|
"سهل البقاع".. خيار سوري لن يكون كافيا
|
|
عبد الرحيم علي**
|
26/02/2005
|
|

|
|
طوائف لبنانية عدة شاركت في مظاهرات ضد سوريا بعد اغتيال الحريري
|
بعد
اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الراحل
رفيق الحريري وتصاعد مطالب المعارضة
اللبنانية (موارنة ودروزا وسنة) والقوى
الغربية العظمى بإنهاء الوجود السوري
في لبنان، تبنت القيادة السورية خيار
الدخول في مباحثات مكثفة مع عدد من
المسئولين بالدول العربية وعدد محدود
من قادة المعارضة اللبنانية من أجل
التوصل إلى اتفاق "مشرف" للأزمة
الراهنة تقبله جميع الأطراف المعنية،
تتمثل المرحلة الأولى منه، كما تكشف
مؤخرا، في تمركز كل القوات السورية
المتواجدة في لبنان في منطقة سهل
البقاع، ويمكن أن يمهد في مرحلة لاحقة،
غير واضحة المعالم بعد، لانسحاب سوري
من لبنان، غير أن هذا السيناريو السوري
لمعالجة الأزمة من المرجح، كما سنبين
لاحقا في هذا المقال، أنه لن يكون
كافيا في نظر القوى اللبنانية
والغربية التي تطالب بانسحاب سوري
كامل من لبنان وفي الحال كما يقضي قرار
مجلس الأمن 1559.
المعلومات
تؤكد أن السوريين يسعون إلى تبني جدول
زمني لهذا التمركز (لن تكشف عنه دمشق
لاعتبارات عسكرية، كما أنه سيكون
قابلا للتغيير بحسب التطورات السياسية)،
على أن تتخذ عملية إعادة الانتشار
الجديدة من اتفاقية الطائف مرجعية
أساسية له.
ولعل
ما يؤشر على أن هذا الجدول الزمني لن
يكون ثابتا وسيخضع للاعتبارات
الإستراتيجية السورية، إعلان دمشق أن
انسحابها أو بالأحرى إعادة انتشارها
مجددا في لبنان، على أساس اتفاق
الطائف، رهن بقدرة الجيش والأمن
اللبنانيين على "سد الفراغ" الذي
ستتركه القوات السورية، كما قال يوم
الخميس 24-2-2005 نائب وزير الخارجية
السوري للشئون اللبنانية "وليد
المعلم".
وتبع
ذلك تصريحات نشرتها صحيفتان تركيتان
السبت 26-2-2005 للرئيس السوري بشار الأسد
ألمح فيها إلى أن بلاده لا تزال تصر على
عدم تنفيذ قرار مجلس الأمن 1559 إلا من
خلال اتفاق الطائف وعلى إعادة
الانتشار في لبنان حسب رؤيتها.
وينص
اتفاق الطائف على البدء في سحب القوات
السورية من بيروت وضواحيها، وإعادة
نشرها في سهل البقاع بحلول عام 1992، لكن
البدء في تطبيق الاتفاق تأخر حتى يونيو
2001، حين سحبت سوريا نحو سهل البقاع
معظم قواتها المتمركزة في بيروت
وضواحيها إثر الانسحاب الإسرائيلي من
جنوب لبنان في مايو 2000. كما نفذت دمشق
بعد هذا التاريخ أكثر من عملية انسحاب
محدودة من لبنان. ولم يحدد اتفاق
الطائف موعدا نهائيا لمغادرة القوات
السورية الأراضي اللبنانية وترك هذا
الأمر لتوافق لبناني سوري.
وتتمسك
سوريا بهذا الاتفاق؛ لأنه يسمح
لقواتها بالتواجد على الحدود
اللبنانية حتى تسوية الصراع العربي
الإسرائيلي بشكل كامل، وفق ما أعلنه
مسئولوها أكثر من مرة.
