|
ديناميكيات
الصراع في أيرلندا وكشمير
|
|
شيرين حامد فهمي** - عن المركز الباكستاني للدراسات الإقليمية
|
01/01/2005
|
|

|
|
علم شمال أيرلندا
|
إن
فهم طبيعة الصراع يمهد الطريق لحله،
ومن ثم فإن دراسة الحالتين- الكشميرية
والأيرلندية- من منظور مقارن، سيسهل
علينا إسقاط النموذج الأيرلندي للسلام
على الواقع الكشميري.
الحالة
الأيرلندية:
يمكن
القول إن أيرلندا الشمالية كانت تمثل
"الصداع" الأساسي لغرب أوربا منذ
نهاية الحرب العالمية الثانية. فبين
عامي 1966 و1999، وصل عدد القتلى إلى 3.636
بينما وصل عدد الجرحى إلى 36 ألفا، وذلك
عندما تمدد الصراع فيما وراء حدود
أيرلندا الشمالية، مخترقا الأراضي
البريطانية. ومن المؤسف، أن معظم
الضحايا كانوا من المدنيين. وفيما
يلي، موجز عن أهم ديناميكيات الصراع
الأيرلندي:
أولا-
الجزيرة الأيرلندية:
تنقسم
الجزيرة الأيرلندية إلى قسمين:
جمهورية أيرلندا المستقلة في الجنوب،
وولاية شمال أيرلندا أو "أولستر"
Ulster التي تعتبر جزءا من المملكة
البريطانية المتحدة. أما شمال
أيرلندا، فقد كانت تتكون من 9 مقاطعات
حتى عام 1920، حيث تم تقسيم الجزيرة
الأيرلندية ما بين شمال أيرلندا وبين
أيرلندا الجنوب. بعد هذا العام، تم
استقطاع ثلاث مقاطعات -كان أغلبها من
الكاثوليك- من شمال أيرلندا، وضمها إلى
أيرلندا الجنوب التي قطعت صلتها
بالمملكة البريطانية المتحدة، وصارت
جمهورية أيرلندا المستقلة في عام 1949.
إلا أن شمال أيرلندا فضلت الإبقاء على
انتمائها للمملكة البريطانية المتحدة.
وظلت -حتى الآن- المقاطعات الستة
المتبقية في أيرلندا الشمالية جزءا
أصيلا من المملكة البريطانية المتحدة؛
ومن ثم، فإن السبب الرئيسي للصراع في
الجزيرة الأيرلندية يرجع إلى انقسام
أيرلندا الشمالية أو Ulster عن أيرلندا
الجنوب، منذ عام 1920، وتفضيلها
الانتماء إلى المملكة البريطانية
المتحدة.
ثانيا-
الدين أساس الصراع:
يبلغ
تعداد سكان أيرلندا الشمالية أقل من
مليونين. أكثر من 50% ينتمون إلى التوجه
البروتستانتي، ومن ثم يأملون في
البقاء على انتمائهم للمملكة
البريطانية المتحدة، بينما تشكل
البقية الباقية (أقل من 50%) الكاثوليك
الرومانيين الذين يأملون بدورهم في
الالتحاق بالأغلبية الكاثوليكية (3.5
ملايين) الموجودة في جمهورية أيرلندا
بالجنوب. وقد كان التاريخ البريطاني
يلعب دوره في إذكاء الفتن بين
البروتستانت والكاثوليك في الجزيرة
الأيرلندية. فخلال عهد الملك
البريطاني البروتستانتي "هنري
الثامن" في القرن السادس عشر تم
إخضاع أيرلندا الكاثوليكية تحت حكم
إنجلترا البروتستانتينية، وفي خلال
عهد "جيمس الأول" في القرن السابع
عشر ذهب العديد من البروتستانت
ليستوطنوا في أيرلندا الشمالية،
محققين أغلبية بروتستانتينية في
الشمال، نشهدها حتى هذه اللحظة.
