بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

في الموقع أيضًا:

أمريكا الشمالية 

إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين


الدور الحقيقي للمال بانتخابات أمريكا

د. منار الشوربجي** 

19/10/2004

الرئيس السابق ريتشارد نيكسون صاحب فضيحة ووترجيت المالية

 لا شك أن فهم مسألة تمويل الحملات الانتخابية في الولايات المتحدة هام جدا من أجل فهم طبيعة الدور الذي تلعبه جماعات المصالح في تلك الانتخابات.

ففي الولايات المتحدة جدل صاخب لا ينقطع حول نفوذ المال في السياسة، وتكثر الكتابات التي تتناول مدى النفوذ الذي تمارسه جماعات المصالح والأثرياء الذين ينفقون ببذخ على تمويل الحملات الانتخابية لكافة المناصب الفيدرالية.

 والقضية هي ما إذا كان هذا الإنفاق يؤدي إلى تصعيد سياسيين أسرى لهذه الأموال، مما ينتج عنه قرارات سياسية تنحاز لأصحاب المصالح، على حساب الجماهير غير المنظمة، التي لا تملك الأموال للدفاع عن رؤاها ومطالبها.

غير أنه من المهم منذ البداية الإشارة إلى أن الغالبية العظمى من هذه الأموال تنفق في إطار الشرعية ودون انتهاك للقانون.

بعبارة أخرى، فإن الجدل لا يدور حول ما إذا كان هذا التمويل، وما يتبعه من نفوذ، يحدث أو لا يحدث في إطار القانون، فهذا ليس موضع الجدل، اللهم إلا في حالات قليلة تحدث فيها تجاوزات أو انتهاكات للقانون (كما حدث في حملة نيكسون 1972 أو في حملة كلينتون 1996). وإنما يدور الجدل من منظور آخر يسعى لإصلاح القانون نفسه، الذي يعتبره الكثيرون لم يحقق الغرض منه وانطوى على عشرات الثغرات التي استغلها من يريد، وصارت هي جوهر القضية.

وقبل التعرف على طبيعة هذه القوانين والثغرات المرتبطة بها، ينبغي أولا الوقوف على طبيعة المشكلة وجوهرها، وهي التي تأتي من مصادر عدة. أولها هي مسألة التمويل العام، فعلى عكس أغلب الديمقراطيات الغربية التي تستخدم الخزانة العامة لتمويل الحملات الانتخابية، فإن الديمقراطية الأمريكية عزفت منذ البداية عن استخدام المال العام لهذا الغرض.

 وقد انبنى هذا العزوف على موقف فلسفي يعلي في جوهره من الفردية، التي هي أحد أهم القيم الرئيسية في الثقافة السياسية الأمريكية. فهي رؤية مؤداها أن استخدام أموال دافع الضرائب لتمويل الحملات يعني بالضرورة أن يجد الفرد أمواله تذهب أحيانا لتمويل مرشح أو حزب ربما هو يختلف مع مواقفه وسياساته، وهو ما لا يمكن قبوله.

والحالة الوحيدة المسموح فيها وفق القوانين الأمريكية باستخدام المال العام هي حالة حملات الرئاسة. ولكنه مصدر تمويل اختياري يقبله أو يرفضه المرشح، فضلا عن أنه يأتي إلى جانب المصادر الأخرى -لتمويل نفس الحملة- وليس بديلا عنها، كما سيأتي شرحه لاحقا.

بعبارة أخرى، فإن غياب المال العام عن تمويل الحملات الفيدرالية كلها، ووجوده بشكل اختياري في حملات الرئاسة، يعني أن على المرشح أن يسعى للحصول على التمويل بنفسه، خصوصا في ضوء ما سيتم شرحه لاحقا عن طبيعة الأحزاب الأمريكية.

صناعة رائجة ومكلفة

ويكون المرشح لأي منصب فيدرالي في حاجة ماسة لجمع أكبر قدر ممكن من الأموال، نظرا للارتفاع المذهل في تكلفة الحملات الانتخابية في الولايات المتحدة الأمريكية. فقد صارت الانتخابات صناعة رائجة قائمة بذاتها لها متخصصوها الذين يتقاضون أجورا باهظة.

