|
توجهات إدارة بوش الثانية.. أخطار وأوهام
|
|
شيرين
حامد فهمي**
|
02/02/2005
|
|

|
|
باتريك سيل يحذر من التصعيد الأمريكي ضد سوريا وإيران
|
أثار
خطاب الرئيس الأمريكي "جورج دبليو
بوش" -في حفل تنصيبه لفترة ثانية-
تعقيبات العديد من الكتاب الغربيين
التي انصبَّ كثير منها على النقد
الصريح لما سيعزم عليه في فترة رئاسته
الثانية. وقد انتقينا ثلاثة كُتّاب
ليعبروا عن هذا النقد عبر مداخل متنوعة.
وهم "باتريك سيل" Patrick Seale، و"أكتيفا
إلدار" Aktiva Eldar، و"إريك هوبزباوم"
Eric Hobsbawm. والثلاثة لهم -إن جاز التعبير-
وضع خاص. فالأول يُعتبر محاربا قديما،
بالإضافة إلى اشتغاله لفترة غير قصيرة
بالكتابة التحليلية عن الشرق الأوسط.
والثاني يُعتبر من الكتاب
الإسرائيليين، ومن أصحاب المقالات
المقروءة بانتظام في صحيفة "هاآرتس"
الإسرائيلية. وأخيرا الثالث يُعتبر
أستاذا بريطانيا غير متفرغ للاقتصاد
والتاريخ الاجتماعي بجامعة لندن،
ومؤلف كتاب "عصر المغالاة: القرن
العشرون 1914-1991".
وبينما
تناول "سيل" في نقده المحافظين
الجدد المُصرين على ضرب سوريا وإيران
بالرغم مما أحدثوه من فوضى في العراق،
ركز "إلدار" نقده على تصلب "بوش"
وتشبثه بقناعاته، أما "هوبزباوم"
فقد اعتمد نقده على "وهم" نشر
الديمقراطية الذي لم يكف "بوش" عن
ترويجه في الخطاب الذي ألقاه في حفل
تنصيبه يوم 20-1-2005.
المحافظون
الجدد لم يتعظوا
في
مقاله بصحيفة "ديلي ستار" Daily Star
يتعجب "سيل" من المحافظين الجدد
الذين بقوا في مناصبهم رغم تسببهم
المباشر في توريط الولايات المتحدة
بالمستنقع العراقي، ويخص بالذكر "دونالد
رامسفيلد" وزير الدفاع، و"ديك
تشيني" نائب الرئيس. ويضيف أنه فوق
ذلك تأتي المؤسسات البحثية اليمينية
الأمريكية لتُروج حملة ضد كلٍّ من
إيران وسوريا، ضاغطة على "بوش"
لكي يستكمل حملاته العسكرية، بعد
أفغانستان والعراق. وكذلك يأتي عدد من
"السناتورز" أو نواب مجلس الشيوخ
الأمريكي (وهم أيضا من المحافظين الجدد)،
لكي يضغطوا على "بوش" من أجل "تغيير
النظام" في إيران، خاصة بعدما أصدرت
واشنطن تقريرا (في النصف الأخير من
يناير 2005) يفيد بأن المحافظين الجدد
يساعدون حاليا جماعة إيرانية معارضة -وهي
جماعة "التحالف للديمقراطية في
إيران"- بل من المفترض أنهم
سيمولونها تمويلا ضخما.
ويؤكد
"سيل" أن حملة المحافظين الجدد ضد
إيران وسوريا قد ازداد سعارها، في ظل
وزيرة الخارجية الجديدة "كونداليزا
رايس"، التي قامت بترديد صدى "بوش"،
في خطابها أمام لجنة مجلس الشيوخ
للعلاقات الخارجية مطلع يناير 2005،
قائلة: "أمريكا والعالم الحر
يشتبكون مرة أخرى في صراع طويل المدى
ضد أيديولوجية الكره والغطرسة
والإرهاب. ونحن ملزمون بمواجهة هذه
التحديات". وهي مقولة -كما يقول "سيل"-
تدعم الرؤية المأخوذة عن المحافظين
الجدد؛ وتتمثل في كونهم مع
الإسرائيليين ضد المسلمين.
وحتى
هذه اللحظة -كما يشير "سيل"- يعتقد
معظم المراقبين أن الولايات المتحدة
لن يكون في مقدورها الدخول حاليا في
حروب جديدة؛ بسبب انشغالها بموضوع
العراق؛ إلا أن هذا الافتراض يبدو أنه
قد قُلب رأسا على عقب. فالرؤية
السائدة الآن في واشنطن -كما يقول "سيل"-
هي أنه لا انتصار في العراق إلا بتركيع
إيران وسوريا؛ وذلك لكونهما عاملين
مساعدين على توتير وتصعيد الأجواء
بالعراق. فسوريا مُتهمة من الإدارة
الأمريكية بتسريب السلاح والمال
والمجندين إلى المقاومين بالعراق.
وأما إيران فمتهمة "بتدخلها واسع
المدى" في العراق، وكذلك بشروعها في
تدشين برنامج نووي.
ويتعجب
"سيل" من تلك القناعة الأمريكية؛
فالحقيقة أنه لا أحد يعلم -سوى دائرة
صغيرة في طهران- عما إذا كانت إيران قد
أخذت بالفعل قرارا بتصنيع الأسلحة
النووية، أم إذا كانت تريد فقط الحصول
على تلك التكنولوجيا التي ستتيح لها
الفرصة في يوم من الأيام لتصنيع تلك
الأسلحة. صحيح أنها تملك الأدوات التي
تؤهلها لذلك، إلا أنها تنكر تصنيعها
لأي قنابل نووية. هذا بالإضافة إلى
كونها تعد نفسها للدخول في مفاوضات
ساخنة مع الأوربيين قريبا بهدف تعطيل
مشروعها النووي -ولو للوقت الراهن-
مقابل حصولها على اتفاقيات تجارية
ضخمة مع عدد من الدول الأوربية.
ولا
ينكر "سيل" ضعف القوات الإيرانية
إذا ما وُضعت في مقارنة مع القوات
الأمريكية، إلا أنه لا ينكر أيضا أن
توجيه أي ضربة أمريكية سواء لإيران أو
سوريا سوف يثير بدورها حروب العصابات
ضد أمريكا، وهو الأمر الذي سيضع مصالح
المواطنين الإسرائيليين والأمريكيين
في مختلف بقاع العالم تحت تهديد كبير.
خطط
سطحية إلى أقصى درجة
من
ضمن خطط "بوش" لفترة رئاسته
الثانية دعم الانتخابات العراقية التي
جرت يوم 30 يناير 2005، والمفترض أنها
ستؤدي إلى إقامة أول حكومة دستورية
عراقية، بالإضافة إلى جلاء القوات
الأمريكية عن العراق -كما يقول "بوش"-
"بمجرد تأكدهم أن العراق سيستطيع
السير في ركب الاستقرار".
ويعلق
"سيل" قائلا: "من الواضح تماما
عدم عزمه على أي انسحاب سريع من
العراق، بعد انتخابات 30 يناير".
وتبرير "بوش" لذلك -كما يقول "سيل"-
هو قناعته بأن انتصاره في الانتخابات
الأمريكية في نوفمبر 2004 يمثل تصويتا
صريحا من قبل الشعب الأمريكي لصالح
حربه في العراق.
ويتعجب
"سيل" من الخطط التي وضعها "بوش"
للسنوات الأربع القادمة، سواء كانت
بشأن العراق، أو الحرب على الإرهاب، أو
بشأن منع الانتشار النووي. فجميعها خطط
-كما يشير "سيل"- سطحية إلى أقصى
درجة، تتلون بلون الشعارات أكثر من
تلونها بلون الواقعية؛ فـ"الحرب
على الإرهاب" و"إقامة
الديمقراطية في الشرق الأوسط"
يعتبرها "سيل" من العموميات
المُسطحة.. إلا إذا كانت تستبطن في
داخلها أجندة مُحكمة تستهدف هزيمة
الحركة الإسلامية المسلحة المنتشرة في
بقاع العالم؛ لحماية الولايات المتحدة
من "سبتمبر" آخر، ولمنحها ضمانًا
طويل المدى للسيطرة على حقول النفط
العربية. وكذلك
تستهدف الأجندة ضمان الاحتكار
الإسرائيلي لأسلحة الدمار الشامل في
المنطقة العربية والإسلامية.
وفي
ختام مقاله يؤكد "سيل" على أهمية
العقيدة الإستراتيجية الكامنة وراء
هذه الأهداف. وتتلخص هذه العقيدة في
ضرورة بقاء التفوق العسكري العالمي في
يد الولايات المتحدة، والتفوق العسكري
الإقليمي في يد إسرائيل. وعليه فإنه
"يجب عدم إعطاء أي فرصة للأعداء -كما
يقول سيل- تمكنهم من تكوين أو تحصيل
قدرات رادعة".. وبينما
يؤكد "سيل" على صحة هذه العقيدة من
وجهة نظره فهو يأسف على المستقبل الذي
لا يبدو مشجعا لضمان تحقيقها.
وفي
مقاله بصحيفة "هاآرتس"
الإسرائيلية، وتحت عنوان: "البيت
الأبيض لن يبدل توجهاته" تحدث "إلدار"
عن مُضي "بوش" في طريقه دون أدنى
تغيير؛ مما سيعرض إدارته لمخاطر جمة،
هذا بالإضافة إلى مواقفه المتشددة
تجاه أوربا، والتي سيبدأ الإفصاح عنها
مع بداية توليه الفترة الثانية،
وفيما يلي أهم محاور المقال:
"بوش"
ليس قارورة فارغة
على
لسان "بيل كانت" -الذي كان مسئولا
عن شئون الشرق الأوسط بمجلس الأمن
القومي أثناء إدارة "جيمي كارتر"-
يتحدث "إلدار" عن سياسة "بوش"
في الشرق الأوسط على مدى الأربعة أعوام
القادمة. فينقل إلينا وجهة نظر "كانت"
قائلا: "إن ما شهدته الفترة الرئاسية
الأولى لبوش هو غالبا نفس ما ستشهده
فترته الثانية. إن بوش أبعد ما يكون عن
تلك القارورة الفارغة التي يمكن ملؤها
من قبل نائب الرئيس أو أي ناصحين آخرين".
وهو تشخيص يتناقض ويتعارض مع الحجة
التي سمعناها -وما زلنا نسمعها- بأن "بوش"
لا يتخذ قراراته بنفسه، بل يستقيها ممن
حوله.
|

|
|
إلدار يحذر من تصعيد أمريكي إسرائيلي
|
وقد
يوافق "إلدار" على هذا التشخيص،
مؤكدا بأن "بوش" لديه رؤية مكتملة
عن دور الولايات المتحدة تجاه العالم،
وقد يعضد من هذا التشخيص -كما يرى "إلدار"-
ما قالته "رايس" أمام مجلس الشيوخ
في يناير 2005 عن ضرورة احتضان العالم
لمبدأ الكاتب الإسرائيلي "ناتان
شارانسكي" القائم على نظرية "اختبار
وسط البلد" أو town square test؛ وهي التي
تعني أنه إذا كان هناك إنسان لا يستطيع
الوصول إلى وسط المدينة لخوف ما؛ فهذا
يدل على أنه يعيش في مجتمع "الخوف".
ومن ثم فإن "رايس" ترى أن الولايات
المتحدة لن تهدأ بالا حتى يتخلص كل
إنسان من هذا الخوف، وينال حريته.
"بوش"
سيُخرص أوربا
يرى
"إلدار" تحيزا ملحوظا وصريحا من
جهة "بوش" ضد أوربا، وخاصة
بريطانيا، مشيرا هنا إلى اللقاء
المخيب للآمال الذي تم في ديسمبر 2004
بين "بوش" ورئيس الوزراء
البريطاني "توني بلير"، والذي عكس
عزم بوش بدء فترته الرئاسية الثانية
بوجه عبوس، يملؤه التحدي والتحفز تجاه
الساحة الدولية؛ حيث تفاجأ "بلير"
بتجاهل "بوش" لموضوع الدولة
الفلسطينية، وبعدم اتخاذه أي خطوات
تطبيقية بصدد هذا الشأن الذي كان
الرئيس الأمريكي قد تعهد بأخذه في
الاعتبار. وبالرغم من أن الأخير سوف
يُرسل -على أغلب الظن- وزيرة خارجيته
"رايس" إلى المؤتمر الدولي -المنعقد
بلندن في مارس 2005 بهدف جمع التبرعات
للفلسطينيين- فإن "إلدار" يؤكد
على أن الحكومة البريطانية ليس لديها
أي أمل في إسهام أمريكي فعال في هذا
الاتجاه.
وهذا
الموقف الأمريكي الذي يتمثل في إسكات
أو إخراس الصوت الأوربي لم يتبنَّهُ
"بوش" فقط؛ بل تبناه أيضا "كولين
باول" وزير الخارجية الأمريكية
السابق؛ حيث أشار "إلدار" إلى مدى
الضيق الذي كان يشعر به "باول" في
كل صباح، عند تلقيه للمكالمات
التليفونية من نظرائه الأوربيين الذين
لم يكفوا عن عرض مقترحاتهم لحل الأزمة
الإسرائيلية الفلسطينية؛ لدرجة
إفصاحه بأن "خريطة الطريق" لم تكن
سوى اختراع استهدف إخراس الحكومات
الأوربية.
والحقيقة
-كما يشير إليها "إلدار"- تتلخص في
رؤية "بوش" السلبية للكتلة
الأوربية؛ فهو يعتبرها كيانا مترددا
ومستسلما للدول غير الديمقراطية التي
يعتبرها محورا للشر، والتي يهب فترته
الثانية لمحاربتها.
وفي
مقاله بصحيفة "جارديان"
البريطانية تحت عنوان "مخاطر تصدير
الديمقراطية" سجل "هوبزباوم"
استياءه من النظم الديمقراطية، مبرهنا
فشلها الذريع، ومُستخفا بحملات "نشر
الديمقراطية" التي ما زال بوش يتحدث
عنها؛
ويتناول الكاتب المحاور التالية:
اعتماد
"بوش" على وهم خطير
|

|
|
هوبزباوم يثبت فشل الديمقراطية
|
يرى
"هوبزباوم" أنه على الرغم من
احتواء خطاب "بوش" التنصيبي على
لفتات قليلة حول العراق وأفغانستان
وحرب الإرهاب؛ فإنه ما زال مستمرا في
تأييده لإعادة تخطيط العالم بأسره؛
مستهدفا تدشين نظام عالمي قوامه
الديمقراطية، ومن ثم يقول بأن حروبه في
العراق وأفغانستان لم تكن إلا جزءًا من
المخطط العالمي "لنشر الديمقراطية".
وتقوم نظرية "بوش" على إمكانية
تطبيق الديمقراطية الغربية في أي
مكانٍ كان؛ لأنها هي الوحيدة التي ستحل
الكوارث، وتخلق السلام بدلا من الفوضى.
وهنا يرد "هوبزباوم" قائلا: "هذه
الفكرة ليست فقط خيالية ووهمية؛ بل هي
في منتهى الخطورة".
لا
ينكر "هوبزباوم" أن الديمقراطية
تعني "الانتخاب للجميع"، إلا أن
الأخير لا يؤدي بالضرورة إلى استمرار
الديمقراطية؛ وأكبر مثال على ذلك
جمهورية "فايمر" الألمانية التي
أدت إلى كسب "أدولف هتلر"
للانتخابات. وكذلك فإن الديمقراطية
الانتخابية لا تصب بالضرورة في مصلحة
القوى المهيمنة، ومثال ذلك حرب العراق
التي كان يمكن منعها "ديمقراطيا"
إذا ما كان هناك اعتبار لكلمة المجتمع
الدولي، إلا أن القوة الأمريكية
المهيمنة لم تسمح بذلك.
ويهاجم
تلك الإمبراطوريات التي تحارب تحت
شعار حماية الحقوق الكونية، مشيرا إلى
أن القوى المهيمنة تضع مصالحها
وأهدافها أولا، ثم تبحث عن تبريرات "أخلاقية"
لكي تحقق ما تصبو إليه، خاصة عندما
تعتقد تلك القوى بأن الرب يقف على
جانبها. إن الإمبراطوريات الخيرة
والشريرة تسببت بذلك في "بربرة"
العصر الذي نعيش فيه.
ويشير
"هوبزازم" إلى أن القرن العشرين
أثبت استحالة إعادة تصميم العالم على
يد الدول، حتى ولو كانت دولا ذات هيمنة
عالمية. فلا التحولات التاريخية يمكن
أن تُختصر، ولا التحولات الاجتماعية
يمكن أن تحدث بفعل نقل المؤسسات عبر
الحدود. ويعلل ذلك موضحا أن الشروط
المُهيئة لإيجاد حكومة ديمقراطية
فعالة ليست سهلة؛ بل هي من النادر
وجودها.
وتتمثل
هذه الشروط في وجود دولة ذات شرعية،
وقدرة على التوسط بين القوى المحلية،
وحل الصراعات فيما بينها. بدون وجود
مثل هذه الدولة فإن الديمقراطية سيكون
مصيرها الهلاك؛ فإما أنها ستموت مثل ما
حدث في شمال أيرلندا، وإما ستنهار بفعل
انقسام وتفكك الدولة مثل ما حدث في
تشيكوسلوفاكيا.
ويتعجب
"هوبزباوم" من إصرار الدول الكبرى
على نشر مؤسساتها الديمقراطية، بالرغم
من علم هذه الدول أن مؤسساتها لم تعد
كافية لمواجهة تحديات اليوم. فجزء
متزايد من الحياة الإنسانية يقع حاليا
خارج نطاق تأثير المصوتين. وكما نعلم
فإن الديمقراطية الانتخابية لا تستطيع
أن تعمل بفعالية خارج الوحدات
السياسية.
وأخيرا
يؤكد الكاتب أن أخطر ما في "نشر
الديمقراطية" هو تسريب الوهم إلى
الشعوب التي لا تتمتع بالديمقراطية،
بأن النموذج الديمقراطي هو الذي تأخذ
به الدول الكبرى المصدرة للديمقراطية..
ولكن هذا غير صحيح؛
فأكثر الدول "ديمقراطية" في
العالم (الولايات المتحدة وبريطانيا)
لم تتبع المنهاج الديمقراطي حينما
أصرت على ضرب العراق؛ بل اتبعت منهاج
الغش وليِّ الحقائق.. تماما مثلما يحدث
في الدول غير الديمقراطية!.
اقرأ
أيضًا:
**
باحثة دكتوراة بكلية الاقتصاد والعلوم
السياسية بجامعة القاهرة.
|