|
آثار
العولمة
|
|
قراءة وترجمة: شيرين حامد فهمي**
|
14/02/2005
|
تمثل
العولمة اتجاها متضخما (mega-trend)، يملي
قوته في كل مكان على وجه الأرض؛ ومن ثم،
فإنه من المنتظر أن يصير لمثل هذا
الاتجاه تأثير جبار على جميع
الاتجاهات الرئيسية الأخرى التي ستكون
-في عام 2020- قد تشكلت وتأطرت وفق
النموذج العولمي.
وبالرغم
من تنبؤ المجلس القومي بهيمنة العولمة
وبتلون العالم بها عبر الخمسة عشر عاما
القادمة، فإنه يشكك في استمراريتها أو
بقائها بنفس قوتها التي هي عليها الآن.
فبقاء بعض عناصر العولمة متوهجة -مثل
الثورة المعلوماتية التي لا يمكن لها
أن تنحسر أو تنطفئ- لا يعني أبدا بقاء
بقية العناصر على نفس درجة التوهج.
فليس ببعيد -بالرغم من صعوبته- أن تبطئ
حركة العولمة من سرعتها؛ بل ليس ببعيد
أن تتوقف تماما عن الحركة؛ بالضبط
مثلما حدث في أواخر القرن التاسع عشر
وبدايات القرن العشرين، حينما تراجع
عصر العولمة بفعل الحرب العالمية
الأولى وبفعل الانتكاسة الاقتصادية
العالمية. هذا بالإضافة إلى إصرار
الحكومات والمجتمعات المدنية على
تغيير أطر العولمة، وإعادة تشكيلها،
ومن ثم عدم إبقائها على حالها.
ازدهار
الاقتصاد العالمي وعدم عالمية المنافع:
يتوقع
المجلس القومي زيادة مهولة وثراء
موسعا في الاقتصاد العالمي. "في عام
2020، يفترض أن يكون الاقتصاد العالمي قد
ازداد بنسبة 80% عن عام 2000، وأن يكون
معدل دخل الفرد قد ازداد حوالي بنسبة
50%". كما يتوقع اقتطاف معظم دول
العالم من ثمرات هذا الرخاء، على أن
تكون الثمرة الكبرى من حظ القارة
الآسيوية التي سوف تتحكم في أكثر وأسرع
الأسواق انتشارا، والتي سوف تتحكم في
أكبر عدد من المصانع والشركات عبر
القومية؛ هذا إذا ظلت القارة على
تطورها الاقتصادي السريع.
إلا
أن هذا الاقتطاف لن يكون عادلا؛ فالدول
الصاعدة -الصين والهند- سوف تنتهز
وتستغل كل فرصة لكي تثبت من وضعها
المهيمن على المسرح الدولي؛ الأمر
الذي يعني انشغال الدول الصاعدة "المنتصرة"
فقط بالحفاظ على هيمنتها الدولية
والعالمية، ومن ثم تجاهل فقرائها
وتجاهل جيوبهم الفارغة... والتي ستبقى
فارغة.
ولكن
ماذا عن قوى "العالم الأول" التي
ستصنف ساعتها كقوى قديمة؟ يؤكد المجلس
القومي موضحا، بأن هذه القوى سيظل لها
دور عالمي؛ حتى الولايات المتحدة -التي
سترى تآكل قوتها النسبية- ستظل أكثر
الدول أهمية على جميع المستويات. أما
دول "العالم الثالث"، فستكون
كارهة (أو حاقدة) للصعود الصيني
الهندي، خاصة بعد أن تنحى بعيدا عن
المجالات التي كانت تحتكرها في يوم من
الأيام.
التكنولوجيا
هي المعيار:
من
المتوقع، أن تكون الدول الأكثر
استخداما لأحدث أنواع التكنولوجيا هي
نفسها الدول الأكثر استفادة من خيرات
العولمة. وهذا لا ينطبق على الدول فقط،
بل على القوى الاجتماعية أيضا. كذلك من
المتوقع أن يصير التبادل المتفاعل بين
الدول المتطورة تكنولوجيا والدول
الفقيرة تكنولوجيا -نظرا لطبيعة حركة
العولمة- سبيلا مؤديا إلى تعليم الدول
الفقيرة الوسائل التكنولوجية الناجعة
لمقاومة الأمراض والفقر، مثل
تكنولوجيا الهندسة الوراثية التي تزود
من حجم المحاصيل الزراعية. ولكن بالرغم
من ذلك كله، يؤكد المجلس القومي ثانية
أن الفجوة بين المالكين وغير المالكين
ستبقى على حالها دون أدنى تغير، بل
ستزداد توسعا، إلا إذا قامت الدول
الفقيرة بانتهاج سياسات مؤيدة لتطبيق
التكنولوجيات الجديدة، المتعلقة
بإصلاح كل من السوق والحكم والتعليم
وفقا للنموذج العالمي.
