوها في بيروت،
وخشية أن ينفجر الوضع في لبنان على نحو
يضر بأمن الجميع بما في ذلك خصوم سوريا
إقليميا ودوليا.. أم أن الضغوط سوف
تتزايد على دمشق.
اقرأ
أيضًا: