|
غياب أمريكا الرسمي أعاد المنتدى لأصله الاقتصادي
حديث "الدين" و"الإرهاب" يتوارى في دافوس
|
|
محمد جمال عرفة
** |
09/02/2005
|
|

|
|
رئيس الكنيست السابق أبراهام بورج - يسارا- وياسر عبد ربه القيادي بمنظمة التحرير خلال مشاركتهما بدافوس
|
لأن
الولايات المتحدة غابت عن الدورة رقم 35
الأخيرة لمؤتمر دافوس الذي عُقد في
الفترة ما بين 26 و30 يناير 2005 في سويسرا،
ولم يشارك منها أي مسئول رسمي باستثناء
غير الرسميين؛ فقد ساهم هذا في وقف
عملية "اختطاف" المؤتمر التي قامت
بها إدارة جورج بوش على مدار دوراته
الأربع الماضية عقب تفجيرات 11 سبتمبر
2001 لصالح تنفيذ أهداف سياسية ذات خلفية
دينية، مثل "محاربة الإرهاب"، و"حوار
الحضارات".
ولأنها
غابت، فقد عاد مؤتمر هذا العام إلى
أصله كمنتدى اقتصادي -وهيمنت عليه
أوربا كسابق عهدها- يناقش قضايا العالم
الاقتصادية ومشاكل الفقر والتعاون
الدولي، وهي القضايا التي حددها "جيد
ديفيس" مدير إدارة مركز الآفاق
الإستراتيجية للمنتدى في خمسة محاور:
محاربة الفقر، وتحقيق عولمة تتسم
بمزيد من العدالة، وسبل مواجهة
التغييرات المناخية، وضمان التعليم
الأساسي لجميع سكان العالم، وتحسين
أسلوب إدارة الحكومات الدولية.
وفي
هذا الإطار الاقتصادي، كانت هناك
قضيتان رئيسيتان تمثلتا في التجربة
الاقتصادية لكل من الهند والصين، وفي
المقابل لم تكن هناك ندوات عن الإسلام
أدرجت على جدول الأعمال الرسمي
للمؤتمر، بل كان الحديث عنها في
الندوات المفتوحة التي تكتسب أهمية
أقل.
وربما
لكل هذا تحدث الجميع هذا العام عن "روح
جديدة" لدافوس إزاء المحرومين حول
العالم، والعودة إلى الاهتمام
بالمواضيع التقليدية، السياسية منها
والاقتصادية، وعلى حد تعبير مؤسس
المنتدى ورئيسه كلاوس شواب: "هذه
الانطلاقة الجديدة تمليها أوضاع
العالم، مثل وصول قادة جدد لمناصب
الحكم في العديد من البلدان، وتعيين
إدارة جديدة في الولايات المتحدة
الأمريكية، وتنصيب مفوضية أوربية
جديدة، وحدوث تغييرات مهمة في العديد
من بلدان أوربا الشرقية، وظهور نافذة
جديدة لفرص إحلال السلام في الشرق
الأوسط".
بل
إن صحفا سويسرية لاحظت أن منتدى دافوس
لهذا العام اقترب كثيرا من المنتدى
المضاد له الذي يعقد كل عام في
البرازيل للدول الفقيرة (بورتو أليجري)
بعدما انحاز لمناقشة قضايا الفقراء
وضحايا الكوارث في العالم، وقالت
صحيفة "لا ليبرتي" الإثنين 31
يناير 2005: تطرق المنتدى لمواضيع تُطرح
عامة في المنتدى الاجتماعي العالمي في
بورتو أليجري.
غياب
أمريكا.. خير أم شر؟
ومع
أن غياب واشنطن (الرسمي) هذه المرة عن
المنتدى ربما يمثل مؤشرا خطيرا على مدى
ما وصلت إليه إدارة بوش والخارجية
الأمريكية في عهد الوزيرة كونداليزا
رايس من شعور بالتفرد والهيمنة على
العالم لحد العزوف عن مناقشة قضايا
مهمة تمس العالم كله مع غيرهم (الأوربيين
مثلا) -مثل قضايا جرائم الحرب
والاحتباس الحراري- فهو في الوقت نفسه
قد يكون بادرة جيدة على "عزل" أو
"انعزال" إدارة بوش الحالية
بإرادتها، تمهيدا لإقصائها مستقبلا
طالما اختارت الصدام مع كل العالم لأجل
مصالحها وحدها.
صحيح
أن هناك شخصيات أمريكية رسمية سابقة
شاركت في الدورة 35 لمنتدى دافوس لهذا
العام، مثل بول بريمر الحاكم المدني
للعراق، ووزير العدل الأمريكي جون
أشكروفت، ولكن مشاركة هذه الشخصيات
كانت شبه روتينية، وفي إطار مناقشة
مسائل خاصة بالعراق والبترول وجرائم
الحرب في العالم، وخضعت للجو العام
للمنتدى الاقتصادي، مثل توجيه وزير
العدل الأمريكي جون أشكروفت نداء من أجل
مكافحة الفساد الذي يضرب اقتصاديات
الدول الفقيرة التي تخسر مبلغ 2300 مليار
دولار سنويا من خلال هذه الظاهرة،
كما قال.
