|
سُنة
العراق.. جواد رابح أم خاسر في
الانتخابات؟
|
|
محمد
جمال عرفة**
|
26/01/2005
|
|

|
|
ملصق للرئيس غازي الياور أبرز الوجوه السنية المشاركة بالانتخابات
|
ليس
هناك تفسير لحملة الترغيب والترهيب
الأمريكية المستمرة لسنة العراق العرب
الذين يقاطع معظمهم انتخابات يوم 30
يناير 2005 سوى أن الأمريكان في مأزق
حقيقي اعترفوا هم به، ووصلت حملة
الترهيب لدفع العرب السنة للمشاركة في
الانتخابات لحد قتل قرابة خمسة من
علماء هيئة علماء المسلمين خلال 2004،
واقتحام عشرات المساجد واعتقال قادة
الهيئة عدة مرات.
وليس
هناك تفسير لهذا الحرص على إشراك السنة
في الانتخابات بكافة السبل، لحد
الحديث عن "تعيين" عدد منهم في
الجمعية الوطنية وفي الحكومة المقبلة
حتى لو لم يشاركوا في الانتخابات
المؤهلة للوصول للحكم سوى أن الاحتلال
يدرك جيدا أن عدم مشاركة السنة معناه
قيادة سفينة العراق الغارقة بمجداف
واحد هو مجداف الشيعة فقط؛ ما يعني
غرقها في نهاية الأمر وغرق الاحتلال في
أوحال أعمق في العراق.
فالاحتلال
يدرك تماما أن العراق قام منذ القرن
الثامن الميلادي على منظومة حكم تقوم
على تولي السنة غالبية المناصب
السياسية بصرف النظر عن معركة التعداد
الطائفي التي تدور حاليا بين السنة
والشيعة حول أي الفريقين أكثر عددا،
ويدرك أن تحويل دفة هذه المنظومة عنوة
في الاتجاه الآخر في ظل إصرار بعض
مراجع الشيعة على الاستفادة من الظروف
الحالية ومقاطعة السنة للعملية
السياسية في تغيير هذه المنظومة
القديمة، ليس في صالح العراق الجديد
الذي يسعى لخلقه كنموذج للحكم في
المنطقة العربية يحتذى به.
والأهم
أن الاحتلال يدرك أن عدم اشتراك السنة
في الانتخابات في العراق سيكون معناه
استمرار المقاومة العراقية الشرسة
واستمرار مهاجمة قوات الاحتلال والحرس
الوطني واستهداف أقطاب الحكومة
المقبلة، وربما تزايد أعداد القوى
المنضوية تحت لواء المقاومة طالما لا
تمثل في العملية السياسية، واتساع
المقاومة وعدم قصرها فقط على السنة أو
أنصار المقاومة الإسلامية.
فقد
سعى الاحتلال بكافة السبل لإشراك
السنة في الانتخابات، ووضع ثقله مؤخرا
باتجاه فكرة بث الفرقة بين أهل السنة
ودفع فريق منهم للمشاركة للإيحاء بأن
هناك انقساما، وأن المقاطعين هم فقط
أعوان المقاومة والنظام السابق، وكاد
أن ينجح إعلاميا في هذا الطرح عندما
قرر الحزب الإسلامي العراقي المشاركة
في الانتخابات، ولكن حتى هذه الورقة
احترقت عندما أعلن الحزب الإسلامي
انسحابه هو وقرابة خمسة من كبريات
العشائر العراقية السنية من المشاركة
في الانتخابات.
ولم
يعد أمام الاحتلال سوى سلاح ضعيف يعتمد
عليه هو تشويه مواقف القوى الرافضة
لإجراء الانتخابات خصوصا في المحافظات
السنية الشمالية (صلاح الدين وديالي
والأنبار ونينوى) ونشر شائعات عن
مشاركتهم في اللحظات الأخيرة، مثل البيان الذي أصدرته دائرة العلاقات
الإعلامية في مجلس وزراء الحكومة
المؤقتة مطلع هذا الأسبوع، وادعت فيه
صدور بيان مشترك بين فرع هيئة علماء
المسلمين في محافظة ديالي والحزب
الإسلامي يدعوان فيه إلى المشاركة في
الانتخابات العراقية المزمع عقدها
نهاية الشهر الجاري، وهو ما نفته
الهيئة.
ووسط
هذه الحرب الدعائية والإعلامية تعالت
أصوات تتساءل: هل من صالح سنة العراق
المشاركة في هذه الانتخابات أم لا؟
وألا تعني عدم المشاركة إهدارا لدورهم
في قيادة العراق على مدار عدة قرون
وإعطاء الشيعة فرصة السيطرة على حكم
العراق لأول مرة منذ قرون؟.
لا
شك أن سنة العراق هم جواد هذه
الانتخابات الرابح بالنظر إلى سعي
كافة القوى الخارجية خطب ودهم
وإقناعهم بالمشاركة، وبالنظر إلى
النأي بأنفسهم عن شبه التعاون مع
الاحتلال والمحتل والفوز على أسنة
رماح المحتلين، ولكن لا يعني هذا أن
عدم المشاركة كلها فوائد، فهناك
سلبيات أخرى لعدم المشاركة قد لا
يكونون هم مسئولين عنها.. وبشكل عام
يمكن رصد مكاسب أو خسائر السنة من عدم
المشاركة في الانتخابات على النحو
التالي.
مكاسب
عدم المشاركة
1-
أهم مكسب هو كشف حقيقة الاحتلال
الأمريكي، وإظهار أن الانتخابات غير
صحيحة ولا نزيهة، وإلقاء الضوء على
جوهر مشكلة العراق الحقيقية وهي
الاحتلال لا الانتخابات.
2-
الإصرار الأمريكي على إشراك السنة
طوعا أو كرها، أظهر قوة سنة العراق
وأنهم ليسوا مجرد نسبة مئوية يمكن
تمثيلهم بعدد من مقاعد الحكم، ولكنهم
رمانة الميزان.
3-
عدم المشاركة يعطي مبررا للمقاومة (وغالبيتها
سنية) كي تستمر في القتال لحين انتهاء
الاحتلال وإجراء انتخابات حقيقية حرة،
أما مشاركة ولو قسم ضئيل من السنة
فمعناها الترويج لمقولات الاحتلال بأن
المقاومة ليست سوى مجموعات من
الإرهابيين، طالما أن كفة فصائل الشعب
العراقي تشارك في الانتخابات والسلطة.
4-
عدم المشاركة يفوت على الاحتلال
وأنصاره فرصة إعادة تقسيم السلطة
والنفوذ في العراق لصالح المتعاونين
معه؛ لأن أهم طرف في المعادلة الثلاثية
(سنة – شيعة- أكراد) لن يشارك.. وقد ألمح
لهذا د. مثنى حارث الضاري المتحدث باسم
"هيئة علماء المسلمين" في العراق
عندما تحدث عن "مخطط" يحاك
للإيقاع بالقوى الوطنية الشريفة
المناهضة للاحتلال كي تساعد في ترسيخ
أمر واقع، بحيث يجري تشجيعها على
المشاركة في الانتخابات ثم منعها من
الفوز بقصد إضفاء الشرعية على المحتل
ومن سيمثل المحتل بعد هذه الانتخابات،
وشدد على أن النتائج محسوبة ومحسومة
مقدما لمن يريدهم المحتل من
المتعاونين معه.
5-
عدم مشاركة السنة يُعظم ويثمن دور دول
الجوار السنية لدى الأمريكان خصوصا
سوريا والأردن وكذلك مصر، بحيث يسعون
لإشراك هذه الدول في حل الأزمة وإقناع
السنة وتقديم تنازلات وهو ما حدث
بالفعل، الأمر الذي سيكون له -مستقبلا-
مردود إيجابي، خصوصا في ضوء التقارير
التي تتحدث عن دور إيراني نشط في
العراق لضمان فوز الشيعة بغالبية
مقاعد الحكم.
6-
يمكن للسنة أن يكون لهم تأثير على
مستقبل العراق السياسي من خلال حق
النقض (الفيتو)؛ فالقوانين تقول إنه
إذا صوتت ثلاث محافظات من بين 18 محافظة
عراقية ضد الدستور في أكتوبر المقبل
فلن يمكن إقرار الدستور الجديد، وهناك سبع محافظات
عراقية سنية خالصة.
7-
من شأن عدم مشاركة أعداد كبيرة من
السنة في الانتخابات أن يقلل هذا من
مصداقية البرلمان العراقي الجديد ومن
الدستور الذي سيضعه؛ وبالتالي من
شرعية العملية السياسية ككل.
خسائر
عدم المشاركة
1-
عدم مشاركة السنة معناه زيادة الفرز
والاستقطاب بين القوى الدينية
والطائفية العراقية خصوصا السنة
والشيعة؛ وهو ما قد يسهم في زيادة فرص
الحرب الأهلية في العراق، وهو أمر لم
يستبعده قادة الاحتلال الأمريكي في
العراق وتنبأت به مراكز الأبحاث
الأمريكية التي تنصح الإدارة
الأمريكية أيضا.
2-
عدم مشاركتهم قد يؤدي لزيادة حالة
الانقسام والبلبلة في العراق، وإضعاف
"العرب العراقيين"؛ وهو ما قد
يشجع أطرافا غير عربية الأصل تسعى
للانفصال، مثل الأكراد للانفصال في
الشمال بدويلة كردية مستقلة عمليا عن
المركز، وقد ألمح لهذا وزير الداخلية
العراقي فلاح النقيب عندما قال: "إذا
تمزق العرب العراقيون الذين يشكلون
الغالبية العظمى والعمود الفقري في
البلاد فيما بينهم فإن البلد سيمزق هو
الآخر ويتحول إلى إمارات، ونعود خمسة
آلاف سنة إلى الوراء"، واعتبر عدم
مشاركة سنة العراق واستمرار عمليات
المقاومة "مؤامرة كبيرة على هذه
الانتخابات".
3-
عدم مشاركة السنة لن يوقف خطط الاحتلال
في إجراء الانتخابات بدونهم، بحيث
ستتغير فقط الخطط من إشراكهم في
الانتخابات إلى إشراكهم في الحكم
مباشرة عبر مقاعد نيابية ومناصب
وزارية محددة يسهل إغراء بعض الرموز
السنية بها، ويتردد أنه تم استقطاب قسم
من السنة في قائمة (الباجة جي)، وقائمة (إياد
علاوي)، وقائمة الرئيس المؤقت (غازي
الياور)، وأن الرئيس بوش مازح الدكتور
عدنان الباجة جي عندما سافر إلى واشنطن
وبرفقته 5 شخصيات عراقية قبل أكثر من
شهر، وقال له: "إنك ما زلت شابًّا
وأنت أصغر مني سنًّا، وهناك كثير من
المهمات التي تنتظرك في المستقبل"،
في إشارة لتوليه منصب كبير قد يكون
منصب "رئيس الجمهورية".
4-
انتخاب برلمان ثم حكومة عراقية لا
يشارك فيها السنة ومتعاونة بالكامل مع
الاحتلال سوف يترتب عليه قيام هذا
البرلمان وهذه الحكومة بالتورط في
التوقيع على اتفاقيات مع دولة
الاحتلال الأمريكية اقتصادية وتجارية
وقانونية وسياسية ربما يكون أخطرها
قوانين إسقاط التعويضات للعراقيين عن
جرائم الاحتلال التي وضعها الحاكم
الأمريكي السابق بول بريمر، ومن ثم ليس
فقط ضياع حقوق ضحايا الفلوجة وغيرها،
ولكن أيضا استباحة باقي المدن
العراقية السنية دون قلق من محاكمات أو
تعويضات.
5-
ستكون الانتخابات بذلك فرصة "تاريخية"
للشيعة للفوز في الانتخابات وتولي
المناصب الكبرى وتغيير المعادلة
القديمة الخاصة بسيطرة السنة على
غالبية المناصب السياسية والعسكرية في
العراق رغم أن نسبة السنة -وفق تقديرات
سنية- تبلغ ما بين (52-54%) من السكان،
والشيعة 45 % والباقي تركمان ومسيحيون
وغيرهم.
وقد
لفت النظر إلى هذه السيطرة السنية
القديمة في العراق (والتي تحير
الاحتلال وتمنعه من تجاوز دور سنة
العراق) الدكتور عبد الله النفيسي
المفكر الإسلامي الكويتي في دراسة
له نُشرت في إبريل الماضي نقلا عن
مراجع عراقية تاريخية، وقال: إن الحملة
العسكرية الأمريكية 2003 التي أدت لسقوط
النظام ومعه معادلة "الاصطفاف
السياسي للطوائف" وضعت كل الطوائف
والفئات في العراق على مفترق طرق جديد
تماما.
|

|
|
القوات الأمريكية كثفت من حملات الاعتقال في المناطق السنية والصورة لجندي أمريكي يعتقل عراقيا في الموصل
|
وقال:
إن سيطرة السنة تعود إلى مدى أربعمائة
عام من سيطرة الدولة العثمانية على
بلاد ما بين النهرين -لاحقا العراق-
والتي استعان خلالها العثمانيون
بالعرب السنة لإبعاد إيران الصفوية (الشيعية)
عن أي صورة من صور النفوذ في العراق؛
ولأن العثمانيين أنفسهم من أهل السنة
حرصوا على التعاون مع العرب السنة في
العراق وتوليتهم المناصب وأبعدوا
الشيعة.
وعندما
احتل الإنجليز بغداد 11 مارس 1917، وانسحب
العثمانيون منها وجدوا إطارات الإدارة
العليا في "ولاية بغداد" جلهم من
العرب السنة، فعمد الإنجليز أيضا إلى
الاعتماد على الإطارات الإدارية
القائمة.
وهناك
بالتالي مخاوف أن يغير الاحتلال هذه
المعادلة القديمة في العراق القائمة
منذ مئات السنين وهي سيطرة السنة على
دواليب الحكم الهامة طالما يتعارض
وجودهم السياسي القوي مع مصالحه
ويحققها تزايد النفوذ الشيعي، رغم أن
مصادر أمريكية ترى العكس وتقول إن
الاحتلال وبوش في موقف لا يحسدون عليه
بين مطرقة سنة العراق جناحهم العسكري (المقاومة)،
وبين سندان الشيعة الذين تخشى واشنطن
أن يكونوا واجهة للنفوذ الإيراني
الراغب في التمدد في العراق على حساب
واشنطن.
الأكراد
السنة.. قوة مجهولة
وهناك
قوة سنية أخرى مجهولة في العراق يحرص
الاحتلال على فرزهم كقوة منفصلة عن
السنة العرب هم الأكراد السنة،
ومشكلتهم أن التهميش المستمر بالقوة
لهم في المثلث الحدودي بين العراق
وسوريا وتركيا دفع قادتهم العلمانيين
في كثير من الأحيان للارتماء في أحضان
قوى خارجية، ولكن هناك حركات إسلامية
سنية كثيرة ظهرت أيضا بين الأكراد في
كردستان أبرزها "الحركة الإسلامية
في كردستان" و"جماعة أنصار
الإسلام".
وقد
لعب الاحتلال الأجنبي دورا في تأليب
السنة الأكراد العلمانيين على
التيارات الإسلامية الكردية الأخرى
بدعوى أن الإسلاميين إرهابيون، ويجب
التخلص منهم كثمن لتلبية الأمريكان
بعض مطالب الأكراد في حكم ذاتي في
كردستان.
وقد
نشر موقع أيوبي الخاص بأكراد إسلاميين
سنة أن حملة اعتقالات واسعة ضد
الإسلاميين في كردستان جرت عقب
الاحتلال الأنجلو – أمريكي، وأن
ميليشيات الحزبين الحاكمين
العلمانيين في كردستان (الاتحاد
الوطني والديمقراطي الكردستاني) قاما
خلال الأيام الماضية بشن حملة من
الاعتقالات الواسعة والمنظمة التي
استهدفت عناصر إسلامية ناشطة في
كردستان.
سنة
العراق قد يكونون هم أكبر الخاسرين في
حالة إذا ما أجريت الانتخابات في
موعدها على المدى القريب، ولكنهم -مع
توقعات تزايد وتوسع وتيرة المقاومة ضد
الاحتلال وظهور مخاوف الحرب الأهلية
وتزايد الدور الإيراني– سيكونون على
المدى البعيد هم أكثر الفائزين؛ لأنهم
سيكشفون بذلك أوراق الاحتلال الحقيقية
وحكومة العراق الجديدة العميلة له،
وسيضطر الجميع لخطب ودهم وقبول
مطالبهم للعودة للعب دور تاريخي في
الحفاظ على استقلال ووحدة العراق.
اقرأ
أيضا:
**
محلل الشئون السياسية بإسلام أون لاين.نت.
|