سهل
البقاع.. أهمية إستراتيجية بالغة
ولكن
لماذا تتمسك سوريا -حتى في هذه المرحلة
التي تتصاعد فيها الضغوط عليها لحملها
على الانسحاب من لبنان- بعدم الانسحاب
من سهل البقاع؟ يرجع ذلك إلى عوامل
عديدة لعل أهمها أن منطقة البقاع
اللبناني (غرب الحدود السورية) شكلت
ولا تزال الخاصرة الضعيفة التي يتسلل
منها العدوان الإسرائيلي في كل مرة إلى
العمق السوري.
فخلال
كل الحروب التي جرت بين العرب وإسرائيل
(وخاصة حربي 1967، و1973) استخدمت إسرائيل
لغزو الأراضي السورية خطين أساسين؛
الأول، التسلل عبر منطقتي العرقوب
والبقاع اللبنانيتين، والثاني الخط
البحري عبر البحر المتوسط.
وقد
ظل هذا الوضع يشكل تحديا كبيرا
لإستراتيجية الردع السورية خاصة إذا
أخذنا في الاعتبار مساحة الحريات التي
كانت وما زالت تتمتع بها لبنان؛ ما
يجعلها مسرحا مهيأ للعديد من أجهزة
التخابر المعادية لسوريا والعرب بشكل
عام سواء على الصعيد الدولي أو
الإقليمي.
ولعل
بيان الخلفية التاريخية لهذه
الإستراتيجية يفسر أكثر دوافع تمسك
سوريا بها. فقد نجحت سوريا إبان إعلان
الميثاق الوطني اللبناني عام 1943 (استقلال
لبنان النهائي عن الحكم الفرنسي وسط
تطلعات سورية لم يكتب لها النجاح بضم
لبنان لسوريا) أن تضمن هذا الميثاق نصا
تتعهد بموجبه السلطات اللبنانية ألا
تستخدم أراضيها مقرا أو ممرا لأعداء
سوريا.
وظلت
العلاقات السورية اللبنانية تسير وفق
هذا الميثاق حتى عام 1958 عندما انفجر
الوضع الداخلي في لبنان بين المسلمين (سنة
وشيعة ودروزا) وبين المسيحيين (المورانة)،
على إثر محاولة الرئيس الماروني كميل
شمعون الدخول في تحالف مع الغرب، بعد
فشل العدوان الثلاثي على مصر عام 1956.
ولم
تنته تلك الأزمة إلا عقب توصل الرئيس
المصري جمال عبد الناصر لتفاهمات مع
القادة اللبنانيين رحل على إثرها
شمعون وحل محله الرئيس فؤاد شهاب، وقد
توصل عبد الناصر مع شهاب (في اجتماع جرى
بين الجانبين على نقطة بالحدود
السورية اللبنانية) إلى اتفاق نص على
حرية لبنان الكاملة كدولة مستقلة فيما
يتعلق بسياستها الداخلية، أما فيما
يتعلق بالسياسة الخارجية فلا يجوز
للسلطة اللبنانية اتخاذ قرار إلا بعد
التنسيق المسبق مع سلطات الجمهورية
العربية المتحدة (التي كانت تضم وقتها
مصر وسوريا).
واستقرت
العلاقات بين البلدين (لبنان وسوريا)
منذ هذا التاريخ وفق تلك التفاهمات حتى
انفجرت الحرب الأهلية عام 1975.
ففي
هذا العام تسبب وجود المقاومة
الفلسطينية في لبنان ورفض المارونيين
لهذا الوجود (الذي كانوا يعتبرونه
احتلالا لدولتهم) إلى نشوب حرب أهلية
كبرى بين حلفين؛ الأول ضم "الكتائب
وحزب الأحرار ورئاسة أركان الجيش"،
والثاني ضم "الحركة الوطنية
اللبنانية المتحالفة آنذاك مع
المقاومة الفلسطينية"؛ الأمر الذي
دفع بالرئيس سليمان فرنجية أن يطلب من
سوريا التدخل لوقف الحرب.