وبالمقابل
لوحظ حضور أوربي مكثف تمثل في مشاركة
قادة بارزين، منهم الرئيس الفرنسي جاك
شيراك، والمستشار الألماني جيرهارد
شرودر، ورئيس وزراء بريطانيا توني
بلير في مؤشر على رغبة أوربية في لعب
دور مؤثر في قيادة العالم، وركز بلير
على التغييرات في المناخ وهي قضية تشهد
صداما مع واشنطن المتهمة بزيادة
التلوث البيئي.
بل
إن حلقة نقاشية جرى ترتيبها بين إيران
والولايات المتحدة في المنتدى على
عَشَاء لتشجيع الحوار بين البلدين
خاصة حول الملف النووي الإيراني فشلت
تقريبا، حيث حضرت "معصومة ابتكار"،
نائبة رئيس إيران وزيرة الخارجية
الإيراني، في حين تغيب عنها السيناتور
جوي بيدن عضو لجنة العلاقات الخارجية
بمجلس الشيوخ الأمريكي وحضرها صحفي
أمريكي بصحيفة "واشنطن بوست"،
ربما في مؤشر آخر على عدم رغبة واشنطن
في الحوار واعتماد أساليب أخرى مع
طهران، خصوصا أن النقاش شهد تساؤلات
حول إمكانية أن توجه أمريكا أو إسرائيل
ضربة عسكرية لمنشآت إيران النووية.
غياب
المناقشات الدينية لصالح الاقتصاد
|

|
|
كلاوس شواب مؤسس منتدى دافوس
|
من
الطبيعي والحالة هذه أن تختفي ملفات
سعت واشنطن في منتديات سابقة لإعلاء
شأنها في المناقشات ويقل الحديث عنها -رغم
مشاركة علماء مسلمين (الشيخ فوزي
الزفزاف رئيس لجنة حوار الأديان
بالأزهر) ورجال دين مسيحيين ويهود-
وعلى رأسها قضايا، مثل: الدين
والإرهاب، وحوار الأديان الذي كانت
واشنطن تسعى في دورات سابقة لمناقشته
بهدف معرفة أسباب مهاجمة مسلمين لها في
سبتمبر 2001، وحل محلها بقوة نقاشات عن
السلام والإصلاح الاقتصادي.
صحيح
أن منتدى هذا العام ناقش عدة قضايا تخص
الدين، مثل: "الإسلام والتحديات
المطروحة للنقاش داخل المجتمعات
الإسلامية"، بجانب "فرص السلام في
الشرق الأوسط بين الفلسطينيين
وإسرائيل"، و"التساؤلات المطروحة
حول زعامة الولايات المتحدة في العالم"
و"من أجل فهم توجهات الإدارة
الأمريكية الجديدة"، و"قضايا
التجارة العالمية وأسلحة الدمار
الشامل"، ولكن القضايا الدينية لم
تأخذ كغيرها الحظ الواسع من المناقشة
كما جرى في دورات سابقة.
وكان
المنتدى الأخير عام 2004 قد شهد استمرار
أطراف غربية وأمريكية في اتهام
المسلمين بالإرهاب والسعي لاستهداف
الغرب -ورد عليهم مسئولون عرب ومسلمون-
متهمين الغرب بازدواجية المعايير،
وعدم فهم الدين الإسلامي الحقيقي،
والخلط بين أعمال عنف يقوم بها مسلمون
وبين الدين، رغم أن أحدا في العالم
الإسلامي لم يتهم الدين اليهودي
بالمسئولية عن المجازر الصهيونية ضد
الفلسطينيين، ولا اتهم الجماعات
المتطرفة المسيحية الغربية بأن السبب
في تطرفها هو الدين المسيحي.
وقد
تحول النقاش حول هذه القضية إلى
مناقشات حول صراع الحضارات والفجوة
بين الغرب والعالم الإسلامي إلى
مواجهة بين أطراف إسلامية وعربية (الحضور
العربي كان نشيطا هذا العام)، وبين
أطراف غربية، بل وسعت أطراف عربية، مثل
المملكة العربية السعودية لعقد حلقات
نقاشية عن الإصلاح في المملكة بهدف
الرد على المطالب الغربية برفض الدول
الإسلامية للإصلاحات، تحدث فيها أجانب
وعرب حول هذا الصراع بين الطرفين وسعْي
غربيين لكيل اتهامات ظالمة للعالم
الإسلامي.
الشرق
أوسطية تعود
وربما
لهذا التحول شهدت الدورة الحالية
للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس
مناقشة أعمق للسلام العربي
الإسرائيلي، وركزت جلسة العمل التي
عُقدت صباح السبت 29 يناير 2005 على "الصراع
الفلسطيني– الإسرائيلي" التي شاركت
فيها وزيرة الخارجية السويسرية "ميشلين
كالمي راي"، وقالت بأن النقاش بين
الوفدين الإسرائيلي والفلسطيني أكد
على وجود تبدل في الأجواء.
بل
إن هناك توقعات بأن يكون ما دار في
المنتدى من مناقشات حول هذا الملف
الشرق أوسطي -بتحرك أوربي نشط-، ربما
كان هو الدافع للتحركات النشطة التي
تلته بخصوص عودة مفاوضات السلام بين
فلسطين وتل أبيب وقمة شرم الشيخ التي
تهدف لتمهيد الطريق أمام تسوية سياسية
للقضية الفلسطينية، وزيارات الوفود
الأوربية والأمريكية المنتظرة
للمنطقة لتنشيط السلام "اقتصاديا".
وفي
السياق نفسه أعرب المشاركون -فلسطينيون
وإسرائيليون- في الدورة الحالية عن
تفاؤلهم بالأجواء التي ستشهدها
المنطقة في المرحلة المقبلة، وعاد
نائب رئيس الوزراء الإسرائيلي شيمون
بيريز للترويج بشكل ضمني لمشروع الشرق
أوسطية الذي يدعو له في المنطقة منذ
الثمانينيات من القرن الماضي.
إذ
حرص بيريز على القول عقب انتهاء الجلسة
التي استغرقت زهاء الساعتين، بأن
النقاش كان في مساره الصحيح، وأن تغيير
القيادة الفلسطينية "كان نجاحا
كبيرا"، وأن محمود عباس "يلتزم
حتى الآن بتحويل أقواله إلى أفعال".
العرب
يتحدثون عن الإصلاح
ولأن
المؤتمر تمحور حول الجوانب الإصلاحية
الاقتصادية في العالم ككل، وكان هناك
حضور ضخم من الدول العربية ورجال
الأعمال العرب فقد تطرقت الكثير من
المناقشات لقضايا الإصلاح
والديمقراطية في العالم العربي، ولم
تغب هذه القضايا عن اهتمامات الوفود
العربية الرسمية سواء من مصر أو من
الوفد الفلسطيني الذين ركزوا على أن
النمو الاقتصادي يساعد على الاستقرار
السياسي في المنطقة.
فقد
أعلن الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة ولي
عهد البحرين في إحدى ندوات المنتدى حول
مستقبل المنطقة العربية "أنه لا
مستقبل لدول المنطقة دون ديمقراطية
ومشاركة شعبية"، ونوه إلى أن هناك
قلقا وتخوفا في المنطقة من استمرار عدم
الاستقرار في العراق بعد الانتخابات
التي جرت يوم 30-1-2005.
وعرضت
كل الحكومات تقريبا -وفق وكالة رويترز-
تجاربها بما في ذلك انتخابات رئاسة
فلسطينية ناجحة وإصلاح تعليمي في
الأردن وتحرر اقتصادي في مصر وقانون
حديث وجريء للأسرة في المغرب وحتى أول
انتخابات محلية تجري في السعودية
قريبا.
ولكن
المشكلة أن هذا الحديث تكرر في منتديات
سابقة؛ وهو ما دعا البعض للقول بأن بعض
الحكومات تطبق الحد الأدنى الممكن من
سياسات الإصلاح يواكبه استمرار تشبثها
بمقاعد السلطة.
واللافت
هنا أن أحاديث الحكومات عن التغيير
أظهرت أن هناك رغبة في بدء الإصلاح من
القمة للقاع وليس العكس، ونوه إلى ذلك
إسماعيل سراج الدين مدير مكتبة
الإسكندرية في مصر الذي شارك في إعداد
وثيقة بشأن الإصلاح في العالم العربي،
حيث قال في المنتدى: "لا يمكن أن يبدأ
الإصلاح والتغيير المتعمق من القمة،
وينبغي أن نبني مجتمعا مدنيا من القاع".
كما
أبدت الحكومات العربية المشاركة في
دافوس رغبتها في التركيز الآن على دعم
القطاع الخاص دون المخاطرة بإمكانية
سيطرة إسلاميين على الحكم من خلال
الانتخابات.
ويبدو
أن هذا -على حد قول تقرير لوكالة رويترز-
افتراض الحكومة المصرية التي أرسلت
وفدا رفيع المستوى برئاسة رئيس
الوزراء أحمد نظيف وجمال مبارك نجل
الرئيس حسني مبارك إلى دافوس لجذب
مستثمرين.
الجديد
إذن في أحاديث الإصلاح العربية أنها
جرت مناقشتها هذه المرة بهدوء وبدوافع
اقتصادية وليس على غرار المنتديات
السابقة التي جرى الحديث فيها من قبل
كبار المسئولين الأمريكان، مثل سابقة
نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني عنها
من منظور ديني والربط بينها وبين الدين
الإسلامي، والغمز بأن الإسلام لا يعرف
الديمقراطية، وأن المسلمين لا يعرفون
سوى الاستبداد في صورة حكامهم.
فهل
يكون دافوس 2005 علامة فارقة على عودة
المنتدى لأصله الاقتصادي، ومناقشة
قضايا العالم الفقير أيضا مع الغني، أم
أنه مؤشر على انتهاء دوره السياسي، أم
يكون مؤشرا لحرب شرسة مقبلة بين أوربا
وأمريكا؟.
اقرأ
أيضا:
*محلل
الشئون السياسية بـ"إسلام أون لاين.نت"
|