فالمرشح يحتاج في حملته إلى متخصصين في إجراء استطلاعات الرأي، وآخرين في الدعاية التلفزيونية، فضلا عن خبراء في إعداد الإستراتيجية الانتخابية، وتحديد قضاياها، وآخرين لتدريبه على الخطابة، وعلى التعامل مع الإعلام، فضلا عن مسئولين إداريين وماليين .. الخ. وقد صارت هناك مؤسسات عملاقة تخصصت كل منها في واحدة أو أكثر من تلك الخدمات، وصار على المرشح أن يتعاقد معها لتتولى أمر حملته في هذا الجانب أو ذاك.

أما إذا كان المرشح يطمح في منصب الرئاسة تحديدا، بالمقارنة بمناصب أخرى، فإن عليه أن ينفق، إلى جانب كل ذلك، على التنقلات المكوكية بين الولايات الخمسين، وينشئ فروعا لحملته في الولايات المهمة منها، فضلا عن مضاعفة الدور الذي يقوم به كل فريق المتخصصين السابق الإشارة إليه، حيث يتولون تلك المهام على اتساع دولة مترامية الأطراف يتسم ناخبوها بالتعددية الشديدة في أفكارهم ورؤاهم ومطالبهم.

والمصدر الثاني المهم وراء مشكلة التمويل إنما يتمثل في موقف المحكمة العليا الأمريكية التي سوت في أحكامها بين إنفاق المال وحرية الكلمة. أي اعتبرت أن الإنفاق على الحملات الانتخابية من جانب المواطنين الأمريكيين أفرادا وجماعات إنما هو أحد أشكال التعبير عن الرأي. ومن ثم رفضت وضع قيود على ذلك الإنفاق باعتباره انتهاكا للدستور، الأمر الذي أدى إلى مزيد من القيود على طبيعة القوانين التي تصدر لتنظيم عملية جمع الأموال وإنفاقها في الحملات. ففي حكم شهير صدر في عام 1976 فرقت المحكمة بين الإسهام المباشر في حملة أحد المرشحين من جانب أي فرد أو جهة، وبين الإنفاق المستقل من جانب المصادر نفسها. واعتبرت أن الأول يمكن وضع سقف له، على أساس أنه يحمي من إفساد المرشح، ولكنها رفضت وضع أية قيود على الإنفاق المستقل عن المرشح باعتبار أنه أحد أشكال حرية التعبير.

ومن ثم، فإن الفرد يمكنه أن يقدم إسهاما ذا حد أقصى إذا كان يذهب مباشرة إلى حملة أحد المرشحين. ولكن من حقه، إضافة لذلك، أن ينفق بلا حدود أثناء الحملة الانتخابية على دعم أو مناهضة موقف سياسي، أو لوضع قضية ما على أجندة الانتخابات، طالما أن هذا الإنفاق لا يحدث بالتنسيق مع المرشح، رغم أنه بالقطع إنفاق يستفيد منه ذلك المرشح.

أما المصدر الثالث للمشكلة، فهو يرتبط ارتباطا وثيقا بالمصدرين الأول والثاني. فنتيجة لكليهما معا، نجح أصحاب المصلحة دوما في التقاط الثغرات في أي قانون جديد يصدر، وتحويلها إلى أبواب جديدة للإنفاق على الحملات الانتخابية.

فعلى سبيل المثال، مرر الكونجرس عام 1907 قانون معروف باسم قانون تيلمانTillman الذي حظر مساهمات البنوك والشركات الكبرى في الحملات الفيدرالية.

 ثم صدر بعده قانون تافت هارتلي Taft Hartley في عام 1947 ليفرض حظرا مماثلا على الاتحادات التجارية واتحادات العمال. إلا أن هذين القانونين لم يتطرقا إلى مساهمات الأفراد. فكانت تلك هي الثغرة التي التقطتها الشركات والاتحادات، حيث ظلت الأموال طوال تلك الفترة تقدم من جانب "الأفراد" الذين كانوا في الواقع أصحاب أسهم في هذه الشركات أو مسئولين عنها أو مالكين لها.

ووترجيت نقطة تحول

ثم جاءت فضيحة ووترجيت لتمثل نقطة تحول دفعت نحو إعادة النظر في قوانين تمويل الحملات. فقد ثبت أن حملة نيكسون الانتخابية عام 1972 تلقت إسهامات مالية كبرى من "أفراد" دون أن يعلم عنها أحد شيئا، ثم كافأت هؤلاء الممولين الكبار لاحقا بإعطائهم مناصب مهمة في الإدارة. ومن ثم صدر قانون تمويل الحملات الانتخابية عام 1974 (ثم أدخلت عليه تعديلات مهمة في 1976 و1979) وصارت بنوده هي الأساس الحقيقي الذي يحكم التمويل، رغم ما أضافه إليها قانون إصلاح تمويل الحملات الذي صدر في عام 2002 والمعروف باسم ماكين فاينجولد (نسبة إلى عضوي مجلس الشيوخ اللذين توليا كتابته ودفعه عبر أروقة الكونجرس).

وقد ركز قانون 1974 (وتعديلاته) على المرشح الفيدرالي وما يتلقاه من تمويل من المصادر المختلفة. وسعى إلى تنظيم الحصول على هذا التمويل عبر طريقين، الأول هو وضع سقف للإسهامات المختلفة التي تقدم له، والثاني هو تحديد إجراءات واضحة للإفصاح عن حجم هذه الأموال ومصادرها.

فقد أنشأ القانون اللجنة الفيدرالية للانتخابات خصيصا لهذا الغرض Federal Election Commission"" وهي لجنة مكونة من ستة أعضاء نصفهم من الديمقراطيين والنصف الآخر من الجمهوريين، يختارهم الرئيس ويصدق على تعيينهم مجلس الشيوخ، ومهمتها الرئيسية هي تلقي تقارير من المرشح، ومن المتبرع تتضمن حجم الأموال التي تلقاها الأول أو تلك التي قدمها الثاني، فضلا عن متابعة تنفيذ القانون نفسه والتأكد من التزام كافة الأطراف بما جاء فيه.

 وبناء على بنود هذا القانون، صارت هناك مصادر أربعة لتمويل حملات مرشحي الرئاسة: المال العام، وإسهامات الأفراد، فضلا عن إسهامات لجان العمل السياسية، والأحزاب. فقد أبقى القانون الحظر المفروض على الشركات والمنظمات، بينما مكنها من إنشاء لجان عمل سياسية طوعية Political Action Committees (PACs) تتولى تمويل الحملات، وفرض حظرا على أي تمويل من جانب الأجانب.

جدل مستمر

من يتابع الجدل الدائر داخل الولايات المتحدة بشأن دور المال في السياسة يجد انقساما بين الصحفيين من ناحية، وعلماء السياسة من ناحية أخرى، بشأن نفوذ المال في العملية السياسية. فالصحفيون الذين يتابعون العملية السياسية عن كثب، ويعرف الكثيرون منهم ما يدور وراء الكواليس، يرون أن المال يلعب دورا مدمرا في العملية السياسية لصالح أصحاب المال. أما علماء السياسة، فهم باستثناءات قليلة يرفضون ذلك الطرح. وهناك عشرات من الدراسات -التي قام بها علماء سياسة متخصصون قامت على أسس منهجية سليمة، ومعظمها استخدم المنهج الكمي- خلصت إلى نتيجة مؤداها أنه لا علاقة مباشرة بين المال والمواقف السياسية التي يتبناها أصحاب المناصب المختلفة.

فقد خلصت مثلا الدراسات التي بحثت في السلوك التصويتي لأعضاء الكونجرس إلى أنه لا توجد علاقة سببية مباشرة بين المال الذي يتلقاه العضو، وبين سلوكه التصويتي. بمعنى أن هناك عوامل واعتبارات عديدة تلعب أدوارا مهمة في اتخاذ العضو لقراره بالتصويت لصالح مشروع قانون أو ضده. باختصار، خلصت هذه الدراسات إلى أنه لا يوجد دليل على أن الأموال تشتري الأصوات.

