|
النظام العالمي بين هيمنة القوة وغطرسة الفكر
|
|
عبد المنعم أبو الفتوح**
|
07/12/2004
|
|

|
|
د.عبد المنعم أبو الفتوح
|
يسجل
التاريخ الإنساني أنه منذ سقوط حائط
برلين 1989 تم تشكيل خريطة القوى في
العالم على نحو جديد وفق ما هو قائم
بالفعل... وعليه أصبحت الولايات
المتحدة الأمريكية قلب الحضارة
الغربية هي القوة التي لا تنافسها قوة
أخرى في العالم... وشيئا فشيئا بدأ
الصوت الإمبراطوري
يعلو داخل أروقة الحكم والقرار وبدأت
الأفكار ومشروعات الأفكار حول إعادة
تشكيل جغرافية العالم من جديد في ظل
الهيمنة الكاملة للقوة الأمريكية على
العالم كله وفقا للتصور الأمريكي
الغربي.
صاحب
ذلك البلورة الكاملة والنهائية لمفهوم
العولمة في ظل تقدم هائل في منظومة
الاتصالات العالمية واتساع نفوذ
الشركات متعددة الجنسية. هذا المفهوم
الذي يصطدم تماما بمفهوم الذاتية
الوطنية أو الخصوصية القومية
والثقافية؛
باعتبار أن لكل مجتمع من المجتمعات
ذاكرة تاريخية خاصة تحوي تراثا وثقافة
وقيما
وتقاليد وتعيش هذه المجتمعات حاضرها
وتطلع إلى مستقبلها وفق هذا التراكم
التاريخي الكبير الذي اختزنته في
وعيها ووجدانها ويجعل منها أمه متميزة
بين باقي الأمم.
من
ذلك تجد المجتمعات العربية أنها أمام
قوة عاتية أحادية ليس لها من يردعها أو
ينافسها. تريد أن تعيد العالم إلى عصر
الإمبراطوريات
القديمة التي كانت تصنف غيرها من بني
البشر على أنهم برابرة وهمج. هذه القوة
تمتلك مشروعا فكريا تريد أن "تنمط"
البشر كلهم عليه،
وأن تمسخ ثقافتهم وقيمهم وتستبدل
بها منظومة قيم جديدة
تذوب فيها أي خصوصية لأي ثقافة.
وهذا ما لن يقبله الإنسان في العالم
العربي تحت أي ظرف من الظروف ومهما
زادت الضغوط وطالت؛
وذلك للأسباب الآتية:
-
أن الإنسان في العالم
العربي يرى أن النموذج الذي تقدمه
الحضارة الغربية لا يصلح لبناء
مجتمعات صالحة قادرة على تحقيق
السعادة الحقيقية للنوع الإنساني،
تتحقق فيها المساواة الحقيقية بين
الناس،
ويتوافق فيها الإنسان مع البيئة التي
من حوله (سيسجل التاريخ للحضارة
الغربية أسوأ تعد على البيئة الطبيعية
لكوكب الأرض)،
وتتوازن فيها مكونات الإنسان الروحية
والمادية. وتتمثل الصورة النهائية
لهذا النموذج في أجهزة الإعلام
الساحقة التي وظفت كل ما توصلت إليه
التكنولوجيا للسيطرة على عقول
المجتمعات ووعيها. وتوجيههم للموافقة
على سياسات (مجموعات حكم) تكون دائما
مفيدة لصالح شركات كبرى تمتلك
ميزانيات دول بأكملها وتسيطر هي أصلا
على هذا الإعلام. ولا تعبأ إلا بالكسب
السريع والهائل للمال.
-
أن الإنسان في العالم
العربي يرى أن التنمية تقوم على ثلاث
ركائز: قيم ثقافية/ إمكانات مادية/ ثروة
بشرية.
والقيم الثقافية التي تقوم عليها
الشخصية العربية تستند في الأساس على
الإسلام الدين والحضارة،
وهو ما يقف منه الغرب موقفا مناوئا،
ويرفض
بشكل قطعي أن يكون
الدين هو المصدر الأصيل لثقافة
المجتمعات العربية والإسلامية،
على الرغم من سطوة الأفكار
الدينية على تفكير مجموعات اليمين
المحافظ في أمريكا حاليا.
-
يضاف إلى ذلك أن
الإمكانات المادية والثروية في العامل
العربي تتعرض منذ
قرنين لعملية سلب ونهب لا مثيل لها في
التاريخ الإنساني،
ويعمل الغرب بشكل منهجي ومخطط لحرمان
المنطقة العربية من تسخير إمكاناتها
المادية الهائلة لتحقيق مستوى متقدم
من التنمية الحقيقية،
ونفس الحال في نطاق
الثروة البشرية التي تتعرض لعمليات
سطو منظمة من خلال عمليات التهجير
الدائمة للعقول والكفاءات العلمية
والبحثية إلى الغرب..
وهذا الموضوع تحديدا يطول الحديث فيه.
نخلص
من ذلك إلى أن رؤية الإنسان العربي
للنظام العالمي الحالي وفي القلب منه
الولايات المتحدة الأمريكية أنه نظام
يهدف على تكريس الفقر والجهل
والاستبداد في المجتمعات العربية ومسخ
كل المعالم الذاتية والخصوصية
الثقافية للشخصية العربية.
الإنسان
في العالم العربي لا يرفض الغرب بشكل
كامل وقاطع؛
فنحن نرى أن هناك ملامح وقسمات في
الحضارة الغربية جديرة بالاعتبار،
منها على سبيل المثال:
-
الإعلاء من قيمة العمل
والنظر إلى الفكر على أنه يرسم الطريق
إلى العمل والتقدم المستمر فيه.
-
الشعور القوي بقيمة
الوقت وإخضاعه للعقل؛
وهو ما
جعل حياة الإنسان في الغرب أكثر ثراء
واتساعا.
-
الشعور بقيمة الحرية
على أنها أهم بعد في الوجود الإنساني،
هذا الشعور الذي أثمر عن
التمرد على أي سلطة
مستبدة،
وأثمر النظام الديمقراطي الذي يمنح أي
سلطة مشروعيتها،
ويواجه السلطة في الوقت نفسه بأخطائها
ويسقطها إذا أصرت على الخطأ وأمعنت فيه.
ما
يرفضه الإنسان العربي تحديدا في الغرب
هو "المركزية"
التي يريدها الفكر الغربي لنفسه،
وأن يكون هو المعيار الذي يتحدد على
أساسه ما هو صحيح وما هو غير صحيح وما
هو مقبول وما هو غير مقبول ناظرا
باحتقار إلى ثقافات الشعوب الأخرى
وراؤها للإنسان
وحياته ومصيره،
وعلى أن الإنسان الذي ينتمي لهذه
الشعوب متوحش وخطر وغير
جدير بالحضارة ويجب أن يكون دائما تحت
التحكم.
وهي نظرة خاطئة وقاصرة ويغيب عنها
الرؤية التاريخية والموضوعية.
وفي نفس الوقت تحمل مضمونا سلبيا
عدائيا لن يواجه من الإنسان في المنطقة
العربية سوى بالرفض والمقاومة لكل شكل
من أشكال غطرسة الفكر أو غطرسة القوة.
**
عضو مكتب الإرشاد لجماعة الإخوان
المسلمين وأمين عام اتحاد الأطباء
العرب
|