بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

في الموقع أيضًا:

رواق الأفكار

إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين


بعد سكون نسبي لعاصفة عاتية 
الأقباط..تساؤلات مشروعة حول ملف ساخن

ســـامح فــوزي **

17/01/2005

البابا شنودة في كاتدرائية الأقباط في القاهرة لإقامة احتفالات عيد الميلاد بعد أن أنهى اعتكافه

شهد المجتمع المصري سلسلة متصلة من الحوادث الطائفية في الفترة الأخيرة، بعضها احتل مساحة إعلامية واسعة -مثل أزمة السيدة وفاء قسطنطين- رغم أنه أقل أهمية، والبعض الآخر توارى عن الاهتمام العام رغم أنه أكثر أهمية -مثل حادث قرية منقطين بمركز سمالوط بالمنيا الذي أدى إلى تحطيم ممتلكات بعض المسيحيين إثر سريان شائعة بأن هناك محاولات لبناء كنيسة بدون ترخيص.

ويثبت ذلك مجددا أن الإعلام يصنع الحدث، ويعطيه مساحة الحضور على المستوى الجماهيري، ويحدد مستوى إلحاحه على ذهن المتلقي للخدمة الإعلامية في مجتمع يعتمد إلى حد بعيد على ثقافة السماع أكثر مما يعتمد على ثقافة المعلومات.

وما يفعله الإعلام في هذه الحالات هو إعادة إنتاج روايات تتسيد شارعا غريزيا لا يعرف بعدُ سبل التفكير النقدي، وهو على استعداد أن يضحي بثوابته الوطنية ومكتسبات ميراثه الحضاري في لحظة اندفاع وراء شائعة أو رواية لا يستسيغها عقل أو منطق.

وفي كل مرة يبتلي مصر حادث طائفي يفتح الملف الشائك الخاص بالأقباط، وتتداول نفس الخطابات.. هناك من يتحدث عن مشكلات الأقباط، وهناك من ينكرها.. البعض يتهم الكنيسة بلعب دور سياسي وحشد الأقباط طائفيا، والبعض الآخر ينفي هذا السعي ويدافع عن الكنيسة ورجال الكهنوت. وفريق ثالث يتحدث عن دور سلبي لأقباط المهجر في مقابل من يتحدثون عن دور سلبي مماثل لقوى الإسلام السياسي، وفريق رابع يرفض هذا التفسير وينحي باللائمة على الدولة التي تتهم بالانحياز في تعاملها مع الأقباط.

وهكذا يبدأ كل حادث طائفي بروايات متضاربة وسط مناخ معبأ يسهم الإعلام في تكوينه، وينتهي بخطابات مبعثرة متضاربة حول الشأن القبطي، وهو سيناريو تكررت أصداؤه خلال المنعطفات السياسية التي شهدها القرن العشرون، وزادت وتيرة حدوثه في العقود الثلاثة الأخيرة. ولم تتنبه الدولة والمجتمع إلى هذه الخاصية. ونتج عن ذلك تدوير وإعادة تدوير لأسلوب خاطئ في إدارة الشأن الطائفي.

كيف الخروج من المأزق الطائفي

تحملنا هذه الحالة الملتبسة إلى التفكير بجدية في سبل الخروج من المأزق الطائفي من خلال طرح هندسة سياسية جديدة تتناول المسألة برمتها وليس على نحو مجزأ مبتسر. وفي هذا السياق نطرح جملة من التساؤلات التي أظن أنها اكتسبت مشروعية من توالي طرحها لسنوات دون أن تجد إجابة شافية لها بعيدا عن حديث المصالح والأجندات المعلنة والخفية.

التساؤل الأول: هل للأقباط مشكلات حقيقية في المجتمع المصري؟

هذا السؤال طرحته بحثيا منذ ست سنوات في سياق إعداد كتابي الأول الذي حمل اسم "الخروج من نفق الطائفية.. هموم الأقباط" حاولت فيه أن أطرح المسكوت عنه من أسئلة حتى لا نجد أنفسنا يوما نرزح في نفق الطائفية دون أن نهتدي إلى مخرج يحفظ للمجتمع وحدته، ويكفل للدولة سيادتها. طرحت السؤال على أكثر من ثلاثين مثقفا مصريا من كل الاتجاهات- الليبرالية واليسارية والإسلامية. أجمع من أجريت معهم المقابلات على أن للأقباط مشكلات يعانون منها بسبب قبطيتهم، البعض بالغ في وصفها، والبعض الآخر هون من شأنها. لكن اتفق الجميع على أن السؤال مشروع، وأن المشكلات القبطية قائمة وليس هناك ضرورة أو حكمة في إنكارها.

وفي سياق بحث أجريته بعد ست سنوات من صدور الكتاب بعنوان "رؤى المثقفين الأقباط للمواطنة" استعرضت فيه مختلف الخطابات التي شهدتها مصر حول الشأن الديني طيلة القرن العشرين، ووجدت أن أشهر المشكلات التي يتحدث عنها الأقباط لها جذور بعيدة، والخطابات التي تعبر عنها -المقاصد واللغة والحرارة التعبيرية- تكاد تتناسخ في حالة درامية من إنتاج الأزمة والذات الثقافية المعبرة عنها على السواء.

مشكلتان أساسيتان

في هذا السياق هناك مشكلتان أساسيتان شغلتا الوعي القبطي خاصة والمصري عامة: الأولى غياب التمثيل السياسي الملائم للأقباط وعدم توليهم المواقع القيادية سواء في المؤسسات السياسية وجهاز الدولة البيروقراطي واستبعادهم من أجهزة توصف بأنها العمود الفقري للدولة مثل المناصب العليا في أجهزة الأمن وغيرها من المؤسسات الأساسية التي تقوم عليها الدولة- أي دولة.

والمشكلة الثانية هي العقبات القانونية والإدارية التي تعترض بناء وترميم الكنائس. بالتأكيد هناك مشكلات أخرى ولكن هاتين المشكلتين تصدرتا قائمة الاهتمام.

ومن الملاحظ أن المشكلة الأولى قائمة منذ أكثر من قرن كامل، أما الثانية فتعود لأكثر من نصف قرن.

فقد قدم وفد قبطي عام 1897 عريضة إلى اللورد كرومر المعتمد البريطاني في مصر ومصطفى باشا فهمي رئيس الوزراء المصري آنذاك يشكو فيها من عدم تعيين الأقباط في المناصب العليا وضعف تمثيلهم في المؤسسات السياسية. وهما نفس المطلبين اللذين تكررا في البيان الصادر عن المؤتمر القبطي الذي عقد عام 1911.

ولكن المشكلتين ظلتا بلا حل وإن خفت حدتهما في سياق مظاهر الوحدة الوطنية العارمة التي شهدتها ثورة 1919. وفي عام 1934 أصدر العزبي باشا-وكيل وزارة الداخلية في حكومة أقلية ما يعرف بالشروط العشرة لبناء الكنائس- وهي تمثل جملة من القيود والمعوقات التي تحول دون بناء الكنائس وتشكل مظهرا للتفرقة بين المصريين في بناء دور العبادة حتى الآن.

وهناك كتاب مهم صدر عام 1950 بعنوان "فرق تسد" من تأليف زغيب ميخائيل وهو طبيب من أبو قرقاص بالمنيا وقدم له المفكر سلامة موسي. يحوي الكتاب شهادة إدانة لما عرف في تاريخ مصر بالعهد الليبرالي من خلال رصد مشكلات قبطية جديدة -إلي جانب هموم بداية القرن السابق الحديث عنها- مثل عدم تخصيص برامج في الإذاعة للأقباط والقيود التي تعترض بناء وترميم الكنائس وحرمان من سماهم الكاتب نوابغ الطلاب الأقباط من البعثات الدراسية في الخارج.

إذن المشكلات القبطية ليست مستحدثة. والخطابات المرافقة لها ليست جديدة أيضا. ورغم كل ذلك لا يزال هناك حديث متنام عن المشكلات القبطية، ويبدو أن قرنا كاملا لم يكف لحلها، ووصلت درجة تفاقمها إلى حد قد يؤدي إلى حدوث انفجار غير محسوب العواقب. ويدفعنا ذلك إلى السؤال الثاني مباشرة:

التساؤل الثاني: لماذا يتصاعد خطاب المشكلات القبطي؟

الإجابة عن هذا السؤال يجب أن تكون عكسية بمعنى: متى يخفت الحديث عن المشكلات القبطية؟

حين يكون هناك مشروع جامع للأمة (بالمعنى السياسي) يتوارى الحديث عن الشأن الطائفي. في ثورة 1919 وما تلاها من جهود تأسيسية لاستكمال إنشاء الدولة الحديثة ساد خطاب المواطنة على المستوى الشعبي رغم أن الشقاق الطائفي بلغ ذروته عام 1911 أي قبل اندلاع الثورة بسنوات.