السؤال إذن من المخطئ ومن المصيب؟. في واقع الأمر، فإن هذا الانقسام بين علماء السياسة والصحفيين يوازيه انقسام مماثل بين السياسيين وجماعات المصالح. ففي الوقت الذي ينفي فيه رجال السياسة بشكل مستمر تأثير جماعات المصالح على قراراتهم، لا تكف جماعات المصالح نفسها عن الإشارة إلى مدى نفوذها في تغيير قرار ما أو الدفع نحو آخر، أو هزيمة مرشح بعينه، أو مكافأة آخر بالفوز.

وهذا الانقسام بين الساسة وجماعات المصالح مفهوم ومبرر وهو مبني على مصلحة كل فريق. فلأن هناك درجة عالية من الغضب الشعبي إزاء جماعات المصالح عموما ولجان العمل السياسي خصوصا، فإنه من مصلحة السياسي أن ينكر على الدوام أي تأثير لهذه الجماعات على قراراته. أما جماعات المصالح نفسها، فإن التأكيد على أنها صاحبة نفوذ وإقناع القاصي والداني بذلك، هو في حد ذاته أحد مصادر النفوذ لأنه بمثابة وسيلة ردع لمن يفكر في تحديها وهذا هو في الواقع جوهر القضية.

فبالنسبة للانقسام بين علماء السياسة والصحفيين فإن كليهما محق في واقع الأمر، ذلك لأن ما يشتريه المال فعلا في واشنطن ليس صوت الساسة، وإن كان ذلك لا يعني أن المال بريء في العملية السياسية. فالمال يشتري وقت السياسي لا صوته.

طبيعة الدور والهدف

فجماعات المصالح وأصحاب الأموال عادة لا يقدمون إسهاماتهم المالية لمن يختلفون معهم، فهي قضية خاسرة. وإنما يقدمونها لمن يؤيدون مطالبهم في الأصل، أو أولئك الذين ليس لهم موقف مبدئي إزاءها. ومن ثم فإن الدور الحقيقي الذي يلعبه المال إنما يتمثل -كما يقول عالما السياسة ريتشارد هوك وفرانك وإيمان- في "تعبئة الانحياز" لصالح مواقف أصحاب المال "وردع الانحياز ضدهم وتقويضه".

 فجماعات المصالح تغدق الأموال لا من أجل تغيير موقف السياسي، وإنما لمنع غيره أصلا من التفكير في معارضتها. فهي من خلال الأموال، تعطي صورة واضحة عن نفوذها، وما يمكنها القيام به لصالح أنصارها، وضد من تسول له نفسه الوقوف في وجه مصالحها.

بعبارة أخرى فإن الأثرياء وجماعات المصالح يمولون من يؤيدهم. وهذا التمويل في حد ذاته يمثل رادعا قويا ضد خصومهم. وهي في الواقع حالة أنصار "إسرائيل". فهناك اعتبارات عديدة فعلا -كما يقول علماء السياسة- تحكم قرار السياسي بشأن هذا الموضوع، ومن أهم هذه الاعتبارات أنه لا توجد في الواقع تكلفة يدفعها السياسي إذا ما أيد إسرائيل، ولكنه يدفع ثمنا باهظا إذا ما وقف ضد مصالحها.

إضافة لكل ذلك، فإن المال -كما اتضح في مواضع أخرى من هذا البحث- إنما ينحاز بوضوح للمنظمين سياسيا على حساب مصالح غير المنظمين، وهو أيضا منحاز للسياسيين المخضرمين أصحاب شبكة العلاقات الواسعة على حساب المبتدئين منهم، غير المرتبطين بمثل تلك الشبكة بشكل أو بآخر.

اقرأ أيضا:


** المديرة الأكاديمية لمركز الوليد بن طلال للدراسات الأمريكيّة بالجامعة الأمريكيّة بالقاهرة. نشر هذا المقال على صحيفة "أخبار الخليج" البحرينية في سبتمبر 2004.

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 


إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين


من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع