وفي
مقاله "الانتخابات العراقية: وقت
المرونة" -الذي نُشر في صحيفة "واشنطن
بوست" الأمريكية في الأسبوع الثاني
من هذا الشهر، ثم أُعيد نشره في مركز
"بروكينجز"- يشير "أو. هانلون"
إلى عدم جدوى إجراء الانتخابات
العراقية يوم 30 يناير2005؛ معللا ذلك بأن
الإستراتيجية الانتخابية التي كانت قد
وضعتها الإدارة الأمريكية، لم تَعُد
مواكبة أو ملائمة لمجريات الأحداث
وتطوراتها؛ فمعظم العرب السنة ليس
لديهم أي رغبة أو نية حقيقية للإدلاء
بأصواتهم في الانتخابات؛ وأكبر دليل
على ذلك، هو خروج عدد كبير من
السياسيين السنيين من حلبة
الانتخابات؛ هذا غير ما كشفت عنه
استطلاعات الرأي التي عكست قدرا ضئيلا
جدا من الحماسة السنية تجاه
الانتخابات على عكس حماسة الطوائف
الأخرى، مثل الأكراد والشيعة.
وبناء
على ذلك، فإنه من المتوقع -تبعا لنظام
التصويت الموجود بالعراق- انتخاب حفنة
قليلة من السياسيين السنيين، الأمر
الذي سيؤدي في النهاية إلى زيادة حدة
الاحتقان في وسط جماهير السنة، ومن ثَم
انعزالها عن بقية المجتمع العراقي،
كما سيؤدي إلى زيادة التعاطف الشعبي
تجاه "متمردي السنة المظلومين"،
مما سيجر الخراب والدمار ليس على طائفة
السنة فقط، وإنما على الشعب العراقي
بأسره. ومن
ثَم، يرى "أو. هانلون" أن تأجيل
الانتخابات هو الحل الوحيد لاجتياز
تلك الإشكالية.
وبالرغم
من تأييد "أو. هانلون" لموقف
الرئيس الأمريكي "جورج دبليو. بوش"
المُدعم لإجراء الانتخابات في موعدها
المتفق عليه، وبالرغم من تأييده لموقف
"بوش" الرافض لتأجيل الانتخابات
لكون ذلك سيؤدي إلى مضايقة كل من
الشيعة والأكراد الذين ينتظرون
الانتخابات بفارغ الصبر "ليستردوا
بلادهم بعد عقود من الاضطهاد السُني"،
ولكون هذا التأجيل سيؤدي أيضا إلى جعل
السنة أقل إقبالا على الانتخابات،
وأقل استعدادا لها... بالرغم
من كل ذلك، فإن "أو. هانلون" يرى أن
العراق يمر الآن بمرحلة تقتضي التعامل
معها بليونة ومرونة وحنكة؛ وأن تأجيل
الانتخابات يمثل تلك المرونة والحنكة.
إلا
أنه لا يترك هذا التأجيل مفتوحا على
مصراعيه، بل يضع له أهدافا ومقاصد،
وكذلك يضع له حدودا وشروطا.
فأما
الأهداف والمقاصد من وراء هذا
التأجيل، فهي تتمثل أولا في إلحاق
الهزيمة الساحقة بحركات المقاومة
السنية، وبجميع متمردي السنة؛ وتتمثل
ثانيا في تقليل قدراتهم على التعبئة
والتجنيد، ومن ثَم تقليل أي دعم إضافي
قادم إليهم من الشعب العراقي.
وحسب
رأي "أو. هانلون"، فإن إجراء
الانتخابات في موعدها المحدد لم يكن
أبدا ليحقق المقصد الأول، وهو الهزيمة
الساحقة بالسنة المتمردة؛ بينما سيكون
تأجيلها عاملا مؤديا -في الغالب- إلى
تحقيق المقصد الثاني، وهو تقليل
قدراتهم على التعبئة. ويفترض الباحث
الأمريكي أنه من هذا المنطلق فقط سيكون
للتأجيل فائدة عظيمة؛ فإضعاف السنة
المتمردة والمقاوِمة -والكلام للباحث-
هو هدف يستحق تأجيل الانتخابات من أجله.
وفي هذا يقول الباحث: "تحت هذه
الظروف فقط، يمكن أن يصير تأجيل
الانتخابات العراقية ولو ليومٍ واحد
ذا فائدة وذا منطق. إلا أن هذا التأجيل
لا بد أن يُدار بحنكة من أجل الحفاظ على
التأييدين الشيعي والكردي، والحفاظ
على ثقة الشعب العراقي على وجه العموم".
وأما
الشروط والحدود، فهي تتمثل -كما يقول
الباحث في نهاية الفقرة السابقة- أولا
في الحفاظ على التأييدين الشيعي
والكردي؛ بمعنى أن يقوم العراقيون
أنفسهم بإعلان هذا التأجيل، بدءا من
رئيس الوزراء الشيعي إياد علاوي
والرئيس السني غازي الياور، وانتهاء
بسياسيين آخرين سواء من الحكومة أو من
المعارضة؛ المهم في الأمر كله ألا يعلن
التأجيل من قبل الأمريكيين. وثاني هذه
الشروط يتمثل في تحديد فترة التأجيل -ربما
ثلاثة أشهر- على أن يُراعى أمران مهمان:
1)
أن تكون الفترة كافية للسماح بإقامة
حملة سياسية ضخمة.
2)
ألا تطول الفترة أكثر من اللازم، حتى
لا يتولد الإحساس ولا يشيع الانطباع
بأن أمر الديمقراطية العراقية قد ذهب
وانقضى.
وثالث
الشروط، أن يكون تأجيل الانتخابات
مصحوبا بتعهد القيادات السياسية
السنية الأساسية بالاستعداد الفعلي
للانتخابات، وبالتجهيز العملي لها،
وبالانخراط الجاد في الحملة
الانتخابية، وبتشجيع جماهير السنة على
التصويت. وكذلك أن يكون التأجيل مصحوبا
بقبولهم العلني للتوقيت الجديد لبدء
الانتخابات.
وآخر
شرط، ألا يُفهم من هذا التأجيل أنه
سيتم القضاء المطلق على التمرد السني؛
فهو لا تمكن هزيمته -كما يقول الباحث-
في بضعة أشهر؛ لذا فيجب ألا يفسر
التأجيل أبدا على أسس أمنية. وإنما يجب
تفسيره على أساس تحسين وضع السنة، من
خلال إتاحة الفرصة لهم لكي يثبتوا
أنفسهم سياسيا في العملية الانتخابية.
وفي هذا يقول الكاتب: "يجب على رئيس
الوزراء (علاوي) والقادة العراقيين
الآخرين -مع تأييد أمريكا والدول
الأخرى- القول بأن الانتخابات سوف تؤجل
خصيصا لإظهار حسن النية بخصوص منح
السنة دورا كاملا مكتملا في العملية
السياسية.. ذلك هو الهدف الحقيقي؛ ويجب
أن نقوله".