وقد
دخلت القوات السورية إبانها إلى لبنان
بدعم ومساندة عربية من خلال مؤتمر
القمة العربي الذي عقد في عام 1976 وأصدر
قرارا بالإجماع يقضي بإرسال قوات ردع
عربية إلى لبنان (بهدف إنهاء الحرب
الأهلية هناك)، تشكل القوات السورية
العماد الرئيسي لها.
وفي
سنوات قليلة، سرعان ما خرجت القوات
العربية الواحدة تلو الأخرى تاركة
القوات السورية وحدها لحماية السلام
بين الفرقاء المتصارعين.
وبينما
كان يفكر البعض في استصدار قرار عربي
يقضي بخروج القوات السورية شهدت لبنان
تطورا آخر دفع في اتجاه بقاء تلك
القوات وسط دعم عربي كامل؛ ففي عام 1978
اجتاحت القوات الإسرائيلية جنوب لبنان
وقامت باحتلاله احتجاجا على ما وصفته (استغلال
المقاومة الفلسطينية لهذه المنطقة في
توجيه ضربات لشمال إسرائيل).
وقد
ظل هذا الوضع قائما حتى قامت إسرائيل
باجتياح كل لبنان (من الناقورة جنوبا
حتى العاصمة بيروت شمالا) عام 1982، ولم
تخرج منها إلا بعد تفاهمات دولية خرج
بمقتضاها في المقابل ياسر عرفات
ورجاله من المقاومة الفلسطينية بشكل
كامل من لبنان. ونتيجة لهذا الموقف
عادت القوى الوطنية اللبنانية للتمسك
ببقاء القوات السورية من أجل دحر
العدوان الإسرائيلي.
اتفاق
الطائف
وفي
عام 1989 شهدت الساحة اللبنانية متغيرا
آخر فقد انعقد مؤتمر الطائف بالسعودية
(بهدف التوصل لصيغة جديدة لإدارة
العلاقات الداخلية اللبنانية بين كافة
الطوائف على أسس جديدة)، وكان من بين ما
توصل إليه المجتمعون في الطائف بند ينص
على ضرورة إيجاد آلية لإعادة انتشار
القوات السورية تنتهي بتجميعها بشكل
كامل في منطقة البقاع.
وظل
هذا الوضع قائما حتى خروج الجيش
الإسرائيلي من جنوب لبنان في مايو 2000
تحت الضربات الموجعة للمقاومة
اللبنانية؛ الأمر الذي دفع بقضية
الوجود السوري إلى الواجهة مرة أخرى.
وبين
شد وجذب ظلت المعارضة اللبنانية
للوجود السوري تطالب على استحياء
بخروج القوات السورية تحت سقف اتفاق
الطائف حتى صدر القرار الدولي رقم 1559
في سبتمبر 2004 الذي يعتبر ضمنا تمركز
القوات السورية في سهل البقاع غير كاف.
ومنذ ذلك الحين استمر الضغط الدولي على
سوريا من أجل الخروج من لبنان يتصاعد
حتى جاءت حادثة مقتل الحريري لتزيد من
هذه الضغوط بشكل أكثر حدة.
وإذا
كانت سوريا قد كشفت بعد مرور أكثر من
أسبوع على اغتيال الحريري عن
إستراتيجيتها للتعامل مع الأزمة (الشروع
في تجميع قواتها في سهل البقاع دون
إعلان جدول زمني واضح لذلك وتنفيذ
القرار 1559 من خلال اتفاق الطائف)، فإن
ذلك التوجه لن يكون كافيا على ما يبدو
لوقف مطالبات المعارضة اللبنانية من
جهة والضغوط الغربية وفي مقدمتها
الضغوط الأمريكية. ويرجع ذلك لعدة
أسباب في مقدمتها:
-
أن القوات السورية منذ انسحاب إسرائيل
من جنوب لبنان، قبل نحو 5 سنوات، قامت
بأكثر عملية إعادة انتشار لقواتها
بحيث أصبحت معظم هذه القوات (14 ألفا
إجمالا) متمركزة بالفعل في الوقت
الراهن في منطقة سهل البقاع؛ ما يعطي
لهذه الخطوة بعدا محدودا وإن كان لا
يخلو من المغزى "خلو منطقة بيروت
رسميا من أي جندي سوري".
-
هذه الخطوة لن تلبي مطالب المعارضة
اللبنانية وسيكون من الصعب على الصعيد
الدولي اعتبارها تطبيقا كاملا للقرار
1559، وإن كان يمكن للولايات المتحدة لو
أرادت، أن تنظر إليها "كخطوة أولى".
ولعل ردود فعل المعارضة اللبنانية على
تصريح وليد المعلم كانت مؤشرا على ذلك،
إذ بادر في اليومين الماضيين عدد من
قادة المعارضة للتشكيك في جدوى
الخطوات السورية الجديدة، وطالبوا "بانسحاب
سوري كامل يشمل تفكيك التواجد
المخابراتي" السوري المكثف في
لبنان، والذي اتهمته بعض دوائر
المعارضة صراحة أو تلميحا بالوقوف
وراء اغتيال الحريري وبالتورط في
السابق في عمليات تصفية لزعماء
لبنانيين معارضين لدمشق.
وقال
وليد جنبلاط زعيم الحزب الديمقراطي
الاشتراكي لصحيفة "الأهرام"
القاهرية الصادرة السبت 26-2-2005: إن
عملية إعادة الانتشار التي أعلنت
سوريا عنها "لا تلبي مطالب الشعب
اللبناني؛ لأنها لا تشمل مكاتب
المخابرات المنتشرة في المدن
اللبنانية، وهي المكاتب التي تتدخل في
كل صغيرة وكبيرة".
سيناريوهات
ثلاثة
وفي
ضوء هذه التطورات الأخيرة، يبقى الوضع
القائم مرهونا بسيناريوهات ثلاثة
رئيسية:
-
السيناريو الأول أن تنجح الوساطة
العربية الجارية في تهيئة المناخ
لمؤتمر لبناني سوري أو ما يمكن أن يطلق
عليه "مؤتمر الطائف– 2"، يشارك
فيه عدد من القادة العرب بهدف إخراج
الأزمة بشكل لا يحمل أي أضرار لسوريا،
على أن تقوم السلطات السورية بتنفيذ
اتفاق الطائف وسحب قواتها إلى منطقة
البقاع اللبنانية، كمرحلة أولى تمهيدا
لانسحابها من لبنان. ولعل هذا
السيناريو ينسجم مع الطرح السوري
لمعالجة الأزمة، كما أنه يمكن يشكل
لدمشق "غطاء عربيا" هي في أمس
الحاجة إليه لمواجهة الضغوط الدولية.
-
السيناريو الثاني أن تنجح المعارضة
اللبنانية في سحب الثقة من الحكومة (وهو
أمر صعب نتيجة لتمتع الموالاة – القوى
المؤيدة لسوريا - بأغلبية في المجلس
النيابي)؛ الأمر الذي قد يدفع في اتجاه
اتخاذ الحكومة اللبنانية الجديدة
لقرار يدعو القوات السورية إلى الخروج
من لبنان بشكل كامل وتدخل الأزمة
بالتالي في منطقة أعمق.
-
السيناريو الثالث ألا تتجاوب سوريا مع
الجهود التي تبذل لتجاوز الأزمة
وتتمسك بخيارها الإستراتيجي (لا خروج
من لبنان إلا بعد تسوية الصراع العربي
الصهيوني كاملا) وألا تعتبر الولايات
المتحدة إعادة تمركز قواتها في سهل
البقاع تنفيذا كاملا للقرار 1559؛ ما قد
يؤدي، وانطلاقا من أرضية القرار 1559،
إلى تدخل دولي عسكري تقوده فرنسا
والولايات المتحدة؛ الأمر الذي يدفع
بالمنطقة إلى أتون فوضى ستتسبب لا
محالة في إشكالات ضخمة بالمنطقة ككل.
اقرأ
ايضا:
بعد
الحريري.. هل يعود لبنان مسرحا لحروب
الآخرين؟
صدمة
لبنان
** مراسل
الشئون العربية بـ"إسلام أون لاين.نت".
|