|
أمريكا
والبرادعي وتقرير التنمية البشرية..
حرب
واشنطن لابتزاز المنظمات الدولية
|
|
محمد
جمال عرفة**
|
26/12/2004
|
|

|
|
محمد البرادعي المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية ..مغضوب عليه أمريكيًّا
|
منذ
انتصارهم في الحرب البادرة ضد الاتحاد
السوفيتي، والأمريكان يسعون لتطويع
المنظمات الدولية وخاصة الأمم المتحدة
وهيئاتها المختلفة لخدمة المصالح
الأمريكية، ولم يتورعوا في سبيل تحقيق
ذلك عن ابتزاز هذه المنظمات الدولية
والقائمين عليها، والتنصت عليها بهدف
دفعها للسير في ركاب السياسة
الأمريكية وإصدار تقارير تتماشى مع
أهداف أمريكا في ترهيب دولة ما أو
ترغيبها.
وأحد
أمثلة حروب الابتزاز هذه التي انتهت
بمصادمات مع مسئولي المنظمات الدولية
والسعي من ثَم لإقصائهم، كانت مع عدد
من أمناء الأمم المتحدة مثل الأمين
السابق بطرس بطرس غالي، والأمين
الحالي "كوفي عنان" بعدما أصر
الأخير على اعتبار حرب العراق "غير
قانونية" جرت بدون تفويض من مجلس
الأمن، وكذلك حربها مع المصري محمد
البرادعي المدير العام للوكالة
الدولية للطاقة الذرية.
أما
المثال الآخر الصارخ على هذا الابتزاز
والتدخل الأمريكي الصارخ في شئون هذه
المنظمات الدولية فكان السعي لمنع
إصدار تقرير التنمية البشرية في
العالم العربي الصادر عن برنامج الأمم
المتحدة الإنمائي والذي كان مقررًا
صدوره في أكتوبر 2004؛ لأن أجزاء منه
تحدثت عن الاحتلال الأمريكي للعراق
والصراع الإسرائيلي الفلسطيني فأغضبت
واشنطن.
حيث
كشف كل من د. نادر فرجاني عالم الاجتماع
المصري الذي قاد فريق العمل في
التقرير، ود. عبد الوهاب الأفندي أحد
كتاب التقرير أن الضغوط الأمريكية
عرقلت صدور التقرير حتى الآن؛ بسبب
تهديدات الولايات المتحدة باقتطاع جزء
من تمويلها للبرنامج والبالغ 100 مليون
دولار، وأشارا إلى أن التقرير ربما
يصدر العام المقبل، ولكن بشكل مستقل
بأسماء كتابه دون أن يعتبر تقريرًا
رسميًّا صادرًا عن برنامج الأمم
المتحدة الإنمائي.
ودفع
هذا مسئولي برنامج الأمم المتحدة
الإنمائي للتفكير في إنشاء مركز مستقل
في الشرق الأوسط يتولى "إعداد تقرير
تنمية بشرية مستقل في العالم العربي"،
وقال بيان للبرنامج إنه بعد مناقشات
إضافية في المنطقة "سيكون برنامج
الأمم المتحدة الإنمائي قادرًا على
تقديم تفاصيل إضافية بشأن نشر تقرير
التنمية البشرية الوشيك عن الحريات
والحكم في الدول العربية، وهو في
مراحله الأخيرة من الإعداد حاليًّا".
وقد
قال د. فرجاني بوضوح: "إن واشنطن ليست
سعيدة بشأن أجزاء التقرير المتعلقة
بالوجود العسكري الأمريكي في العراق
وأنشطة حليفتها إسرائيل في المناطق
الفلسطينية"، وقال: إنهم سبق أن
عاقبوا البرنامج بخصم 12 مليون دولار من
مساهمتهم في ميزانيته بسبب تقارير غير
راضين عنها، وأن مصر أيضًا اعترضت على
الأجزاء التي تدعو إلى حرية التعبير
وحرية تشكيل الجمعيات والانضمام إليها
في العالم العربي.
