الدوي
المصاحب للتمرد المثير الذي يشهده
حاليا حزب الشعب الجمهوري أكبر أحزاب
المعارضة التركية، يكشف بوضوح مدى
الوهن الذي أصاب هذه الأحزاب أمام
تزايد قوة وشعبية حزب العدالة
والتنمية الحاكم بعد مرور عامين على
توليه السلطة في البلاد، بحيث يبدو
أن المعادلة السياسية الحالية في
سبيلها إلى الاستمرار لسنوات، ولا
يبدو في الأفق ما يشير إلى أن المعارضة
ستكون قادرة على قلب هذه المعادلة
البسيطة حتى في ظل بعض المحاولات
لتوحيد صفوف قطاعات منها لتشكيل حزب
يمكن وصفه بالكبير، بإمكانه مقارعة
الحزب الحاكم.
وتأخذ
الأزمة الحالية في حزب الشعب الجمهوري
أهميتها من عدة عوامل:
أولا:
أن هذا الحزب يمثل المعارضة
البرلمانية في البلاد بامتلاكه 171
مقعدا من مقاعد البرلمان الـ550، وقد
كان متفردا بهذا التمثيل إلا أن انضمام
4 نواب مستقلين لحزب الطريق القويم
أفقده ذلك، ثم إن انشقاق نائبين عنه
وانضواءهما تحت لواء الحزب الحاكم قبل
أشهر أعطى هذا الحزب أغلبية الثلثين
بما يمكنه نظريا من تعديل الدستور
وتغيير النظام في البلاد.
ثانيا:
لا يزال حزب الشعب الجمهوري هو الثاني
من حيث الشعبية في البلاد بعد حزب
العدالة والتنمية، حيث أشارت آخر
استطلاعات الرأي إلى أنه يحوز ثقة
18% من الأتراك مقابل 52% يؤيدون
الحزب الحاكم.
ثالثا:
الحزب هو الممثل الرئيسي للتيار
الأتاتوركي والمدافع عن القيم التي
طرحها مؤسسه الزعيم مصطفي كمال
أتاتورك، بمعنى أنه لا يمكن لأي حزب
آخر أن يزايد عليه فيما يتصل بهذه
القيم، وأبرزها العلمانية والتقدم
والتمدن وفقا للنموذج الغربي، ولا
أن يدعي أنه أكثر انتسابا لأتاتورك.
رابعا:
يعد حزب الشعب الجمهوري أقوى أحزاب
تيار يسار الوسط أو الاشتراكيين
الديمقراطيين، وهو تيار كان له دور
كبير في الحياة السياسية التركية منذ
تأسيس الجمهورية قبل 81 عاما.
والمدهش في التمرد أن قائده مصطفى
ساريجول هو مجرد رئيس بلدية حي في
إستانبول وليس قياديا في الحزب،
ولا نائبا في البرلمان، والغريب
أنه نجح في استقطاب أعضاء بارزين
وقطاعات من قواعد الحزب، ويكفي أن
18 من نواب الحزب وثلاثين ألفا من
أعضائه وأنصاره حضروا المؤتمر الشعبي
الذي دعا إليه ساريجول حيث كانت الفرصة
السانحة للتهجم على زعيم الحزب دينيز
بايكال والقياديين الموالين له.
وهذا
مؤشر كبير على الخلل الواضح في صفوف
الحزب وقابليته لحدوث تمردات وأزمات
أخرى خاصة أن هذه ليست الأولى، ولقد
كان هناك سخط واسع في صفوف الحزب بعد
تراجع نتائجه في الانتخابات المحلية
التي جرت في مارس الماضي، وذلك
بالمقارنة بما حققه في الانتخابات
البرلمانية عام 2002، وهو ما حاول
بايكال التقليل من قيمته، ونظرا
لعدم وجود شخصية قيادية يمكنها
منافسته فقد نجح في احتواء هذا
السخط، لكن بقي هناك شيء ما خطأ داخل
الحزب يبدو أنه سينتج المزيد من
المشكلات.