تخلى الأقباط عن المطالبات الطائفية لمصلحة الديمقراطية والاستقلال، وهم على يقين أن تبني المواطنة- فكرا وممارسة كفيل بتصفية همومهم الخاصة. وفي الستينيات عندما كان هناك مشروع سياسي جامع تكرر نفس المشهد تقريبا ولكن على نحو مختلف. فبدلا من أن ينشط السياسيون الأقباط في المجال العام كما كان الحال قبل عام 1952 تحول التكنوقراط الأقباط إلى جزء حيوي من ماكينة الدولة المصرية.

ولكن في السبعينيات وما تلاها تراجع مفهوم المواطنة والجماعة الوطنية لصالح عدد من المشروعات التفكيكية أبرزها المشروع الانفتاحي ذو الطبيعة الاستهلاكية الذي أعاد تعريف الصالح العام على نحو يجعله مرادفا للمشروع الخاص الضيق، والمشروع السياسي ذي الإسناد الإسلامي الذي جعل الأممية الدينية تسمو على الوطن والجماعة الوطنية.

رافق ذلك نمو نزعة محافظة في المجتمع القبطي، وزاد التقوقع في صفوف الأقباط، واستطاعت الكنيسة أن تضم في رحابها الطبقة الوسطى القبطية وشرائح من الطبقة العليا، وكذلك الفقراء التي أضحت بالنسبة لهم شبكة أمان اجتماعي في مواجهة مجتمع جديد ترجع فيه الدولة القهقرى دون أن تسمح بظهور مجتمع مدني حقيقي يؤمن انسحابها. واكتسبت الكنيسة شرعية هذا الوضع الجديد من مواجهة لها شواهدها مع المد الإسلامي المحافظ الذي عكست أدبياته ومواقفه حالة ملتبسة مع الأقباط.

هل أضاع الإسلاميون فرصة تاريخية؟

وفي تقديري أن التيار الإسلامي بمختلف فصائله أضاع فرصة تاريخية وذلك بعد أن أخفق في تأسيس تيار سياسي جامع يقوم على أساس مفهوم المواطنة في وقت أصبحت فيه شرعية الحكم في اختبار حقيقي. وبقي بعد أكثر من ثلاثة عقود تيارا طائفيا نظرا لأنه فشل في جذب الأقباط إلى صفوفه عدا أشخاص محدودين ليس لهم قواعد شعبية حقيقية.

وكان في استطاعة التيار الإسلامي أن يكون التيار الجامع للأمة (بالمعني السياسي) على غرار تجربة حزب الوفد في مطلع القرن إلا أنه أضاع الفرصة عبر ممارسات غير حصيفة أفقدته فرصة التحول إلى التيار الرئيسي في الشارع السياسي سواء من خلال تكفير بعض فصائله للأقباط، والتماس البعض الآخر العنف في التعامل معهم، ومراوحة فريق ثالث بين خطابي الذمية التقليدي والمواطنة الحديث.

ويري كثيرون -وأشاركهم الرأي- أن هناك رغبة مستبطنة من جانب عناصر من التيار الإسلامي في صناعة الطائفة القبطية -وذلك مخالفة لما هو معلن من جانب رموز هذا التيار- حتى يكون ذلك بمثابة سند واقعي يبرر وجود هذا التيار على أساس ديني في مجتمع متعدد الأديان من خلال اختزال المسلمين في المشروع الإسلامي -رغم أنهم متعددون سياسيا وفكريا- ودفع الأقباط للتحرك بوصفهم كتلة سياسية واحدة تمتلك مشروعا طائفيا.

من هنا نفسر ترحيب الإسلاميين بالمواقف العامة للبابا شنودة التي تصب في المشروع السياسي العام للتيار الإسلامي مثل الموقف من القضية الفلسطينية أو الرفض المتشدد لبعض الأعمال الفنية التي تسيء من وجهة نظر رموز الكنيسة إلى عقيدتهم وصورتهم في المجتمع.

