|
آل
بوش.. زلزال ضرب اقتصاد أمريكا*
|
|
أحمد
السيد النجار **
|
01/11/2004
|
|

|
|
بوش الأب (يمين) وبوش الابن
|
تبدأ
علاقة الاقتصاد بانتخابات الرئاسة
الأمريكية من نقطة تاريخية؛ حيث شكلت
الاعتبارات الاقتصادية عنصرا دائما في
تشكيل اتجاهات تصويت الناخبين، وكان
يؤخذ دائما على المجتمع الأمريكي أنه
مجتمع منكفئ على ذاته يهتم بالدرجة
الأولى بالاعتبارات الخاصة بالمستوى
المعيشي لحياته عند تحديد اتجاه
تصويته في انتخابات الرئاسة دون النظر
للدور العالمي للولايات المتحدة.
إلا
أن انتخابات الرئاسة الحالية شهدت
حالة نادرة لم تتكرر منذ حرب فيتنام (عام
1962-1975)، حيث احتلت الشئون الخارجية
وبالتحديد ما يسمى بمحاربة الإرهاب
أولوية على الاعتبارات الاقتصادية.
ففي
الوقت الذي كانت فيه استطلاعات الرأي
العام تشير إلى أن 62% من الأمريكيين
يرون أن البرنامج الاقتصادي للمرشح
الديمقراطي جون كيري أفضل بكثير من
البرنامج الاقتصادي للمرشح الجمهوري
جورج بوش الابن كانت شعبية بوش أعلى
بكثير من شعبية كيري قبل أن يطرأ عليها
تعديل بعد المناظرة الأولى بين
المرشحين التي جرت يوم 13-10-2004.
تحول
مصنوع لإدارة فاشلة
ويعد
تحول موقف الناخب الأمريكي في إعطاء
أولوية لقضية محاربة الإرهاب على
الاعتبارات الاقتصادية عند تحديد
اتجاه تصويته تحولا مقصودا صنعته
الإدارة الأمريكية بمساعدة وسائل
الإعلام؛ لأنها بالفعل نموذج لإدارة
فاشلة اقتصاديا.
فبعد
أطول فترة ازدهار اقتصادي متواصلة بعد
الحرب العالمية الثانية خلال فترتي
حكم بيل كلينتون (1992 -2000) جاء عهد بوش
الابن لتشهد فيه كل المؤشرات
الاقتصادية تدهورا كبيرا حتى قبل
أحداث 11 سبتمبر التي تتخذها الإدارة
الأمريكية مبررا للتدهور الاقتصادي،
وليكمل التدهور الاقتصادي الذي شهدته
الولايات المتحدة خلال عهد والده جورج
بوش الأب بحيث يبدو الأمر في الحقيقة
وكأن آل بوش زلزال أصاب الاقتصاد
الأمريكي في المرتين.
الأداء
الاقتصادي لبوش
فلو
نظرنا إلى الأداء الاقتصادي للرئيس
بوش الابن خلال الأعوام الثلاثة من
ولايته فسنرى أن هناك تدهورا في كل
المؤشرات، مقارنة بالازدهار
الاقتصادي في عهد الرئيس كلينتون.
فقد
بلغ متوسط معدل النمو السنوي للناتج
المحلي الإجمالي في عهد بوش الابن 2.2%
سنويا مقابل 4.2% سنويا في عهد كلينتون.
وارتفع المتوسط السنوي للتضخم إلى 1.9%
في عهد بوش الابن بعد أن كان 1.6% في عهد
كلينتون. كما ارتفع المتوسط السنوي
لمعدل البطالة إلى 5.5% في عهد بوش الابن
بعد أن كان 4.4% في عهد كلينتون. وفيما
يتعلق بالعجز أو الفائض في الموازنة
العامة للدولة بلغ مجموع الفائض
التراكمي في الموازنة العامة للدولة
في فترة كلينتون الثانية 463.3
مليار دولار، فيما حققت إدارة بوش
الابن عجزا بلغ 1200 مليار دولار.