والأكثر
إثارة للدهشة أن ساريجول متهم بارتكاب
ممارسات فساد في بلدية شيشلي التي
يرأسها، غير أن اللافت للنظر أن هذه
الاتهامات بدأت في الانطلاق من الحزب
الذي عقد سكرتيره العام أوندر ساف
مؤتمرا صحفيا عرض فيه ملامح الفساد
وتحدث عما قال إن ساريجول أقدم عليه من
رشاوى وجرائم، وبدلا من أن يكون هذا
السلوك تعبيرا عن نظافة الحزب
وشفافيته ورفضا لأي انحراف من جانب
أعضائه، استغله ساريجول بشكل معاكس
ليدين قيادة الحزب أمام القاعدة خاصة
أن الاتهامات جاءت قبل أي تحرك قضائي
ضده، وبالتالي استطاع تصوير الأمر
على أنه معركة مدبرة لتصفيته داخل
الحزب وقتل شخصية أي منافس محتمل
لبايكال. والمؤتمر الشعبي الذي شهدته
مدينة مرسين دعما له أوضح الأدلة على
انتصار منطق ساريجول وفشل الطرح الآخر،
وهذا يعني أن هناك أزمة ثقة في قيادة
الحزب؛ لأن المنطقي أن تصدق القواعد
القيادة في قضية سياسية أخلاقية.
ونحن
الآن أمام وضع غريب هو الانقسام بعينه،
فلا القيادة قادرة على توحيد صفوف
الحزب، ولا القاعدة المتمردة أو
الساخطة بإمكانها إحداث تغيير في
القيادة، وأغلب الظن أن حزب الشعب
الجمهوري سيشهد حرب الاستنزاف حتى لو
نجح بايكال في التخلص من سايجول
ومناصريه وأبرزهم النواب الـ18.
بايكال
وأردوغان
ولا
بد من الإشارة إلى أن بايكال يفتقر إلى
طابع الزعيم الشعبي بالمقارنة برئيس
الوزراء رجب طيب أردوغان، الذي
يعرف كيف يصل إلى قلوب وعقول الجماهير
البعيد منها قبل القريب، فأردوغان
حريص على توصيل رسالة دائمة مفادها:
"أنا منكم" بمشاركته أفراح الناس
وأتراحهم، والتواصل الدائم معهم
بزيارات متكررة لجميع المحافظات،
وبعض السلوكيات المحببة مثل إفطاره
معظم أيام شهر رمضان مع أسر فقيرة بشكل
مفاجئ، فقط يطرق الباب ويدخل على
الأسرة قائلا: أنا ضيفكم اليوم
ويأكل مما يأكلون، ولمثل هذه
السلوكيات أبلغ الأثر في نفوس الناس،
وتعطي معنى الشعبوية في مواجهة
السلطوية والفوقية.
على
النقيض من ذلك يكتفي بايكال باللقاء
الأسبوعي مع نواب الحزب في البرلمان،
ونادرا ما يشارك في مؤتمرات جماهيرية
أو يعطي إيحاءات بالبساطة والتواضع.
ثم
إن بايكال حاول تعليق فشله على شماعة
المؤامرات، ووصل الأمر إلى حد قوله
إن لديه أدلة على أن المخابرات
المركزية الأمريكية سي. آي. إيه
تدبر انقلابا ضده في الحزب بمساعدة بعض
الأعضاء المتعاونين معها بسبب رفضه
للحرب على العراق، وهذا كلام مثير
للسخرية وقد أضعف صورته كثيرا. كما
أن اتهامه لوسائل الإعلام بالتحيز
لمصلحة الحزب الحاكم وتبريره تزايد
شعبية هذا الحزب على حساب المعارضة،
بذلك لا يمكن النظر إليه على أنه عامل
رئيسي في تشكيل الساحة السياسية،
فأين ديناميكيات الحزب ونشاطه وتلاحمه
مع الجماهير.
ولن
يكون اندماج حزب تركيا الجديدة بزعامة
وزير الخارجية الأسبق إسماعيل جيم،
في حزب الشعب الجمهوري أخيرا عامل قوة
له؛ لأن جيم فشِل ثلاث مرات: الأولى
عندما شكل حزبا بطموحات كبيرة دون أن
ينجح في قراءة ملامح الساحة السياسية
والكتل الجماهيرية، والثانية في
الانتخابات البرلمانية، والثالثة
في الانتخابات المحلية التي لم ينل
فيها سوى 0.24% من الأصوات.
وهذا
آخر وأسوأ مؤشر على ما آلت إليه شعبية
هذا الرجل وحزبه، ويخطئ بايكال إذا
تصور أن ذهابه إلى جيم المريض بالسرطان
ومطالبته بالانضمام السياسي مع عزيز
قوم ذل، فهذا الأمر بعيد عن أي
ممارسة سليمة، فالأحزاب ليست
جمعيات خيرية.