ولا يتهم أحد البابا شنودة بلعب دور سياسي عندما تصدر عنه مثل هذه المواقف. وأكثر من هذا عندما تحدث البابا شنودة -العام الماضي- في لقاء عام عن تدني مستوى التمثيل السياسي للأقباط وفهم البعض أنه يطالب بالتمثيل النسبي في المجالس المنتخبة لم يلق المطلب القبطي معارضة من جانب الإسلاميين بل على العكس أظهر تصريح نسب للمستشار مأمون الهضيبي -المرشد العام السابق الإخوان المسلمين- ترحيبا بذلك، وطالب الأقباط بإعلان نسبتهم العددية. وذكر د.عصام العريان في ندوة عقدت بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية في ديسمبر عام 2003 ردا على حديث أثرته بهذا الشأن أن الإخوان المسلمين تراجعوا عن هذا الرأي.

ما نريد قوله هو أن إقرار نسبة عددية للأقباط- بوصفهم كتلة سياسية واحدة متماسكة لها مشروع واحد متجانس- هو أحد آليات إسباغ مشروعية على المشروع الذي يتبناه التيار الإسلامي ذاته، والذي بات من الصعب تمريره- في صورته الراهنة- على أرضية المواطنة ولذا فإن الطائفية تكاد تكون هي المدخل الوحيد لخلق إجماع مصطنع حوله. وأتصور أن الكثير من رموز التيار الإسلامي يدركون ذلك.

في الوقت الراهن لم يعد أمام الأقباط والمسلمين- بوصفهم مواطنين مصريين- إلا السعي معا لتكوين تيار سياسي جديد يقوم على أساس الإصلاح. فبعد عقود من الاستقلال الرسمي ثم الفعلي هناك اعتقاد أساسي مفاده أن المجموع الشعبي لم يتمتع بعد بثمار الاستقلال، وهناك حالة من الاحتكار للسلطة والثروة ومصادرة على الحراك الاجتماعي وهو ما يتطلب جهدا شعبيا متواصلا لتحقيق ما سماه البعض الاستقلال الثاني. أي إعادة تأسيس العقد الاجتماعي الحاكم على أساس من الديمقراطية والمشاركة في السلطة، واقتسام الثروة.

في هذا السياق سوف يدمج الأقباط مطالبهم الحقوقية في سياق حركة سياسية قاعدية تطالب بالاستقلال الكامل والديمقراطية الكاملة، وهي شعارات تماثل المطالب التي حركت الجماهير في بداية القرن العشرين، وجعلتهم يؤسسون مجتمعا سياسيا أفضل بالتأكيد مما نختبره الآن بشاهدة مناصري وخصوم هذه الحقبة التاريخية على السواء.

وهكذا يتخلص المجتمع من ملف طائفي بغيض من خلال وضعه في سياق حركة إصلاحية شاملة ممتدة. يشارك فيها الأقباط والمسلمون معا مثلما شاركوا في السابق معا في النضال ضد المستعمر الخارجي.

السؤال الثالث: من يمثل الأقباط؟

تفتح الإجابة عن هذا السؤال ملفا شائكا. في الحقبة الليبرالية كان هناك سياسيون أقباط فاعلون على الساحة السياسية، وكثير منهم دخل البرلمان عبر آلية الانتخابات الحرة حتى في دوائر الغالبية العظمي من الناخبين فيها من المسلمين.

من هنا كان لهم دور رئيسي في إدارة الملف القبطي. في الخمسينيات والستينيات ضرب حزب الوفد، وغابت النخبة المدنية القبطية عن المشهد السياسي، وحل محلهم التكنوقراط الأقباط الذين أصبحوا جزءا من ماكينة الدولة المصرية.

أما في السبعينيات وما تلاها لم يعد لهؤلاء أو أولئك دور في إدارة الملف القبطي، وأصبح هذا الملف برمته في يد المؤسسة الدينية التي تتفاوض نيابة عنهم مع الأجهزة الأمنية. وحرصت الدولة – في إطار سعيها لاحتواء الكيانات الشعبية- على احتواء الأقباط في الكنيسة، ثم اختزال الكنيسة في شخص البابا شنودة. وهو مسلك تتبعه الدولة مع كافة الحالات المشابهة.

إذن الذي صنع هذه الظاهرة هو الدولة. وهنا أختلف مع الذين ينحون باللائمة على البابا شنودة باعتبار أنه أقصى المدنيين الأقباط. هذا الرأي يحمل العديد من المبالغات وينطوي على رغبة في إلقاء اللوم على الآخرين لإراحة النفس من عناء بحث ضروري وذلك لسببين على الأقل:

1. إذا كان البابا شنودة أقصى المدنيين الأقباط عن المشاركة في إدارة الشأن القبطي فمن أقصاهم عن الحياة العامة، وحرمهم من الفعالية السياسية مثلما حرم بقية مكونات الشعب المصري عن المشاركة في الفعل السياسي الديمقراطي؟ ولماذا لم يتمكن هؤلاء المدنيون من بناء قواعد شعبية عريضة في الشارع السياسي؟

هل كان مكرم عبيد أو ويصا واصف من الشخصيات التي صنعت قواعدها السياسية انطلاقا من دعم كنسي أو مباركة بابوية أم صنعوا ثقلهم السياسي من خلال الوجود الحي الفاعل على الساحة السياسية؟ والذين يتهمون المجلس الملي- الهيئة القبطية المنتخبة- بالتقصير في الأحداث الأخيرة- وأشاركهم الانتقاد- هل لعب أعضاء مجلس الشعب الأقباط- وغالبيتهم من المعينين- دورا أو حتى أثاروا سؤالا في أروقة البرلمان حول هذه الأحداث المؤسفة؟

2. الدولة تتفاوض مع رجال الكهنوت ولا تتفاوض مع الشخصيات القبطية المدنية في سياق تراجع دور المثقفين في صنع السياسيات العامة. هذه حقيقة لا تخطئها عين المحلل المتابع للشأن القبطي. فمن إذن الذي أقصى المدنيين الأقباط؟ وهل يستطيع هؤلاء المدنيون أن يديروا الملف القبطي بدون دعم من الدولة؟ القضية إذن تكمن في الدولة التي تجيد اختيار شركائها ومعارضيها على السواء رغم ما يبدو أحيانا من تباعد بينهم.

والدليل على ذلك أن الدولة تخلق الآن نمطا غريبا في نقابة الصحفيين يقوم على وجود نقيب منتخب لا يملك القدرة على إدارة الملف الصحفي بكافة جوانبه ولاسيما في التعامل مع أجهزة ومؤسسات الدولة بما فيها المؤسسات الصحفية المسماة بالقومية، ووجود نقيب الظل الذي يستطيع إنجاز ما لا يستطيع النقيب الرسمي القيام به وبخاصة تجاه قواعد التأييد التقليدية للنقيب المنتخب.

ولماذا نذهب بعيدا ولا نري ما يحدث في الأحزاب السياسية؟ فمن الذي يعطي الأحزاب المشروعية ويحجبها عن جماعات سياسية أخرى؟ أليست هي البيروقراطية الحكومية. ومن الذي يعطي بعض قيادات المعارضة دون غيرها ثقلا في المجال العام ينعكس على علاقتها بالتيارات السياسية التي تنتمي إليها أليست هي الدولة التي تختار التعامل معهم، وتقدم لهم مكاسب محدودة مقارنة بغيرهم؟ ومن يتأمل الاتفاق الأمني الأخير مع القبائل في سيناء يكتشف بوضوح كيف تعيد الدولة تشكيل المجتمع على أساس عشائري قبلي بما يحفظ لها الهيمنة والسيطرة والتغلغل في النسيج الاجتماعي.

إذن الدولة تهيمن على المجتمع من خلال الركون إلى نمط من العلاقات الأولية الذي كان يسود مرحلة ما قبل الدولة الحديثة: التكوينات الدينية والقبلية والعشائرية تتولي مهام ضبط المجتمع لصالح الدولة، وفي المقابل تقدم لها الدولة بعضا من المكانة والهيمنة التي تجعلها متميزة في عيون رعاياها، وتسمح لها في الوقت ذاته بأداء الأدوار المنوطة بها. وهي حالة تقف على النقيض- بحكم التعريف- مع رابطة المواطنة في الدولة الحديثة.

من هنا أختلف مع ما أثاره المستشار طارق البشري- في مقال له- من أن الدولة اقتطعت جزءا من استبدادها وأعطته للإدارة الكنسية، فمن الملاحظ أن كل مؤسسات المجتمع- الحكومية وغير الحكومية- تعمل في سياق منظومة واحدة تهدف إلى تحقيق الضبط والسيطرة، المؤيدون والمعارضون في خدمة الدولة.

وإذا كان مفهوم "الكفيل" مطبقا قانونا في دول الخليج العربي، فإنه مطبق سياسيا في المجتمع المصري بحيث أصبح مفهوم الاستقلال- بمعناه المطلق- غير وارد الحدوث في الوقت الراهن. أدت هذه الظاهرة إلى عدم وجود أية جماعات سياسية أو دينية أو مهنية أو قبلية تتحرك في المجتمع دون وجود كفيل سياسي لها بما في ذلك قوي التيار الإسلامي. وما من المراجعات الأخيرة في فكر وممارسة القوي الراديكالية في المشروع الإسلامي إلا تعبيرا عن الدخول في نظام الكفيل السياسي كشرط للوجود والحركة.

ويعني اللجوء إلى تعيين القيادات الإدارية على المستوى المحلي والمناصب العليا في الجامعات الدخول في نظام الكفيل السياسي. يترتب على ذلك صعوبة نشوء مجتمع مدني حقيقي يستند إلى قيم التنافس الحر والاستقلال والندية. ويتحول المجتمع المدني من حالة شراكة مفترضة مع الدولة إلى حالة خدمة الدولة ذاتها بما يحافظ على مفهوم الاستقرار الأمني والسياسي. استقرار إستاتيكي من خلال التثبيت القسري للوضع الراهن وليس استقرارا نتيجة التفاعل والجدل بين القوي السياسية والاجتماعية السائدة.

المشكلة الحقيقية- في رأيي- تكمن في فكر وممارسة بعض المدنيين الأقباط الذين يراهنون على المؤسسة الكنيسة في دفعهم للحياة السياسية، وهم بذلك يريدون دخول السياسية من مدخل طائفي، ويعولون على رجال الكهنوت في دفعهم للمشاركة في الحياة العامة من خلال تسليمهم الملف القبطي، وهو أمر فضلا عن أنه ينتمي إلى طوباوية سياسية لا يمكن أن يتحقق في الواقع العملي لسبب بديهي هو أن الدولة لن تقبل هذا المنحي نظرا لان القيادات المدنية القبطية لا تتمتع بالتأييد الشعبي القبطي الذي يتمتع به رجال الكهنوت عامة والبابا شنودة خاصة.

وبالتالي فإن التأييد الشعبي الذي تفتقر إليه هذه القيادات سوف يسلبها القدرة على الضبط والسيطرة على الشعب القبطي ويؤثر بالتالي على قدرة الحكم على الحصول على التأييد الكامل له من الأقباط.

ومن ناحية ثانية ليس من مصلحة الدولة- في الوضع الراهن- أن تخلق زعامات مدنية تنافس النخبة الحاكمة في الحلبة السياسية بل كل ما تصبو إليه هو خلق قنوات ضبط دينية تساعد في مهام الاحتواء والسيطرة دون أن تحملها تطلعاتها للعب دور سياسي تنافسي. والدليل على ذلك أن الحكم يرحب بمواقف البابا شنودة العروبية الداعمة له في حين يضجر من مطالبه الحقوقية إذا خرجت عن السياق المعتاد مثلما حدث في أزمة السيدة وفاء قسطنطين. هنا تلعب بعض الصحف دورها في الإثارة والتحريض والاستهداف الشخصي للبابا شنودة حتى تعود الأمور إلى نقطة التوازن في العلاقات بين الطرفين.

البداية المنطقية لاستعادة المدنيين الأقباط لزمام المبادأة في مجال إدارة ملف المواطنة هو تعميق المشاركة السياسية في المجتمع على نحو يجعل هناك فرصة لتشكيل كوادر مدنية قبطية في المجال العام سواء على مستوى التمثيل السياسي أو على مستوى التواجد الفاعل في مؤسسات المجتمع المدني بكافة صورها النقابية والسياسية والأهلية. في هذه الحالة سوف يمتلك المدنيون الأقباط رأس مال اجتماعي يؤهلهم للحضور شعبيا مما يسمح لهم بالمشاركة في صنع السياسات العامة ومن بينها السياسات التي تخص تدعيم المواطنة في المجتمع.

اقرأ أيضا:


** باحث وصحفي قبطي

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 


إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين


من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع