|
إرهاب قرب آبار النفط*
|
|
محمد
الرميحي**
|
03/02/2005
|
|

|
|
الشرطة الكويتية في موقع الاشتباك الذي جرى مع مسلحين يوم 31 يناير 2005 في الكويت العاصمة
|
البعض
يرى أن الأمر جلل. هناك خلايا إرهابية
في البلد تتحين الفرص من أجل
الانقضاض على المجتمع وترويعه، بالضبط
كما حدث في بعض مدن المملكة العربية
السعودية ومصر والجزائر والمغرب، من
بين دول عربية وغير عربية أخرى رُوّعت
بهذا الإرهاب الأعمى. والبعض يرى أن
الموضوع برمته لا يستحق كل هذه الضجة.
فهو محصور ومقدور عليه، وهم فقط بضعة
نفر من الشباب الطائش والمغرر بهم،
سرعان ما يعودون إلى رشدهم.
أين
الحقيقة؟
المهون
يستدعي
الكثير من الأحداث السابقة في الكويت،
فيقول:
إن "الإرهاب"
ليس له مكان في الكويت ما دام المال
النفطي يجري في عروق الاقتصاد، وأن
البلد صغير إلى درجة أن الناس يعرفون
بعضهم بعضا؛
فهناك لحمة اجتماعية ثابتة، تقلل من
الانفلات الأمني الواسع، ولأن مساحة
عدم الرضا الاجتماعي ضيقة، فلا انتشار
لهذه الفئة يخل بالأمن. ويستدعي هذا
الفريق، تدليلا على رأيه، ما حدث عام
1969 عندما أقدمت مجموعة من المتحمسين من
النشطاء السياسيين على وضع متفجرة قرب
بيت وزير الداخلية وقتها الشيخ سعد
العبد الله، وقبض على الفاعلين وسط ضجة
إعلامية وشعبية كبيرة. وقتها انقسم
المجتمع على نفسه، كما هو الآن: فمن
مطالب "بإعدام
الفاعلين"
عقابا لهم على الفعلة غير المسبوقة، أو
بحبسهم "مدى
الحياة".
لكن العقل تغلب على تلك الصيحات،
فقدموا للمحاكمة النزيهة التي حكمت
عليهم بأحكام متراوحة، وسرعان ما أطلق
سراحهم. حجة الشباب وقتها أنهم قاموا
بما قاموا به بسبب احتجاجهم على تزوير
انتخابات مجلس الأمة (عام 1967) وهو عام
مشهور بنكباته العربية وليس السياسية
فقط.
يقول
البعض تدليلا: لو اتبع هوى الانتقام في
ذلك الوقت لخسرنا كُتابا ونقابيين
ونوابا وحتى وزراء متميزين؛ حيث إن
بعضا من تلك المجموعة "الغاضبة"
ظهر منها بعد حين كل أولئك المبرزين.
وتنتهي مقولات هذا التيار بأن العقل
يجب أن يسود وهو سيد الأحكام.
أما
وجهة النظر المقابلة فتقول:
إن المجتمع الكويتي لم يعد هو ذاك الذي
كان في 1969. لقد تغير المناخ الاجتماعي،
كما تغيرت مشارب الناس، وإن كانت حجة
جماعة 69 سياسية، وقد
صبروا على التزوير سنتين من أجل
المناقشة والتحضير للفعل، فليس هناك
حجة سياسية لمرتكبي حوادث الإرهاب عام
2005، وقد حملوا السلاح ضد المجتمع في
ضوء إرهاب يتسع إقليميا وعربيا
وخليجيا. ويزيد هذا التيار بالقول إن
بعض هؤلاء الشباب الجدد يرفعون شعار
محاربة "الصليبيين"،
وهو شعار فضفاض، وفي نفس الوقت مؤثم
قانونا في قانون الجزاء الكويتي، حيث
يجرّم ازدراء الأديان الأخرى. كما أن
هذا التوجه ممجوج سياسيا ومصلحيا؛
فهناك مواطنون لدول وقفت مع الشعب
الكويتي في أحلك أوقاته التاريخية في
العصر الحديث، كأبناء دول مثل
بريطانيا أو فرنسا أو الولايات
المتحدة، فلا يجوز قانونيا ولا سياسيا
ولا أخلاقيا أن يُستهدف هؤلاء في
أنفسهم بأي ذريعة كانت، كما أن الحث
على الكراهية لا يقف عند لون أو ديانة؛
فالكراهية تسري لتتسع وتشمل الآخرين
في الوطن من المخالفين السياسيين،
وبالتالي فإن ما قام هؤلاء الشباب
بفعله، يدخل تحت بند الإرهاب الصريح،
الذي لا يفصح عن هدف غير الرفض، إن لم
يعالَج فسوف يستفحل وتطول قامته لتصل
إلى ما لا تُحمد عقباه.
فكر
متنام
يذهب
هذا التيار إلى البحث عن الدوافع، هل
هي بسبب عُسر اقتصادي، أم بسبب ضيق في
قنوات التواصل في الكويت، مثل مجلس
الأمة، أو الصحافة. ويجمع كثيرون على
أنه لا هذا ولا ذاك، بل هو فكر استشرى
كثيرا وأُهمل أكثر في نفس الوقت، في
المدارس والشوارع وأماكن العبادة،
ووسائل الإعلام، فكر يعتقد أنه
الوحيد الذي على حق والآخرون كلهم
آثمون، وقد حاولت السلطات استرضاء هذا
الفكر، فنما إلى درجة حمل السلاح.
بعد
الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) استطلعت
بعض الصحف الكويتية قطاعا واسعا من
الناس، حول رأيهم في بن لادن، فكانت
الإجابات لافتة للنظر: حوالي أربعين في
المائة من المستجوبين قالوا إنه "بطل"،
وبدأت أقلام، بعد حين، تمجد أعمال
الإرهاب من الشيشان حتى طالبان، على
أساس نصرة الإخوة المسلمين. البعض
محليا استخف بهذه التوجهات، واعتقد
أنها زبد، أو -في الكثير- مزايدات
داخلية، وكان حريا أن ينظر إليها
بجدية، وقد ثبت بعد أن انطلق الرصاص،
أن وراءها فكرًا يؤمن بما يقول،
ومصممًا على تعضيد أقواله بالأفعال.
بدا
أن المتحدث الرسمي باسم القاعدة
كويتي، ولم تُلتقط الإشارة، ثم تبين أن
هناك عددا من معتقلي جوانتانامو من
الكويتيين، ومرت الإشارة دون أن
تستوقف أحدا، بل أصبح البعض يجد
التبريرات الكثيرة لمثل هذه الأفعال
تحت غطاء "ظلم
المسلمين"
في أماكن أخرى من العالم، ثم بدا مسلسل
القتل الداخلي في أول أيام الحملة
العسكرية الأمريكية
على العراق. كل تلك الأجراس المنبهة لم
تعن الكثيرين، الواقعين تحت الفكرة
المغلوطة التي تقول:
إن ذلك كله ظواهر جانبية ومعزولة، حتى
اضطرت أخيرا الدولة إلى تشكيل لجنة
رسمية لدراسة ظاهرة الإرهاب في الكويت
ووضع مبلغ سخي من المال تحت تصرفها.
لم
تكن فكرة العنف معزولة عن المجتمع
الكويتي، فقد أصبحت الظاهرة اجتماعية
منذ ما بعد الغزو العراقي
للكويت ثم استفحلت. وقد يستغرب البعض
أن الإحصاءات تقول:
إن أول مسبب للموت في الكويت هو حوادث
السيارات، ومن الطريف أنه
عندما سئل بعض الغربيين في الصحافة
المحلية عن خوفهم من الإرهاب في
الكويت، قالوا نعم ولكن ما يرعبنا حقا
هو طريقة قيادة السيارات في شوارع
الكويت.
أما
نسبة الجرائم الواقعة على النفس،
مثل القتل العمد والشروع في القتل
والاعتداء بالضرب والأذى،
وإطلاق النار،
والخطف،
والإجهاض وحيازة السلاح دون ترخيص،
فقد أصبحت في ازدياد كما تقول
الإحصاءات الرسمية المتوفرة.
في
جو كهذا لم تكن مفاجأة للكثيرين أن
ينحر والد وقد قدم توا من أداء فريضة
الحج طفلته الصغيرة من الوريد إلى
الوريد، أولا
بسكين مثلومة، ثم بسكين حادة بعد أن
أوثقها بحبال غليظة، ويقول لها في نفس
الوقت أنت ذاهبة إلى الجنة!.
يتساءل
الكويتيون في منتدياتهم: لِم كل هذا
العنف
المؤدي إلى الإرهاب وهل هو أعمال مؤقتة
أم سوف تستفحل لتشكل ظاهرة؟ وهل دوافع
هذا العنف داخلية أم خارجية؟ وهل هو
نابع من فكر منتشر بين الشباب أم محصور
في فئة قليلة منهم؟ مثل هذه الأسئلة لا
تجد لها جوابا شافيا حتى الآن، وتسمع
الإجابات مؤدلجة، كل يفسرها حسب هواه،
وتسمع ضجيجا سياسيا دون التوقف لدراسة
الأمر دراسة علمية محايدة.
أما
على الأرض فإن الواقع يقول دون ستار من
التهويل أو التهوين: إن المجتمع
يتحول إلى مجتمع ظاهرة العنف فيه
ملحوظة ومشاهدة، ويرى البعض أن
انتشارها ليس بسبب نقص في وسائل الردع
مثل وجود القوانين، بل في ضعف تنفيذها،
لأسباب سياسية أو اجتماعية. ويرى
آخرون أن اللجوء إلى الوقاية جزء أساس
من محاربة الظاهرة والقضاء عليها،
التي تبدأ من تثقيف حقيقي في المدرسة
والأسرة ووسائل الإعلام، ولكن حتى
يعلق الجرس، تبقى ديوانيات الكويت
ومنتدياتها، تتعاطى الحديث الموسع حول
ظاهرة العنف والإرهاب وتتناقل القصص
التي بعضها له علاقة وثيقة بالحقيقة،
وأخرى جزء من المشهد الدفاعي الذي تلجأ
إليه المجتمعات في أوقات عدم اليقين..
فهل تصل شرارات الإرهاب إلى براميل
النفط، اللهم فاستر.
اقرأ
أيضا:
*نقلا
عن جريدة "الحياة" بتاريخ 2-2- 2005.
**كاتب
كويتي.
|