|
الأخلاق والسياسة.. حوار صعب بأمريكا!
|
|
"إي. جيي. ديون" و"كايلا إم. دروجوز" و"جين بيثك إلشتاين"
* قراءة وتحرير: شيرين حامد فهمي**
|
27/10/2004
|
|

|
|
غلاف الكتاب
|
"الإخلاص
لقيمة الحرية".. كان، وما زال هو
الهدف المعلن للولايات المتحدة
الأمريكية. ولكن كيف تصل الأخيرة إلى
تحقيق هذه القيمة بالفعل وليس بالقول
فقط؟ من المنطقي -كما أنه من المتوقع-
أن يكون للأخلاق باع كبير وإسهام عظيم
في تحويل هذا الهدف إلى حقيقة، ومن
فالمنطقي أيضًا أن يصير للأخلاق -بعد
أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001- باع
أكبر وإسهام أعظم في هذا الأمر؛ حيث
باتت المعتقدات الدينية ذات تأثير جم،
ليس فقط على العلاقات بين الدول؛ بل
على العلاقات بين بني البشر.
وفي
كتاب "الحرية والقوة:
حوار حول الدين والسياسة الخارجية
الأمريكية في عالم غير عادل"
Liberty and Power: A Dialogue on Religion And U.S. Foreign Policy In
An Unjust World، يتم مناقشة هذه القضية من
خلال إسهامات عدد غير قليل من الباحثين
والمتخصصين في "الدين والعلاقات
الدولية".. ينتمون إلى مختلف
التوجهات. ومن ثَم يعطي لنا الكتاب -الصادر
هذا العام عن مركز "بروكينجز"
بواشنطن- "بانوراما" متسعة لوجهات
نظر متعددة -منها المألوف ومنها غير
المألوف- حول أهم شأن يخص السياسة
الخارجية الأمريكية في الوقت الراهن؛
ألا وهو الدين.
ويثور
بقوة في الولايات المتحدة هذا السؤال:
هل الدين له دور في السياسة الخارجية
الأمريكية؟ وإذا كانت الإجابة "نعم"؛
فما هو هذا الدور؟ وما هو طبيعته؟ إن
قضية "الدين والعلاقات الدولية"
ليست حديثة العهد؛ فقد ظلت مهيمنة على
امتداد النصف الأخير من القرن العشرين.
ولعل أفضل من عبّر عن هذه القضية هو "دِين
أكيسون" Dean Acheson، وزير خارجية الرئيس
الأمريكي السابق "هاري ترومان"،
حينما قال: "إن الحديث عن الأخلاق
يمكن أن يكون مناسبًا جدًّا إذا ما
تكلمنا عن يوم القيامة، عن يوم الحساب؛
إلا أنني لا أشجع هذا الحديث كموظف في
الدولة".. هل كان "أكيسون"
محقًّا في رؤيته؟
الكثير
من موظفي الإدارة الأمريكية ومحللي
السياسة الخارجية لا يزالون يتبنون
هذه الرؤية. وكما تشير "لويز
ريتشاردسون" Louise Richardson -أحد مؤلفي
الكتاب- "فإن الحجج المعتمدة على
قاعدة الإلزام الأخلاقي تبدو في منتهى
الإقناع إذا ما تم التبشير بها لجماعة
من المنشدين الدينيين، لكنها تقع على
آذان صماء إذا ما تم اقتراحها على
صانعي السياسة".
إدخال
الدين في العلاقات الدولية صعب
|

|
|
مايكل والتسر أحد مؤلفي الكتاب
|
تتحدث
مقدمة الكتاب التي تحمل عنوان "تناقض
الدين مع السياسة الخارجية" عن
صعوبة إدخال الدين في مجال العلاقات
الدولية. وتنطلق هذه الصعوبة -كما تقول
المقدمة- من الخوف المسيطر على أدمغة
الغرب منذ أحداث سبتمبر 2001. أولا:
الخوف من أن يصير الدين عقبة في النقاش
والتحاور حول الأخلاقيات والقيم.
"ففي العالم الراهن" -كما يقول "مايكل
والتسر" Michael Walzer في الكتاب، وهو من
أشهر المنظرين السياسيين الأمريكيين
في مجال "الحرب العادلة"- "أقول:
إننا بحاجة إلى أخذ حذرنا من الدين؛
لأنه إذا تحول إلى تصلب في الرأي، وهو
ما نراه حاليًّا؛ فإنه سيتجه إلى
الهيمنة على الأخلاقيات والقيم".
باختصار: إن "والتسر" يخلص إلى
نتيجة؛ مفادها أن "اعتماد السياسة
الخارجية على الدين هي فكرة بالأساس
غير جديرة بالتقدير".
ثم يأتي "جيمس إم. ليندساي" James M.Lindsay ليدعم هذا "الخوف"، مشيرًا إلى أن توجه الأمريكيين نحو مزج السياسة الخارجية
بالأخلاق سوف يخمد الروح النقاشية.
ويعلل ذلك بقوله: "إنه إذا ما صار
الناس متأكدين من نزاهتهم واستقامتهم
الأخلاقية؛ فإنهم سينزلقون بمنتهى
السهولة في مستنقع النفاق والتظاهر؛
بحيث يصير كل من لا يوافقهم الرأي
تلقائيًّا وبديهيًّا، من الذين لا
يهتمون بالشئون الأخلاقية؛ الأمر الذي
سيؤدي في النهاية إلى خلق مناقشات
مسممة بدلا من خلق مناقشات بناءة.
وأخيرًا يأتي "تشارلز كراوت هامير"
Charles Krauthammer -أحد كتاب الأعمدة بصحيفة
"واشنطن بوست"- ليعلن رفضه الصريح
لاستخدام الدين كمرشد للسياسة
الخارجية، مبررًا رفضه على حد قوله بأن
الدين لا يستطيع القيام بدور المرشد أو
المُعلم؛ وأنه لا يستطيع قيادة البشر
إلى كيفية التصرف.. سواء فرديًّا أو
جماعيًّا.
هذا
عن الخوف الأول.. أما عن الخوف الثاني
فهو ينبعث من التاريخ الدموي للحروب
الدينية التي توالت في القرون الماضية.
فالكتاب يعكس تخوفا من التخلي عن
اتفاقية "ويستفاليا" التي أبرمت
في عام 1684؛ الأمر الذي يمكن أن يؤدي إلى
استدعاء الحروب الدينية من جديد؛ فقد
كانت هذه الاتفاقية -وما زالت- بمثابة
السد المانع لاستخدام الاختلافات
الدينية في الشئون السياسية بين الدول
ذات السيادة. بلغة أخرى: إن "ويستفاليا"
-كما يقول "جيي.
|

|
|
بريان هيهير القسيس السياسي
|
بريان
هيهير" J.Bryan Hehir الذي يشغل منصب أستاذ
"الدين والحياة العامة" في جامعة
"كينيدي هارفارد" الأمريكية- هي
أول انطلاقة لفكرة "الفصل بين
الكنيسة والدولة"، ومن ثَم فإن
التغاضي عن هذه الاتفاقية -كما يقول
الكتاب- سيؤدي إلى كارثة دينية، وإلى
العودة لعهد ما قبل "ويستفاليا".
إلا
أن تدخل الدين في العلاقات الدولية لا
يمكن تقييمه بالسالب أو الإيجاب -كما
يرى "شيبلي تلحمي" Shibley Telhami
الأستاذ بمركز "أنور السادات"
بجامعة "ماري لاند" الأمريكية-
لأنه يعتمد في نهاية الأمر على ماهية
المبادئ الدينية التي تتدخل في إدارة
العلاقات بين الدول، وكيفية تطبيقها،
وطبيعة الأسئلة التي تطرحها. هذا
بالإضافة إلى أن الحديث حول العلاقة
بين الدين والسياسة يتسم بالاضطراب
والتشتت -والكلام لـ"تلحمي"- لكون
هذا الحديث لا يفرق بين دور الدين
كأفكار ودور الدين كمؤسسات.
كتب
سابقة في هذا المضمار
إن
هذا الكتاب يعتبر الكتاب الرابع من ضمن
سلسلة كتب تابعة لمشروع مشترك بين كل
من مؤسسة "بروكينجز" البحثية و"منتدى
الدين والحياة العامة". وتعتمد هذه
السلسلة على عدة افتراضات محورية:
أولا أن الأصوات الدينية المتجذرة في
العقيدة لديها الكثير.. لتقوله وتطرحه
حول السياسة بوجه عام والسياسة العامة
بوجه خاص. ثانيًا أن المتدينين -بما
يشمل أصحاب العقيدة الواحدة والتقاليد
الدينية الواحدة- يمكنهم التناحر حول
مسائل سياسية ليس فقط لكونهم يرون
الوقائع بشكل مختلف، وإنما لكونهم
يقرءون تقاليدهم وعاداتهم بشكل مختلف.
ثالثًا أن التمسك بالعقيدة لا يعني على
الإطلاق إهمال الوقائع والأحداث.
أما
الكتاب الأول "تحسين مستوى الفقراء..
حوار حول: الدين، الفقر، والإصلاح
الاجتماعي"؛ فهو يرتكز أساسًا على
كيفية استخدام الدين في رفع ضغط الفقر
عن الناس. والكتاب الثاني "هل السوق
أخلاقية.. حوار حول: الدين، الاقتصاد،
والعدل" فهو يتناول قضية التزامات
الفرد المتدين صاحب العقيدة تجاه
المجال العام. في حين أن الكتاب الثالث
"جمهور انتخابي واحد في ظل الإله"
يتحدث عن العلاقة بين العقيدة
والسياسة الأمريكية، وعن دور الدين في
الحياة السياسية للناخب الأمريكي.
إن
الفلسفة الكامنة وراء تلك المجموعة من
الكتب تتمثل في إبراز أهمية دور الدين
في السياسة العامة.
وأفضل من عبّر عن هذه الفلسفة "مارثا
مينو" Martha Minow أستاذة القانون بجامعة
"هارفارد" الأمريكية؛ حيث قالت:
"إن البراهين والرؤى المصطبغة بصبغة
الدين تبعث البصائر النبوئية والقدرات
النقدية الفذة في جسد السياسة والشئون
العامة، وترسل فيها شعاعًا من الطاقة
الهائلة". وقالت أيضًا: "إن أي
رؤية تنحي الدين جانبًا عن مجال
السياسة العامة.. إنما هي رؤية ناقصة".
أما الكتاب الرابع -وهو كتابنا الذي
نعرضه- فقد بدأ يتشكل في فبراير 2003،
حينما تم دعوة كُتابه ومؤلفيه إلى مركز
"بروكينجز" ليتحدثوا عن قضية
الدين والسياسة الخارجية. ومن الجدير
بالذكر أن يجيء توقيت الدعوة مع لحظة
استعداد الإدارة الأمريكية لشن حربها
على العراق؛ وهو ما جعل المناقشة بين
الكتاب والمؤلفين تحمل بين ثناياها
الحدة؛ تماشيًا مع هذه اللحظة الحرجة،
أو هذا الحدث الجلل. بعدها قام "بروكينجز"
باستخدام ملاحظاتهم وتعليقاتهم
كأرضية للموضوعات التي نشرت بعد ذلك في
الكتاب المعني، في عام 2004.
تخبط
بين الواقعي والقيمي
يمكن
لأي فاعل سياسي أن يصطاد من الكتاب ما
يروقه من الحجج التي تناسب مصالحه، إلا
أن تلاميذ المدرسة "الأخلاقية في
السياسة الخارجية" لا تروقهم أي
حجج؛ لما لديهم من قناعة كاملة
بالتقاليد التي ينبثقون منها، سواء
على المستوى الأخلاقي أو المستوى
الثقافي. ولا نستطيع أن نتحدث عن هذه
المدرسة دون استدعاء الأب الروحي الذي
عكس الأخلاق والدين على السياسة
الخارجية، والذي كان له باع ضخم في
إذكاء هذا المزج.. إنه "راينهولد
نيبور" أو Reinhold Niebuhr صاحب الاتجاه
المسيحي السلمي في الفترة التي سبقت
الحرب العالمية الثانية.
وقد
لاحظ "هيهير" تصادم ذلك المزج "المسيحي
الواقعي" مع الأفكار المنبثقة من
نظرية القانون الطبيعي الكاثوليكي.
وكذلك لاحظ التصادم بين طرح "نيبور"
حول "التواضع" وتلك الأصوات
الدينية التي تتصور أنها قد وصلت إلى
قمة الكمال في الدين. فقد كتب عنه "ريتشارد
فوكس" -وهو من أهم المعلقين عن "نيبور"-
بأنه كان مثالا للتواضع الجم؛ حيث كان
دائمًا يؤكد أن "الوعي بالخطيئة
يمكنه مقاومة أو على الأقل محايدة ولع
البشر بالنظر إلى أنفسهم على كونهم
أدوات مختارة للعمل المقدس".
ليس
هذا التناقض الوحيد؛ إنما هو أحد
التناقضات الكثيرة المتواجدة بين دفتي
هذا الكتاب التي يتركز معظمها في
العلاقة المتأزمة بين الحجج الواقعية
والحجج الأخلاقية والتي يسوق "والتسر"
إحداها عندما يشير إلى حملة التفجير
الإستراتيجية التي قامت بها بريطانيا
ضد ألمانيا في خلال الحرب العالمية
الثانية، وما أسفر عنها من وقوع ضحايا
مدنيين. فيخلص "والتسر" إلى الرأي
القائل بأن مناصري الطرفين -ألمانيا
وبريطانيا- كان لديهم من القناعات
الأخلاقية والسياسية التي صاغت وشكلت
حججهم في أثناء الحرب. ويضيف "شبيلي
تلحمي" هنا مشيرًا إلى أن الدول التي
تؤصل ممارساتها أخلاقيًّا غالبًا ما
تجد أن الأخلاقيات لها أثر واضح وفعّال
في عالم الفعل أو التطبيق. فعلى سبيل
المثال يستخدم "بوش الصغير" شعار
"وقف الإرهاب" كحجة أخلاقية ضد
الدول التي يراها إرهابية؛ ومن ثَم يجد
المبرر الكافي لضربها. هكذا
تُستخدم الأخلاق في تحقيق المصالح
السياسية.
استبعاد
الدين مستحيل
يمكن
لأولئك المهتمين بمجال العلاقات
الدولية أن يقللوا من درجة احتكاكهم
بتلك القضايا المنبثقة من الدين، إلا
أننا نؤكد -كما يؤكد "هيهير"-
استحالة هذا الأمر في هذا الوقت الذي
نعيش فيه. فالباحث الواقعي لا يستطيع
في اللحظة الراهنة أن ينحي أهمية القوى
الدينية التي باتت تشكل العالم الماثل
أمامنا الآن. كما أننا متأكدون من أن
أولئك الذين يطلقون على أنفسهم "متدينين"
غير قادرين على تجنب التساؤلات التي
طرحناها هنا. فعلى الأقل هم مُلزمون
بتوجيه تلك التساؤلات إلى أنفسهم؛
ليطمئنوا بأن ما يرونه من فروض دينية
ليس قناعًا لمصالح أخرى.
هم
أيضًا ملزمون بالاختلاط مع العالم
الدنيوي، كما يقول "ديتريش بونهوفير"
رجل الدين الذي سجن ثم قتل بسبب ضلوعه
في محاولة اغتيال "هتلر". فهو يصب
جام غضبه على أولئك المتدينين الذين
ينسحبون في داخل "مدينتهم الفاضلة"
لكي يتجنبوا الاختلاط بالظالمين
والمجرمين. "فالأفعال المسئولة" -كما
يقول "بونهوفير"- "يتضمنها قدرمن التلوث.. والمرء لا يستطيع
تجنب اتساخ يديه حينما يحتك بالعالم
السياسي". ولكن إلى أي مدى تتسخ
يداه؟ وإلى أي مدى تتشبع يداه بالدماء؟
هذا هو السؤال الذي يحاول مؤلفو الكتاب
الإجابة عليه. في هذا العالم غير
الكامل يتجه هذا السؤال ليس فقط صوب
المتدينين أصحاب العقائد، وإنما يتجه
أيضًا صوب غير المتدينين.
اقرأ
أيضًا:
المقال هو قراءة لمقدمة كتاب "الحرية والقوة: حوار حول الدين والسياسة الخارجية الأمريكية في عالم غير عادل" الصادر عن مركز "بروكينجز" 2004 http://www.brookings.edu/press/books/libertyandpower.htm
*
باحثون في مركز بروكينجز، بمشروع "الدين والمجتمع المدني"
**
باحثة دكتوراة بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة
|