كما
بلغ مستوى الادخار المحلي في الولايات
المتحدة الأمريكية 14.9%
في عهد بوش الابن مقارنة بـ 8.4%
سنويا في عهد كلينتون، أما المتوسط
السنوي للاستثمار فبلغ 20.7% في عهد
كلينتون، وأصبح 18.7% في عهد بوش الابن.
تلك ليست مجرد أرقام، ولكنها مؤشرات
على السياسات التي انتهكتها إدارة
كلينتون وفعاليتها في تحسين أداء
الاقتصاد الأمريكي، والسياسات التي
اتبعتها إدارة بوش الابن وأثرها في
تدهور حالة الاقتصاد الأمريكي.
وفي
هذا الصدد، ينبغي أن نذكر أن الاقتصاد
الأمريكي كان في واحدة من أسوأ حالاته
عندما تسلم كلينتون الرئاسة خلفا
لجورج بوش الأب، فخلال فترة رئاسة جورج
بوش الأب كان معدل النمو السنوي 1.5%
فقط سنويا، ومعدل التضخم 3.8% سنويا،
والبطالة 6.3%، وبلغ مجموع العجز
التراكمي في الموازنة العامة
الأمريكية 983.4
مليار دولار. تؤكد تلك الأرقام إذن أن
فترتي حكم كلينتون كانتا فترة ازدهار
بين فترتي جورج بوش الأب الذي كانت فيه
المؤشرات سيئة وجورج بوش الابن التي
عادت فيها المؤشرات مرة ثانية لتصبح
سيئة.
سياسات
كلينتون الاقتصادية
وكانت
السياسات الاقتصادية لإدارة كلينتون
تتركز بشكل أساسي على بنود زيادة
التحويلات الاجتماعية والإنفاق
الاجتماعي الذي مكن الشرائح الدنيا من
المجتمع الأمريكي من الحصول على حصة
أعلى قليلا من الناتج المحلي الإجمالي
الأمريكي، ارتفعت من حوالي 1.7%
إلى حوالي 1.9%
وذلك بالنسبة لأفقر 10% من الأمريكيين.
هذه
الزيادة في دخل الفرد تتحول بالكامل
إلى طلب لأن هذه الفئة ليس لديها رغبة
في الادخار، وهذا الطلب يحفز بدوره
الاستثمارات الجديدة ولو في حدود
ضيقة، لكنها تكون كفيلة بتحريك ما
نسميه "مضاعف الاستثمار" الذي
يساعد على حفز النمو في الاقتصاد.
كما
تعاملت إدارة كلينتون بشكل مرن للغاية
مع أسعار الفائدة بمعنى التخفيض
المستمر في أسعار الفائدة لتشجيع رجال
الأعمال على الاقتراض لتمويل إنشاء
مشروعات جديدة، وأيضا لتشجيع
الاستهلاك كمحفز للاستثمار، ثم رفع
معدل الفائدة بعد ذلك كتعبير على
ارتفاع معدل الربح في هذا الاقتصاد على
المدى الطويل.
كما
تعاملت إدارة كلينتون مع الدولار بشكل
مرن بمعنى أنها جعلت الدولار ينخفض إلى
أدنى معدل له منذ الحرب العالمية
الثانية عام 1995؛ مما كان له أثره في
زيادة الصادرات الأمريكية بشكل كبير
حتى وصلت إلى أعلى مستوى تبلغه على
الإطلاق وهو 848.9
مليار دولار عام 2000، وارتفعت حصة
الولايات المتحدة من الصادرات
العالمية إلى 13.3% من هذه الصادرات لعام
2000 مقارنة بـ 11.7% عام 1992، وهذه الصادرات
تولى جورج بوش الابن تخفيضها إلى 724
مليار دولار، وحصة أمريكية 9.7%
فقط من الصادرات العالمية.
وفيما
يتعلق بالاستثمارات الأجنبية
والسياحة الداخلة للولايات المتحدة
فإن مثل هذه الأمور تتأثر بالطريقة
التي يعامل بها المجتمع الأمريكي
الأجانب؛ لأنها تتعلق بعلاقات مباشرة
بين أموال أجنبية وبشر من الخارج. وما
حدث بالفعل بعد أحداث 11 سبتمبر أنه
تصاعدت نزاعات عنصرية أدت إلى تراجع
مروع للاستثمارات الأجنبية المباشرة
من 314 مليار دولار في عام 2000 إلى 159.5
مليار دولار عام 2001 ثم 62 مليار دولار
عام 2002 ثم 29.8
مليار دولار فقط عام 2003.
كما
تدهورت السياحة بشكل كبير في عهد جورج
بوش الابن نتيجة الوضع العنصري تجاه
الكثير من القادمين من بلدان الشرق
الأوسط ومن البلدان الإسلامية، فتراجع
عدد السياح من 50.9
مليون سائح عام 2000 إلى 45.5 مليون سائح
عام 2001 إلى 41.9 مليون سائح عام 2002،
وانخفض العائد السياحي من 85.2 مليار
دولار عام 2000 إلى 66.6 مليار دولار عام
2002.
على
صعيد العسكرة سنجد أن الميزانية
العسكرية الأخيرة 447 مليار دولار هي
الميزانية العسكرية الأضخم في تاريخ
الولايات المتحدة وهي ميزانية
أسطورية، بمعنى أنها تساوي الميزانية
العسكرية لمجموع الدول السبع الكبرى
التالية للولايات المتحدة، بل تزيد
عنها.
العهد
الأعظم للفساد!
كما
يعتبر عهد بوش الابن العهد الأعظم
للفساد في تاريخ الولايات المتحدة،
حيث لم تنفجر قضايا فساد بحجم ما
انفجرت أثناء رئاسة بوش الابن. هذا
الأمر ليس ناتجا عن سوء إدارة الشركات
وأدائها بقدر ما هو ناتج عن التساهل مع
الشركات بصورة غير مسبوقة بحيث يحق
عليها ما ذكره أستاذ في جامعة كولومبيا
"آلان برنكلي" أن الرئيس الأمريكي
هو الرئيس الأكثر انحيازا للشركات
الأمريكية منذ ثلاثينيات القرن الـ 20.
وكانت
شركة إنرون الشركة الأولى التي بدأت
سلسة فضائح الشركات هي الممول الرئيسي
لحملة جورج بوش الابن في الانتخابات
السابقة.
كما
حاز ديك تشيني نائب الرئيس الأمريكي
على الحصة الأكبر فيما يتعلق بشبهات
الفساد؛ لأنه كان رئيس شركة هاليبرتون
التي حصلت على أكبر حصة من العقود في
العراق، ومنها عقدان مثيران للطرافة
والكوميديا السوداء في آن واحد.
العقد
الأول يتعلق بتوريد النفط للجيش
الأمريكي في العراق والذي تم بثلاثة
أضعاف سعره، وعندما احتج الجيش
الأمريكي بعد فترة تم إلغاء هذا العقد
مع هذه الشركة، وقامت وحدة دعم الطاقة
التابعة للجيش الأمريكي بتوريد
الطاقة، فإذا كانت وحدة دعم الطاقة
قائمة فلماذا أعطي العقد لهاليبرتون
من البداية؟!
أيضا
كان هناك عقد بـ 800 مليون دولار لتطوير
حقول النفط في العراق أعطي لهاليبرتون
بالأمر المباشر على عكس القانون
الأمريكي الذي يفرض في الأعمال العامة
أن تتم من خلال المنافسة بشكل شفاف،
وعندما احتجت الشركات المنافسة سحبت
المناقصة من شركة هاليبرتون، وأجريت
مرة أخرى ليتم إرساؤها أيضا على شركة
هاليبرتون بـ 1.2 مليار دولار بدلا من 800
مليون دولار.
كما
أفرطت إدارة بوش الابن في الإصدار
النقدي من النقود وأشباه النقود بدون
أي رصيد إنتاجي لعلاج الأزمات
الاقتصادية، كما حدث في أعقاب أحداث 11
سبتمبر عندما تم إصدار 81.25 مليار دولار
في التو واللحظة بدون أي رصيد إنتاجي.
ويعد
الإصدار النقدي خلال عام 2001 أعلى مستوى
في الولايات المتحدة خلال الـ 40 عاما
الأخيرة؛ حيث زاد بنسبة 14.1% مقارنة
بعام 2000. وتعتمد الولايات المتحدة على
إطلاق هذه الأوراق المالية في الأسواق
الدولية والحصول في مقابلها على سلع
وخدمات العالم؛ لأن هذه الأوراق يتم من
خلالها إبراء أو تسوية الالتزامات
الدولية نتيجة هيمنة الدولار الأمريكي
كعملة تبادل واحتياط دولية.
موقع
الاقتصاد في الانتخابات
لننتقل
إلى نقطة أخرى هي موقع الاقتصاد في
البرنامج الانتخابي للمرشحين
الديمقراطي والجمهوري، الرئيس
الأمريكي جورج بوش الابن يعتمد على ما
فعله خلال السنوات التي قضاها في البيت
الأبيض فهناك تركيز على:
1-
استمرار خفض الضرائب بحيث يتم تخفيض
معدل الضريبة على الأثرياء بـ 15% بما
يعني حرمان الميزانية الأمريكية من 674
مليار دولار على مدى عشر سنوات إذا تم
هذا التخفيض.
2-
استمرار أسعار الفائدة المخفضة لصالح
الأثرياء على حساب الطبقة الوسطى
الأمريكية؛ لأن المودع الرئيسي
للأموال في الجهاز المصرفي الأمريكي
هم الطبقة الوسطى، فالأثرياء يقترضون
لتمويل مشروعات جديدة فيما تودع
الطبقة الوسطى لتتلقى الأرباح فهذا
الإجراء معادٍ للطبقة الوسطى ولصالح
الأثرياء.
3-
الدعوة للتبرع للجمعيات الدينية
لمساعدة الفقراء بدلا من قيام الدولة
بذلك وهو يعد إخلاء الدولة من موقع من
المفترض أن تقوم به لصالح جمعيات دينية
لا ندري مدى تطرفها.
على
الجانب الآخر يعتمد البرنامج
الاقتصادي للمرشح الديمقراطي على رصيد
كلينتون، وتتمثل أهم ملامحه في:
1-
إعادة فرض الضرائب على الأثرياء.
2-
خفض عجز الموازنة.
3-
وتحسين الخدمات التعليمة والطبية
للفقراء.
4-
وزيادة القروض الطلابية.
5-
وتوفير 10 ملايين فرصة عمل استنادا إلى
أن تجربة كلينتون أدت إلى توفير 23
مليون فرصة عمل خلال فترة حكمه.
6-
تخصيص 30 مليون دولار لأبحاث تطوير
الطاقة المتجددة مع ترشيد استهلال
الكهرباء والوقود لتقليل اعتماد
الولايات المتحدة على النفط المستورد
من الخليج.
استمع
إلى
اقرأ
أيضًا:
*
هذه المحاضرة ألقيت خلال ندوة عقدها
مركز الوليد بن طلال للدراسات
الأمريكية بالجامعة الأمريكية في
القاهرة في أكتوبر 2004.
**
رئيس تحرير تقرير الاتجاهات
الاقتصادية الإستراتيجية - مركز
الأهرام للدراسات السياسة
والإستراتيجية
|