إن
هذه السيولة التكنولوجية -التي
ستحققها العولمة- ستمكن أضعف الدول من
الحصول على التكنولوجيا، واستخدامها
في تطوير ذاتها؛ ولكنها لن تنتهج نفس
المنهاج المتدرج المتأني الذي نهجته
الدول الكبرى في تطوير تكنولوجياتها؛
ومن ثم، سيكون نهج الدول الضعيفة نهجا
عشوائيا، مفتقدا للدراسة والبحث
والتدرج.
عولمة
آسيوية لا أمريكية:
لا
غبار في أن تصير الصين والهند من قادة
الدول التكنولوجية في العالم؛ وأن
تصير الدولتان من أكبر الدول المتخصصة
في التكنولوجيا رفيعة المستوى، التي
من المفترض أن تمثل الثورة
التكنولوجية القادمة، وهي تكنولوجيا
"النانو" أو المنمنمات. ولا غبار
في أنها ستسبق كلا من أوربا والولايات
المتحدة في هذا المجال الدقيق للغاية.
وبالرغم من أن الولايات المتحدة ما
زالت في وضع القائد -على وجه العموم-
فإنها ستكون ملزمة بالمنافسة المستمرة
مع آسيا لتحافظ على ذلك الوضع.
لا
غبار أيضا في أن تصير الشركات عابرة
القارات ذات نكهة آسيوية، بعد أن ظلت
عقودا طويلة ذات نكهة أمريكية. وبالرغم
من بقاء أمريكا الشمالية واليابان
وأوربا على قمة المؤسسات الدولية
السياسية والمالية، فإن العولمة ستأخذ
سمتا غير غربي في غضون الأعوام القادمة.
وستكون الشركات الآسيوية العالمية هي
المحرك الأساسي لنشر التكنولوجيا في
مختلف ربوع العالم، كما ستكون المحرك
الأساسي للدفع بعجلة النماء الاقتصادي
في الدول غير الصناعية.
وأخيرا،
فإنه من المتوقع أن يصير هناك تكالب
شديد على المواد الخام، خاصة النفط.
فالاقتصاد العالمي المتوسع سيلزمه
بالطبع ثروات طبيعية أكثر. فتبعا لبعض
الإحصاءات، ينتظر أن ينمو إجمالي
الطاقة المستهلكة إلى 50% في ظل العقدين
القادمين، مقارنة بـ34% فيما بين 1980 و2000.
فدول مثل الصين والهند -بأعداد سكانها
المتنامية- لا بد أن يزيد احتياجها
للطاقة؛ الأمر الذي سيعني انشغالا
متزايدا من هاتين الدولتين بمصادر
الطاقة؛ وهو ما سيؤثر بقدر كبير على
تشكيل سياساتهما الخارجية. أما
بالنسبة لأوربا، فسيكون تكالبها أكثر
على الغاز الطبيعي؛ وهو ما سيُلزمها
بالدخول في علاقات إقليمية مع كل من
روسيا وشمال إفريقيا لما يتمتعان به من
وفرة هذا النوع من الطاقة. وبالرغم من
هذا التكالب العالمي الشديد على مصادر
الطاقة، فإن الدول المصدرة لتلك
الطاقة لا تتسم بالاستقرار السياسي
والاقتصادي (مثل الشرق الأوسط، وغرب
إفريقيا، وفنزويلا). وهنا يكمن الخطر
الحقيقي؛ حيث سنجد أنفسنا أمام طلب ملح
للطاقة وعجز واضح في الإمداد.
اقرأ
أيضا:
*
إعداد: المجلس القومي للاستخبارات NIC التابع لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية
CIA
**
باحثة دكتوراة بكلية الاقتصاد والعلوم
السياسية بجامعة القاهرة.
|