والغريب
في مسلسل الازدواجية الأمريكية أن
الرئيس الأمريكي بوش سبق أن استدل
بتقارير التنمية البشرية في العالم
العربي كأساس لمقترحاته المفصلة عن
الإصلاح في العالم العربي، ودعوته
لفرض الديمقراطية على العالم العربي،
ولكن عندما تحدث التقرير عن فظائع
الاحتلال في العراق وقمع المحتل لحرية
العراقيين رغم الحديث عن تحريرهم بدأت
العقوبات الاقتصادية.
معركة
أمريكا والبرادعي
وعلى
نفس الطريق لقمع أي منظمة دولية تعارض
الرغبات الأمريكية كانت معركة أمريكا
وأمين عام وكالة الطاقة الذرية محمد
البرادعي، حيث بدأت المعركة معه
مبكرًا منذ غزو العراق عندما أصدرت
وكالة الطاقة الذرية تقارير تنفي أن
يكون هناك برنامج نووي عراقي نشط وفق
المزاعم الأمريكية، واستمرت باتهامات
الوكالة لقوات الاحتلال الأمريكية
بأنها السبب وراء اختفاء معدات هامة من
مقر هيئة الطاقة الذرية العراقية.
ثم
تطورت لاستعمال أسلحة خفية ضد
البرادعي عندما بدأ يهمس بعدم رضاء
المنظمة عن البرنامج النووي الصهيوني
وصلت لحد تسريب تقارير كاذبة لصحف
أجنبية تزعم أن البرادعي يتستر على
برنامج نووي مصري سري لأنه مصري
الجنسية، وبلغت الآن مرحلة التجسس على
هاتفه -كما قالت صحيفة "واشنطن بوست"-
والمطالبة علنًا بأن ينسحب من منصبه
وألا يسعى للترشح فترة ثالثة للوكالة
النووية؛ لأن واشنطن غير راضية عنه.
وربما
كان الخبر الذي تم تسريبه لصحيفة "ليبراسيون"
الفرنسية في نوفمبر الماضي نقلاً عن
"دبلوماسيين غربيين" لم تحددهم
الصحيفة هو أخطر اتهام للبرادعي ضمن
أسلحة الحرب الأمريكية لتشويه صورة
رؤساء المنظمات الدولية غير
المتعاونين مع أمريكا (مثل سلاح اتهام
كوفي عنان بسرقة أموال من مشروع النفط
العراقي).
فالخبر
زعم أن ليبيا "كانت تعمل لحسابها
الخاص ولحساب المصريين" عندما طورت
برنامجًا نوويًّا سريًّا تخلت عنه عام
2003، وأن المدير العام للوكالة الدولية
للطاقة الذرية محمد البرادعي استغل
موقعه لوضع حد لتدخل فعلي للوكالة في
الملف النووي المصري، بعدما تم العثور
على آثار لمادة "البلوتونيوم" قرب
مفاعل مصري، وهي المادة التي تستخدم في
صنع السلاح النووي.
ومع
أن المرء لا يحتاج إلى جهد كبير ليكتشف
أن هذه الكذبة المسربة للصحافة
الأجنبية وهذه "الزوبعة" التي
أثيرت بشأن وجود برنامج نووي مصري سري
مفتعلة من جانب أمريكا وإسرائيل بهدف
"تمييع" المطلب العربي الذي قدم
لاجتماع الوكالة الدولية للطاقة
الذرية القادم في 25 نوفمبر الماضي،
والداعي لتفريغ منطقة الشرق الوسط من
أسلحة الدمار الشامل، والضغط على
إسرائيل لتدمير أسلحتها النووية، فقد
كشف الأمر عن استهداف البرادعي والضغط
على الوكالة أيضًا بهذه الأخبار
الملفقة كي تكون طوع أمريكا.
النووي
الإيراني يعجل طلاق واشنطن والبرادعي
ومع
أن السجل الأمريكي الرامي لتشويه صورة
البرادعي متخم، وسبق لهم اتهامه
بتسريب معلومات عن تقرير إيران النووي
الذي أعدته الوكالة ونشر في سبتمبر
الماضي، لطهران، فقد كانت نقطة
النهاية وبوادر الطلاق بين واشنطن
والبرادعي هي رفض الوكالة الدولية
للطاقة الذرية برئاسة البرادعي
الانصياع للرغبات الأمريكية بإحالة
الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن
الدولي، تمهيدًا لفرض عقوبات دولية
على طهران والذي أثار حنق الكثير من
مسئولي الإدارة الأمريكية.
ففي
أعقاب هذا الرفض المتكرر من جانب
البرادعي لتحويل الملف الإيراني لمجلس
الأمن، والسعي لحلول وسط بين
الإيرانيين والأوربيين لحل القضية،
أعلن المسئولون في محيط الرئيس
الأمريكي جورج بوش علانية أنهم يسعون
للحيلولة دون حصول البرادعي على ولاية
ثالثة لإدارة الوكالة الدولية، ووصل
الأمر لقول بعضهم، تحت غطاء عدم الكشف
عن هويتهم، لوكالات أنباء عالمية بأن
هذا "المصري المسلم" لا يبدي
حزمًا كافيًا تجاه إيران ويجب التخلص
منه.
وعندما
بدأت بوادر رفض دولي للرغبات
الأمريكية بالهيمنة وفرض الوصاية على
رؤساء هذه المنظمات الدولية، سعى
الأمريكان لتجميل سعيهم لإقصاء
البرادعي وغيره بالقول: "إن واشنطن
ترغب في تحديد مدة تولي رئاسة أي منظمة
دولية بولايتين فقط من قبيل
الديمقراطية والتنوع".
ثم
ظهرت فضيحة جديدة -وإن لم تكن مستغربة
لأنها سبق أن جرت مع الأمين العام
المصري السابق للأمم المتحدة بطرس
غالي وأكدها غالي لاحقًا- وهي التنصت
على تليفونات المسئولين الدوليين
السابقين عندما ذكرت صحيفة "واشنطن
بوست" الأسبوع الماضي أن الإدارة
الأمريكية قامت بالتنصت على المكالمات
الهاتفية بين المدير العام للوكالة
الدولية للطاقة الذرية محمد البرادعي
ودبلوماسيين إيرانيين، آملة بذلك في
الحصول على ذرائع لإرغامه على ترك
منصبه.
ومع
أن واشنطن بوست قالت: "إن المكالمات
الهاتفية التي تم التنصت عليها لم تقدم
أي دليل على سلوك مشين من جانب
البرادعي"، فقد أكدت أن هذه
المكالمات جرى تسجيلها، وأن المحاولات
مستمرة للبحث عن "عناصر" لدعم
الموقف الأمريكي ضد البرادعي، بل
وأكدت نقلاً عن "عدد من كبار
المسئولين" أن "الاتهامات التي
وجهها مسئولون أمريكيون إلى البرادعي
"تشكل جزءا من حملة منسقة"
لإرغامه على الرحيل.
فإلى
متى تظل المنظمات الدولية رهينة
الابتزاز الأمريكي السياسي والمالي؟
ومن يضمن نزاهتها ونزاهة كل المسئولين
عنها؟ خاصة بعدما كشفت فرق البحث عن
أسلحة دمار شامل في العراق (قبل الغزو)
أن بعض أعضائها رضخوا للابتزاز
الأمريكي، وكانت بعض تقاريرهم سببًا
في شن حرب غزو العراق في مارس 2003.
اقرأ
أيضًا:
**
محلل
الشئون السياسية بـ"إسلام أون لاين.نت"
|