|
نظرية
حل الصراع
|
|
شيرين حامد فهمي** - عن المركز الباكستاني للدراسات الإقليمية
|
01/01/2005
|
|

|
|
جون ديليو.بورتون أحد كبار منظري حل الصراع
|
يشير
البحث إلى حتمية حدوث الصراع في جميع
المجتمعات الإنسانية، سواء على مستوى
الأفراد، أو على مستوى الجماعات، أو
على مستوى المنظمات، أو أخيرا على
مستوى الدول. وجميع الصراعات تقريبا
تدور في فلك الاختلاف، الاختلاف حول
المواقف، والمنظورات، والقيم
الثقافية، ووسائل الاتصال،
والاحتياجات، والأهداف. وقد قسم
المحللون السياسيون -المتخصصون في علم
"حل الصراع" Conflict Resolution- الصراع
إلى درجات مختلفة، فهناك صراعات "عالية
المستوى"، وهناك صراعات "متوسطة
المستوى"، وأخيرا هناك صراعات "منخفضة
المستوى". كذلك قاموا بالتفريق بين
مفهوم "حل الصراع" ومفهومي "إدارة
الصراع" و"تسوية الصراع"، كما
فعل "جون بورتون" John Burton الذي
يعتبر من عمالقة هذا العلم. فبينما
تعني "الإدارة" تحديد الصراع أو
إيقافه عند حد معين، وبينما تعني "التسوية"
التعامل مع الصراع في ظل عمليات
قانونية وسلطوية التي يمكن فرضها على
يد النخبة، تعني كلمة "حل" إنهاء
الصراع جذريا من خلال الوصول –تحليليا-
إلى أصل المشكلة. ومن ثم، فإن حل
الصراعات -على عكس إدارتها أو تسويتها-
يمثل حلا دائما، وليس مؤقتا، للمشكلة.
وكذلك يمثل حلا مرضيا لجميع الأطراف.
ومن
الجدير بالذكر، أن مجال "حل
الصراعات" بدأ يكتسب زخما مضاعفا
بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وبعد
إطلاق الحرب الأمريكية على الإرهاب. فـ"الإرهاب"
صار الآن هو المحدد الأساسي للفاعلين
الدوليين، وليس "الإثنية" أو "القبلية"
كما كان الوضع قبل الحادي عشر من
سبتمبر؛ وبناء عليه، فإن مسألة
الصراعات وحلها في عالم اليوم ستخضع -بلا
شك- إلى هذا المحدد "الإرهابي"
الجديد، وبالطبع سينال الصراع
الكشميري "نصيبا" من هذا الأمر.
آليات
غير تقليدية لحل الصراع
ومن
اللافت للانتباه -كما يشير المركز
الباكستاني للدراسات الإقليمية- هو
تحول آليات "حل الصراع" من
التقليدي إلى غير التقليدي. وقد حدث
هذا التحول بالتحديد في أعقاب الحرب
الباردة عام 1991. فقبل عام 1991، كانت
الآليات التقليدية متمثلة في
المفاوضات، والزيارات الودية بين
المسئولين، والتوسط، والتحكيم، إلا
أنه بعد عام 1991، لاحظنا تطورا حادثا في
منظري علم "حل الصراع"، إذ بدءوا
في إعداد مفاهيم جديدة، واتباع آليات
غير تقليدية. فكان من بين هذه المفاهيم
الجديدة، مفهوم "تحويل الصراع"
Conflict Transformation بدلا من "حل الصراع"،
ومعناه باختصار "التوصل إلى حل وسط
بين الأطراف المتنازعة من خلال القيام
بعمليات متفاعلة interactive processes، تؤدي
بعد ذلك إلى تهدئة الأجواء، أو إعادة
تعريف المصالح، أو العثور على أرض
مشتركة". وكذلك كان من بين
الاقترابات غير التقليدية: استخدام
التكنولوجيا، واستخدام الإعلام،
واستخدام المغريات الاقتصادية ودور
الشركات عبر القومية، بجانب استخدام
دور المنظمات غير الحكومية، ووسائل
حفظ السلام.
وأيا
كانت منهجية "حل الصراع"، فإنه لا
بد من وجود شرط مركزي حتى يؤتي "حل
الصراع" ثماره، هذا الشرط يتمثل في
توقيت ونضج المفاوضات، فالأطراف
المتصارعة تتجه فقط إلى حل صراعاتها
حينما تكون مستعدة لذلك، أي حينما تصل
إلى حالة من اليأس والقنوط، التي تدرك
من خلالها كم الخسائر التي تتكبدها.
عند هذه اللحظة فقط -التي يسميها
المنظر "وليام زارتمان" باللحظة
الناضجة ripe moment- تتسارع الأطراف لكي
تتلقف المقترحات المقدمة لحل الصراع،
والتي كانت دائما تلوح في الأفق، فلا
تجد من يتلقفها.
وقد
مر الصراع الكشميري بثلاث فترات:
1)
فترة الحرب الباردة: حيث كانت موسكو
تقف في صف الهند، بينما كانت واشنطون
تقف في صف باكستان. وقد استنفدت في هذه
الفترة جميع آليات التفاوض التقليدية،
إلا أنها لم تحظ بنجاح ملموس.
2)
فترة ما بعد الحرب الباردة: حيث اندلعت
موجة الشعوب المطالبة بالحرية، التي
أثرت بدورها على كشمير، إلا أن
الكشميريين اكتشفوا في نهاية المطاف
أنهم لا يستطيعون ركوب هذه الموجة التي
كانت مخصصة فقط لشعوب الاتحاد
السوفيتي وأوربا الشرقية. فالولايات
المتحدة اعترفت فقط بحق الأوربيين
الشرقيين، وبحق الجمهوريات السوفيتية
في نيل حقوقها، أما الكشميريون فألف لا.
وكذلك اندلعت في هذه الفترة المواجهات
الحرجة بين الهند وباكستان -خاصة فيما
بين عامي 1999 و2002- حينما استعرضت كل
منهما قوتها النووية، الأمر الذي أدى
إلى شيوع توجسات حول إمكانية حدوث حرب
رابعة بين الطرفين. وأخيرا، فإن الغالب
على هذه الفترة هو شيوع ظاهرة "إدارة
الصراع" أكثر من "حل الصراع".
3)فترة
ما بعد الحادي عشر من سبتمبر: حيث صارت
محاربة الإرهاب هي القيمة العليا في
السياسة الدولية، بعد أن كانت
الدمقرطة والعولمة وإعادة تعريف
السيادة هي القيم السائدة والغالبة
قبل الحادي عشر من سبتمبر. وأصبحت
محاربة الإرهاب مقترنة بمحاربة كلٍ من
التطرف والأصولية الإسلامية. وبالطبع
ألقى هذا "التطور" بظلاله على
الصراع الكشميري؛ إذ بات كفاح الشعب
الكشميري لنيل حريته "نشاطا إرهابيا"،
مما أعطى الفرصة الذهبية للدولة
الهندية لكي تُدرج جميع الأصوليين
الإسلاميين الذين تمولهم باكستان تحت
بند الإرهابيين، ومن ثم إدراجهم تحت
الحملة الأمريكية المناهضة للإرهاب.
وقد كان الهجوم على البرلمان الهندي في
الثالث عشر من ديسمبر 2001 أكبر دليل على
ذلك.
من
خلال عرض هذه الفترات الثلاث، يتبين
لنا كيف خضع الطرفان لسلسلة من
الضغوطات العنيفة التي أوقفتهما في
النهاية على حافة كارثة نووية حقيقية،
سواء من خلال أزمة "كارجيل" في عام
1999، أو من خلال التربص العسكري بين
الطرفين، الذي استمر 10 أشهر كاملة، بين
عامي 2001 و2002. لقد أدرك الطرفان حينذاك
أن الحل العسكري ليس ممكنا على
الإطلاق، وأنه لا بد من إيجاد حل أكثر
عملية بالنسبة لجميع الأطراف.
باختصار، لقد صارت جميع الأطراف -الهند
وباكستان والكشميريون- في أمس الحاجة
إلى مخرج، وهذه هي بالضبط اللحظة "الناضجة"
اللازمة لإحداث حل للصراع الكشميري،
كما تقول "نظرية النضج".
طالع
في هذا الملف:
اقرأ
أيضًا:
** باحثة دكتوراة بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة.
|