|
كركوك وأخواتها على رأس أجندة الأكراد الانتخابية
|
|
مثنى أمين الكردستاني
**
|
28/01/2005
|
|

|
|
جلال طالباني - يمين - ومسعود بارزاني
|
تشهد الساحة العراقية هذه الأيام
جدلا محتدما حول قضية انتخابات
الجمعية الوطنية بعد أن باتت على
الأبواب ولا يفصلنا عنها سوى أيام
محدودة، وهذا الجدل ناشئ من رفض قطاع
واسع من سنة العراق لهذه الانتخابات؛
لأنها تأتي في وقت يشهد العراق احتلالا
ووضعا أمنيا متدهورا، ولهجة طائفية
غريبة تهدد النسيج الوطني العراقي،
وتخوفات من أن تؤدي الانتخابات ليس
لإخراج المحتل واسترداد السيادة بل
إلى تكييف وضعه وشرعنته والإبقاء على
الوضع القائم دون تغيير ملموس، وكتابة
دستور يكرس لسيطرة فئة على فئة ولا
يعبر عن كل العراقيين... هكذا يبرر
الرافضون للانتخابات موقفهم.
على
الصعيد الكردستاني في شمال العراق،
نرى أن الأمر مختلف حيث هناك إجماع
شعبي على مشاركة فاعلة وقوية لا يختلف
عليها القوميون كالحزبين الكبيرين (الاتحاد
الوطني الكردستاني بزعامة جلال
طالباني والحزب الديمقراطي
الكردستاني بزعامة مسعود برزاني) أو
الإسلاميون كالاتحاد الإسلامي
الكردستاني والجماعة الإسلامية
الكردستانية، أو اليساريون كالحزب
الشيوعي والاشتراكي، أو المحافظون
والعشائر. وهذه المشاركة تؤيدها أيضا
كافة القوميات والطوائف الموجودة في
كردستان: المسلمون مع المسيحيين
الآشوريين والكلدان بطوائفهم
الكاثوليكية والنسطورية وكذا
اليزيديين.. ويتفق عليه أيضا التركمان
مع الكرد والسريان، الأمر الذي يدفع
إلى البحث عن أسباب ذلك.
ولتوضيح دوافع هذا الموقف لا بد من
إدراك مجموعة من الحقائق وهي:
 |
|
مدينة دهوك في كردستان |
-
أولا: المنطقة الكردية تعيش وضعا
استقلاليا من بعد حرب تحرير الكويت (1991)
حيث إن مجلس الأمن الدولي قد اتخذ
قرارا بموجبه اعتبرت المحافظات
الكردية الثلاثة ( دهوك و السليمانية
وأربيل ) مناطق ملاذ آمن لسكانها،
ومنعت نظام صدام حسين من أن يكون له
تواجد أمني وعسكري، وعلى إثر ذلك سحب
النظام من هذه المحافظات جميع
الإدارات الحكومية حتى الخدمية منها
كالكهرباء والماء... وقامت على إثر ذلك
الفراغ الإداري حكومة كردية محلية
بانتخابات برلمانية ووزارات. ويعني
ذلك أن إقليم كردستان ابتعد كثيرا عن
أحداث العراق وأصبح عمليا كأنه دولة
أخرى مجاورة مثل الكويت والأردن.
والسنوات
من 1992 حتى 2003 أنشأت جيلا جديدا وكيانات
ووضعا سياسيا وأمنيا وثقافيا مختلفا...
وحتى الاحتلال الأمريكي للعراق فهو
يكاد يكون غير محسوس وتكاد تجزم بعدم
وجوده في مناطق كردستان، حيث لا
مداهمات ولا انتهاكات أمنية
واعتقالات، ولا حتى تواجد عسكري في
الشوارع و المدن، وهناك حكومة ترعى كل
شؤون الناس وتنظمها. ولكل هذا أثره في
توجهات أهل الإقليم السياسية بدون شك،
سواء من حيث الموقف من الاحتلال أو من
قضايا بناء الدولة العراقية والعمليات
السياسية التي تجري في العراق من
انتخابات وغيرها.
-
ثانيا: شعب كردستان عانى كثيرا من نظام
صدام حسين وتعرض لمجازر بشعة مازال
جرحها لم يندمل، الأمر الذي أوجد لديه
حالة انكفاء وتحفظا تجاه الاندماج غير
المدروس مع باقي العراق، وهو ليس
مستعدا أن يجري وراء الشعارات التي
ترفع من الفصائل المقاومة للاحتلال
التي لا ترفق عادة بأي مشروع سياسي
واضح المعالم ومضمون التنفيذ.
-
ثالثا: الشعب الكردي يرى أن ما يجري من
أعمال مسلحة في العراق له تأثير خطير
على إعادة بناء البلد واستقراره،
ولذلك لا يجد بديلا للانتخابات كسبيل
لنيل حقوقه وخروج العراق من محنته. كما
لا ترى الأوساط السياسية الكردية أن
هناك فصيلا قاطع الانتخابات كلية
فهناك 54 قائمة بها سنة علمانيون من بين
مجموع القوائم المطروحة والبالغة
عددها 111 قائمة - و بدون التقليل طبعا من
قدر المقاطعين و خصوصا الحزب الإسلامي
العراقي، و هيئة علماء المسلمين- وذلك
بالرغم من الوضع الأمني السيئ جدا في
المحافظات السنية.
-
رابعا: الشعب الكردي كردي قبل أن يكون
عراقيا، ومن بين دروسه التي تعلمها من
تجاربه التاريخية المريرة: أن يعجل
بوضع نهاية لمشكلته بطريقة مرضية
للأطراف وعدم التفريط في أي فرصة لذلك،
فقادته السياسيون بعد حرب الكويت
ومحاصرة العراق دوليا أبدوا مرونة
واستعدادا غريبا في ذلك التوقيت الذي
كانت كل مؤشراته تدل على ضرورة التوجه
الكردي إلى الغرب بدل صدام، ولكنهم
خالفوا التوقعات وتوجهوا صوب بغداد،
وقبلوا صدام وحضنوه في موقف استهجن
كرديا، وعرضوا عليه حلا منطقيا وعادلا
للمشكلة، لكنه كعادته تصرف بكل عنجهية
وغرور، ولم يقدم شيئا، ومن هذا المنطلق
لا بد أن يكون واضحا أن الكردي يسعى
لنيل أو صيانة حقوقه ومستعد ليتعاون
حتى مع قاتل الكرد في سبيل ذلك، ولا
يهمه من يحكم العراق؟ وما هويته
وطائفته؟ بقدر ما يهمه كيف يوفر له
حقوقه، ويضمن له الاستقرار، ولا يعيد
له تجارب الماضي المرير.
-
خامسا: وبمناسبة هوية الحاكم، فإن هذا
الموضوع يدخلنا في الصراع الشيعي
السني، وفي هذا المجال فإن الشعب
الكردي بالرغم من أنه سني بنسبة تفوق %95
إلا أن هذا الموضوع لا يأخذ من
اهتماماته كثيرا، ويرى نفسه خارج
الصراع اعتقادا منه أن مفهوم المواطنة
يحل هذا الإشكال، إلا أنه ومع ذلك لا
يقبل بسيطرة دينية شيعية على الدولة؛
لأن الدولة لا بد أن تبقى غير طائفية
أولا، ولأن ذلك يجعل المشكلة الكردية
مزدوجة مثل الكرد السنة في إيران الذين
يتعرضون لظلم وتهميش مزدوج لكونهم
سنة، ولكونهم كردا ثانيا، وقد ثارت
مخاوف الكرد نتيجة لموقف شيعة العراق
المعارض للبند المنصوص عليه في قانون
إدارة الدولة المؤقت والذي يعطي لكل
ثلاث محافظات عراقية حق الفيتو على
القوانين، وذلك بهدف ضمان حقوق الكرد
كأقلية (كردستان تتكون من 3 محافظات).
-
سادسا: انتخابات الجمعية الوطنية لن
تكون الوحيدة في كردستان يوم 30 يناير،
بل ستجري معها انتخابات المجلس الوطني
الكردي (البرلمان المحلي – 111 مقعدا )،
و انتخابات المجالس البلدية للمحافظات
الثلاثة، الأمر الذي يزيد من قيمة
وأهمية الحدث لدى الأكراد، والبرلمان
الكردي انتهت ولايته منذ سنوات و لكن
الصراع الداخلي وعدم وضوح وضع العراق
كان يعطي الحزبين الكرديين الرئيسيين:
(الاتحاد الوطني والحزب الديمقراطي)
ذريعة لعدم إجراء انتخابات أخرى،
والآن حانت الفرصة للأحزاب الأخرى أن
تتقدم خطوة للأمام من أجل إصلاح الوضع
الداخلي و تحسين أداء الحكومة الكردية
التي كانت أيضا حكرا على الحزبين إلى
حد كبير.
الإسلاميون
الكرد ونموذج حماس والجهاد!
بالنسبة للإسلاميين الكرد، فهم
يتصرفون كجماعات تتمتع بشرعية العمل
السياسي في حكومة لها قانون وبرلمان،
وسيادة داخلية على أمور الإقليم،
ولذلك فإنهم يبدون حرصا على الوحدة
الوطنية الكردية، ولا يبيحون لأنفسهم
الخروج عن هذا الإجماع الوطني، ولا
يريدون نقل الفوضى الموجودة في باقي
مناطق العراق إلى كردستان، ولا التصرف
مع قضايا العراق إلا من خلال مرجعية
القوى السياسية الكردية، والتي لهم
وزن معتبر في إطارها، لكنه لا يصل إلى
حد قيادتها، بالإضافة إلى أنهم غير
مقتنعين بجدوى المقاومة العسكرية في
هذا التوقيت ويرون ضرورة التعاطي
السياسي مع الاحتلال لحين انسداد
النفق أو اتضاح ملامح مشروع سياسي يسمح
ببناء العراق من جديد كدولة مؤسسات،
وكذلك ضرورة تحاشي إراقة الدماء و
التصرف مع هذا الملف بكل حذر ومسئولية،
ويشددون على أن فتح أي جبهة بين
العراقيين تحت أي تبرير يأتي بأبشع
كارثة على العراق، ولا يخدم سوى إطالة
عمر الاحتلال، وأنه لا بد من الاقتداء
في هذا المجال بمواقف حركتي حماس و
الجهاد التي تحرم إسالة الدم
الفلسطيني بالرغم من اختلافهما مع
السلطة، وبالرغم من بشاعة الاحتلال
الاستيطاني لديهم.
وفي إطار هذا الموقف الإسلامي فإن
الاتحاد الإسلامي الكردستاني (ثالث
أكبر حزب سياسي بكردستان)، الذي دخل مع
حزبي برزاني وطالباني انتخابات
الجمعية الوطنية العراقي في قائمة
واحدة ( قائمة التحالف الكردستاني)،
تعكس توحد المواقف الكردية، يرى: أنه
لا ينبغي استخدام الظرف الأمني كحجة
لعدم المشاركة بالانتخابات التي يمكن
أن تساهم في بناء دولة القانون وأسس
الدولة الحديثة، و الحكومة المدنية،
وتهيئة الأجواء للحريات والاعتراف
بالآخر والتعايش الأخوي.
 |
|
الدكتور علي القره داغي |
وفي
هذا السياق، جاء النداء الذي وجهه
مؤخرا الدكتور علي محيي الدين القره
داغي، رئيس الرابطة الإسلامية الكردية
وعضو الأمانة العامة للاتحاد العالمي
لعلماء المسلمين، حيث دعا فيه الشعب
الكردي إلى ضرورة المشاركة في
الانتخابات وبقوة، كوسيلة لرفع الظلم
عنهم وعن العراقيين جميعا.
وإذا
كان هناك عشرات من الشباب الكردي من
مجموعة "أنصار الإسلام" قد
اختلطوا بمجموعة "أنصار السنة"
وجماعة "التوحيد و الجهاد" اللتين
تناهضان الاحتلال عسكريا، فإن موقف
هؤلاء لا يمثل إلا تلك المجموعة التي
تتبنى فكرا تكفيريا للحكومة الكردية
والعراقية على حد سواء، وهي بالتالي من
الطبيعي لها أن تدخل في قتال مع
الاحتلال و الحكومة معا. وموقف هؤلاء
مختلف تماما عن موقف الاتحاد الإسلامي
الكردستاني و الجماعة الإسلامية،
والجماعة الأخيرة بالرغم من أنها هي
الوارث الحقيقي للحركة الإسلامية
المسلحة، و بالرغم من أن أميرها الشيخ
علي بابير ما زال معتقلا عند سلطات
الاحتلال فإنها تتبنى سياسة سلمية
وشاركت في الانتخابات بقائمة مستقلة.
أهداف
المشاركة
ويمكن
حصر أهداف الكرد من المشاركة في
الانتخابات في الآتي:
-
أولا: هذه الانتخابات ستختار الجمعية
الوطنية العراقية التي سيوكل إليها
عدة مهام مصيرية بالنسبة للكرد، وعلى
رأسها صياغة الدستور الدائم الذي
سيحدد العلاقة بين الحكومة الكردية
والمركزية، ويسعى الأكراد لأن يضمنوا
إقرار الدستور لصيغة الفيدرالية
كتكييف لهذه العلاقة، والجمعية ستحدد
أيضا ميزانية العام 2006.
-
ثانيا: الجمعية الوطنية ستحسم بشكل
نهائي مشكلة حدود إقليم كردستان، وهو
ما يتطلب حضورا كرديا فاعلا في المجلس،
لأن هذه القضية هي الأكثر تعقيدا،
ونعني بها تحديدا قضية كركوك وما
جاورها (سنجار و خانقين بدرة و جسان)
وبقية المدن المتنازع عليها بين
الحركة الكردية والحكومات المركزية
المتعاقبة، وتبقى كركوك (قدس كردستان،
كما يقول الساسة الكرد) بثروتها
النفطية الهائلة هي أبرزها، وعلى
صخرتها انهارت اتفاقية 11 مارس 1970 التي
كانت تمنح للأكراد غالبية حقوقهم،
لكنها لم تكن تقر كردستانية هذه
المدينة التي تعرضت لعملية تغيير
ديموغرافي منتظمة وبشعة في عهد صدام.
والكرد يعتبرون هذه القضية من الخطوط
الحمراء بالنسبة لهم ويطالبون بضرورة
إعادة المهجرين الكرد إليها وإزالة
آثار الممارسات السابقة، تنفيذا
للمادة 58 من قانون إدارة الدولة
العراقية.
-
ثالثا: هناك اختلاف على نسبة الكرد بين
العراقيين، ولهذا الأمر علاقة
بالميزانية - التي ستخصص للإقليم والتي
يطالب الكرد بزيادتها – وكذلك بحجم
المشاركة السياسية في الحكومة و جميع
المؤسسات، والقادة الكرد يرون أن
المشاركة الفاعلة في الانتخابات ستبرز
ثقلهم الديمغرافي الحقيقي بين
العراقيين.
إذن
الفيدرالية، و كركوك وأخواتها، و
زيادة الميزانية المخصصة للكرد، و
زيادة حصة المشاركة في مؤسسات الدولة،
كل هذه أهداف خاصة بالكرد جعلتهم
يقبلون بشكل جماعي تقريبا على
المشاركة بقوة في العملية الانتخابية،
علاوة على أهمية السلطة التشريعية في
أي بلد، ودورها في تقرير مستقبل العراق
السياسي وفي بقاء القوات الأجنبية،
فهل سينجح الأكراد في تحقيق أجندتهم
الخاصة؟ هذا ما ستجيب عنه الأحداث التي
سيشهدها العراق في الشهور القليلة
المقبلة.
اقرأ
أيضا:
** باحث
عراقي في العقيدة والفلسفة والعلوم
السياسية
|