ولكي
نفهم مغزى ما أقدم عليه بايكال لا بد من
تذكر أن جيم كان قد رفض تشكيل ائتلاف
موحد لأحزاب يسار الوسط في الانتخابات
البرلمانية عام 2002 بناء على اقتراح
كمال درويش وزير الاقتصاد الأسبق الذي
أغرى جيم بتشكيل تركيا الجديدة واعدا
بالانضمام إليه، ثم وجد من خلال
استطلاعات الرأي أن حزب الشعب
الجمهوري هو الأوفر حظا فاختار أن يكون
مع الرابحين المحتملين، وكان هذا
السلوك ضربة لجيم ومن ثم كان منطقيا أن
يرفض اقتراح الائتلاف الموحد بعد ذلك.
دور
درويش
ولا
يزال كمال درويش يثير الغموض داخل حزب
الشعب الجمهوري، فلا هو قريب من
بايكال ولا من خصومه، ويثير شكوك
الطرفين والتكهنات بأنه سيقدم يوما ما
على فعل كبير، فالرجل له شعبيته
ووزنه السياسي وطموحه أيضا. وعند
تناول أوضاع المعارضة لا بد من إلقاء
الضوء على الجهود الحالية الرامية إلى
توحيد حزبي الوطن الأم والطريق القويم
قطبي أحزاب يمين الوسط التقليدية،
في محاولة لإيجاد قوة سياسية تكون
قادرة على منافسة الحزب الحاكم،
ومع أنه ليس معروفا النتيجة التي ستصل
إليها هذه الجهود، لكن ليس متوقعا
أن يتحقق هذا الهدف، فعلى الرغم من
أن الطريق القويم الذي جاء ترتيبه في
المركز الثالث في الانتخابات المحلية
بحصوله على ما يقرب من 10% من أصوات
الناخبين يتحسن نسبيا، فإن الوطن
الأم في حالة ضعف شديد خاصة بعد بدء
محاكمة زعيمه السابق مسعود يلماظ الذي
يعد أول رئيس وزراء في تاريخ تركيا
ينال هذه المحاكمة، فضلا عن عدد آخر
من الوزراء في حكومات الحزب السابقة.
ومع تردد اسم محمد أغار زعيم الطريق
القويم في قضايا المافيا والفساد
والضعف السياسي لشخصية نسرين ناس
رئيسة الوطن الأم، ليس هناك ما ينبئ
عن أن اندماج الحزبين في حزب واحد
سيكون تحولا جذريا في الساحة التركية.
وعند
النظر إلى التيار القومي فإن الحركة
القومية -أبرز أحزاب هذا التيار- لم
ينجح في كسب مزيد من الأرض على الساحة
الشعبية، ولم يستطع جذب الجماهير
لشعاراته التي تبدو بالية على الرغم من
أنه لا يزال يستقطب قطاعا مميزا من هذه
الجماهير.
هذا
يقودنا إلى تلخيص ملامح أزمة وضعف
أحزاب المعارضة التركية في الآتي:
أولا:
حالة الشخصنة التي أشرنا إليها،
فالحزب يرتبط بشخص زعيمه الذي يملك كل
خيوط الحركة الداخلية والخارجية في
يده، يقرب من يريد ويبعد من لا يريد،
وبالتالي هو محور النشاط فيه،
وهناك وجه آخر للشخصنة هو أن بعض زعماء
الأحزاب عندما يتقاعدون لكبر سنهم أو
مرضهم أو حتى تكشف فسادهم، يختارون
من يخلفهم، حدث هذا بالنسبة لرئيس
الوزراء الأسبق بولنت أجاويد عندما
اختار زكي سيزار لخلافته في زعامة حزب
اليسار الديمقراطي الذي نافسه وزير
الخارجية الأسبق شكري سيناجوريل،
وانحاز أجاويد لسيزار وأكد وقوفه
التام معه، وحث أعضاء الحزب على
التصويت له في المؤتمر العام للحزب،
ووصل الأمر إلى درجة أن أجاويد وزوجته
رهشان التي لعبت دورا كبيرا في قيادة
الحزب عندما مرض أجاويد عام 2002 ذهبا
للإقامة في منزل سيزار في حي أوران
بأنقرة للتدليل على الدعم منقطع
النظير له.
الشيء
نفسه حدث بالنسبة لنسرين ناس التي
اختارها مسعود يلماظ لخلافته في رئاسة
حزب الوطن الأم حتى يظل مسيطرا على
الحزب بعد اضطراره للتنحي إثر فشل
الحزب الذريع في الانتخابات
البرلمانية عام 2002 في ظل اتهامه
بالفساد.