ثالثا-
تأجج الأزمة بعد 1969:
في
عام 1969، اندلعت مظاهرات واضطرابات في
شمال أيرلندا -سميت The Troubles- بسبب إصرار
الأغلبية البروتستانتينية على إبعاد
الأقلية الكاثوليكية، مما أدى إلى
حدوث أعمال عنف بين جيش الجمهورية
الأيرلندية IRA الذي كان يرغب في توحيد
شمال أيرلندا بالجمهورية الأيرلندية،
وبين الأيرلنديين الموالين للمملكة
المتحدة. وامتدت شرارة العنف من عام 1969
إلى السبعينيات والثمانينيات التي
تحولت فيها شمال أيرلندا إلى كتلة
ملتهبة من الدمار والإرهاب. وبات هناك
فريقان متصارعان: الفريق الكاثوليكي
التابع لجيش الجمهورية الأيرلندية
الذي يتزعمه "جيري آدمز" و"جون
هيوم"، والفريق البروتستانتي، فريق
شمال أيرلندا، "الموالي أو الوفي"
loyalist للمملكة المتحدة، الذي يتزعمه
"ديفيد تريمبل" و"إيان بيزلي".
الحالة
الكشميرية:
إن
الصراع الكشميري يمكن إدراجه من ضمن
النزاعات المعقدة التي تشتمل على
اختلافات حول أمورٍ عدة: الأرض،
والأيدلوجية، وحق تقرير المصير،
والأمن، والسيادة. وكلما تمر السنون
والأعوام، يزداد الأمر تعقيدا، وتزداد
محاولات التوسط فشلا. وفيما يلي،
ديناميكيات الصراع الكشميري في إيجاز:
أولا- الواقع الكشميري:
تقع
كشمير في وسط ثلاث دول كبرى: الصين من
الشمال والشرق، والهند من الجنوب،
وباكستان من الغرب. تسيطر الهند على
ثلثيها، وهي المنطقة المسماة من قبل
الهند "جامو وكشمير". وتسيطر
باكستان على الثلث الباقي الذي تسميه
"آزاد كشمير" أو "كشمير الحرة".
المناطق الشمالية تخضع لإدارة الدولة
الباكستانية المباشرة. أغلب السكان من
المسلمين، حيث يشكلون 74.9%، بينما يشكل
الهندوس 22.6%، والبوذيون 0.8%.
اندلعت
شرارة الصراع بين الهند وباكستان حول
كشمير في عام 1947، عام تقسيم المنطقة
الكشميرية بينهما. كانت النتيجة هي
دخول الطرفين في ثلاث حروب: في 1948، ثم
في 1965، وأخيرا في 1971 حيث تم تحويل خط
وقف النار CFL (الذي حددته الأمم المتحدة
في 27 يوليو 1949) إلى خط للمراقبة LoC، كما
تم إطلاق "اتفاقية سيملا" التي
نادت بالتسوية النهائية للنزاع حول
كشمير عبر المفاوضات. إلا أن الطرفين
عاودا الدخول في أزمات شبه حربية،
ابتداء من عام 1987 حيث الاستعراض النووي
غير المعلن، مرورا بأزمة "كارجيل"
1999 وسياسة الاستعراض النووي المعلن،
وانتهاء بالتربص العسكري في عامي 2001 و2002.
ثانيا-
رؤى مختلفة:
في
باكستان، ينظر إلى الصراع الكشميري
على كونه "الأجندة غير المكتملة
لخطة التقسيم"، بينما ينظر إليه في
الهند على كونه "الجزء الذي لا يتجزأ
عن الهند"، بينما ينظر إليه من قبل
الكشميريين على كونه نضالا لتحقيق
حريتهم التي انتزعت منهم على مدى 56
عاما. بلغة أكثر تفصيلا، فإن باكستان
ترجع النزاع إلى عام التقسيم في 1947،
فهي ترى في انضمام كشمير إلى الهند في
هذا العام أمرا مخالفا للقانون، حيث تم
هذا الانضمام بعد الاحتلال الهندي
لكشمير ذاتها. وكذلك ترى أنه من حق
الشعب الكشميري تقرير مصيره، ومن ثم
تحديد الوضع المستقبلي لكشمير، طبقا
لقرارات الأمم المتحدة؛ وبناء على
ذلك، فهي تؤيد كل ما يتعلق بكفاح الشعب
الكشميري لنيل حريته، سواء كان هذا
التأييد سياسيا دبلوماسيا أو أخلاقيا.
وعلى الجانب الثاني، ترى الهند في
كشمير -بما فيها الثلث الباكستاني "آزاد
كشمير"- جزءا لا يمكن أن ينفصل عن
الاتحاد الهندي، وأن "التحاقه"
بالهند هو أمر منتهى منه، ولا جدال فيه.
وقد أصدر البرلمان الهندي قرارا في عام
1994، يدعم هذا الموقف. كذلك ترى الهند
كفاح الشعب الكشميري لنيل حريته وحقه
في تقرير المصير.. ترى هذا الكفاح
إرهابا ممولا من قبل الدولة
الباكستانية. وأخيرا، على الجانب
الثالث، يرى الكشميريون -المعروفون
بتاريخهم النضالي ضد الحكام الغزاة
خاصة حكام "الهندو دوجرا"- أن
جهادهم من أجل تقرير مصيرهم هو حق لهم،
ولن يتنازلوا عنه أبدا، يكافحون
سياسيا من خلال 26 حزبا، يجتمعون كلهم
تحت "مؤتمر حوريات لجميع الأحزاب"
APHC. ويكافحون عسكريا من خلال عدد هائل
للجماعات المسلحة غير المنتظمة،
ترأسها جماعة "مجلس الجهاد المتحدة"
MJC. ومما لا شك فيه، أن كفاح الشعب
الكشميري كان وما زال عنصرا مؤججا
للصراع الهندي الباكستاني.
ثالثا-
البطش الهندي ضد الكشميريين:
لوحظ،
في الآونة الأخيرة، ازدياد الاحتجاجات
الكشميرية ضد الاحتلال الهندي، وهي إن
دلت على شيء فإنما تدل على عصارة الظلم
والاضطهاد التي شهدها الكشميريون في
المنطقة الخاضعة للحكم الهندي. وكانت
إحدى الصور الاحتجاجية مقاطعتهم
لانتخابات "لوك صابحا" في عام 1989،
وكذلك خطفهم لابنة وزير الداخلية
المرشح "مفتي سعيد" في نفس العام.
وكان رد الهند عنيفا للغاية، ونرى
آثاره حتى اليوم. فعلى مر الأربعة عشر
عاما الماضية، تم نشر حوالي 700 ألف جندي
هندي في كشمير، وتحت شعار "محاربة
الإرهاب"، بعد 11 سبتمبر، تم قتل
حوالي من 80 ألفا إلى 90 ألف كشميري، تبعا
لمصادر كشميرية، و38.500 تبعا لمصادر
مستقلة. وقد قامت شرطة "جامو وكشمير"
بإحصاء عدد القتلى من يناير 1990 حتى
ديسمبر 2002، فوجدته 94 ألفا، هذا
بالإضافة إلى ترمل 20 ألف امرأة، وتيتم
حوالي 35 ألف طفل.
رابعا-
تطورات بعد الحادي عشر من سبتمبر:
من
الملاحظ، تراجع باكستان -تحت "برويز
مشرف"- عن رؤيتها وموقفها بعد أحداث
سبتمبر 2001؛ فقد استنكر عمليات الكفاح
الكشميري المسلح، وبات يصفها بالإرهاب
والتطرف. كذلك، حظر 5 جماعات كشميرية
"متطرفة"، منها جماعة "جيش محمد"
التي اتهمتها الهند بالقيام بأنشطة
إرهابية في كشمير. والحقيقة أن تراجع
"مشرف" لم يبدأ فقط في أعقاب أحداث
سبتمبر، بل بدأ من قبل الأحداث، حيث
أظهر توجهه نحو "المرونة" مع
الجانب الهندي، واستعداده لمقابلة
الهند "على منتصف الطريق" لحل
النزاع، إلا أنه شدد على عنصر "المرونة"
من قبل الجانبين. أما بالنسبة للهند،
فقد اكتسبت فرصة ذهبية لاتهام الدولة
الباكستانية بالإرهاب، وكونها تسرب
الكشميريين المسلحين عبر خط المراقبة،
بالرغم من إنكار "مشرف" لهذا
الأمر. الخلاصة هي أنه بالرغم من
إبداء الدولة الباكستانية قدرا كبيرا
من "المرونة"، بعد أحداث سبتمبر،
ظلت الدولة الهندية باقية على موقفها
تجاه كشمير.
طالع
في هذا الملف:
اقرأ
أيضًا:
** باحثة دكتوراة بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة.
|