|
"فيتنام"
تطل برأسها على الانتخابات الأمريكية
|
|
شيرين
حامد فهمي**
|
14/10/2004
|
|

|
|
أحد محاربي فيتنام القدامى
|
هل
تعتبر حرب العراق الحالية "فيتنام"
ثانية؟ هل تذكرنا الانتخابات
الأمريكية الحالية -وما تثيره من
نقاشات ساخنة حول حرب العراق- بعام 1972
حيث كانت أجواء حرب "فيتنام" هي
المهيمنة على الأجواء الانتخابية
الأمريكية؟ فبينما كانت حرب "فيتنام"
هي المسيطرة على السباق الانتخابي في
عام 1972 -حيث كانت السياستان الأمنية
والخارجية تشكلان بؤرة الاهتمام- باتت
حرب العراق الحالية هي المسيطرة على
الانتخابات الأمريكية لعام 2004.
إن
الانتخابات الأمريكية لعام 2004 تفرض
بالتأكيد أسئلة وقضايا ملحة، تساير
طبيعة التحديات الآنية التي تهدد
الولايات المتحدة. بلغة أخرى: إن سيطرة
حالة من الفزع "الإرهابي" على
الأراضي الأمريكية تثير قدرا لا
يستهان به من الإشكاليات في الداخل
الأمريكي، المشرف حاليا على انتخاب
رئيس جديد؛ ومن ضمن هذه الإشكاليات،
إشكالية توفير الأمن؛ ومن ثم يثار بقوة
هذا التساؤل: من هو الأقدر على حماية
الولايات المتحدة؟ "جون إف. كيري"
أم "جورج دبليو. بوش"؟ ومن هو
الأحسن والأنسب في قيادة القوات
الأمريكية؟.. إنه التساؤل الأكثر سخونة
الذي يطرح حاليا في أجواء الانتخابات
الأمريكية، والذي لا يمكننا الرد عليه
بدون استدعاء "الفزاعة"
الأمريكية -أو إن جاز القول رأس المآسي
الأمريكية- التي تهيمن على الوعي
الأمريكي... إنها حرب "فيتنام".
إن
حرب العراق 2003 تمثل -بدون شك- إحدى
محددات التنافس الانتخابي بين "بوش"
و"كيري"، كما كان الحال، قبل ذلك،
مع حرب فيتنام. فالجدل يدور حاليا حول
معيار الولاء للولايات المتحدة؛ بمعنى
آخر، ماذا قدم كل منهما لبلاده؟ وكيف
ضحى كل منهما من أجل حماية الأمن
والسلام الأمريكيين؟ ومن ثم تكون
الإجابة، أن من أعطى أكثر هو من يستحق
أكثر.. ليكون هو الأنسب والأجدر بحماية
الولايات المتحدة من خطر الحروب؟ وهنا
تثار مسألة حرب فيتنام، لنقيس عليها
حجم "الولاء" ومقدار "التضحية"
لكلٍّ من المرشحين. فيبرز "بوش"
المتهرب من حرب فيتنام حيال "كيري"
المتطوع في الحرب ذاتها، ويتحول
التنافس الانتخابي إلى ما يمكن أن نطلق
عليه مذبحة قذرة بين الطرفين.
فها
هو "كيري" لا يترك فرصة إلا
وينتهزها من أجل تشويه صورة "بوش"؛
الذي فضل التهرب من حرب فيتنام، من
خلال التحاقه بالحرس الوطني بولاية
"تكساس". وها هو "بوش" ينتهز
سقطة "كيري" حينما تحول إلى معارض
لحرب "فيتنام" بعد عودته منها؛
مما أدى إلى اهتزاز صورته هو الآخر في
أعين الضباط القدامى الذين خدموا
بالحرب. وكانت المساءلة التي تعرض
إليها "كيري" في ساحة الكونجرس
أوضح دليل على ذلك، حيث بات "ولاؤه"
محل ارتياب وشك. وكان من ضمن هذه
المساءلة، قيام أحد الضباط المحنكين
في حرب فيتنام Vietnam Veteran بالتعليق عليه
قائلا: "لقد خاننا في الماضي.. فكيف
نستطيع الآن أن نشعر بالولاء حياله؟".
باختصار،
لقد تم تشويه صورة "كيري" لأول مرة
على شاشات التليفزيون الأمريكي..
والسبب هو حرب "فيتنام". ومن
الجدير بالذكر، أن "فيتنام"
استخدمت بنفس الطريقة في الانتخابات
الأمريكية السابقة (عام 2000)، حيث تم
استدعاء "ماضي" المرشح السناتور
"جون ماكين" بنفس الأسلوب؛ فكانت
النتيجة هي التثبت من "ماضيه
الفيتنامي" غير الشريف، الأمر الذي
أدى إلى إسقاطه في النهاية.
ومن
الظاهر، أن مسألة "فيتنام" سوف
تلقي بظلالها على الناخب الأمريكي،
الذي سوف يحدد من خلالها الرئيس الأكثر
ضمانا للأمن الأمريكي. ف"كيري"
يلعب على وتر الوطنية، من خلال تذكيره
الدائم للناخب الأمريكي بالدور الذي
لعبه في حرب فيتنام؛ ومن ثم لا يترك
فرصة لتوجيه اللوم والتقريع إلى
منافسه المتخلف عن الحرب إلا واغتنمها
بكل ما أوتي من قوة. وعلى الوجه المناقض،
يصف "بوش" نفسه بكونه رئيس
اللحظات الصعبة الذي سيعيد للولايات
المتحدة وللعالم المتحضر كله الأمن
والسلام المفقودين. هكذا نرى كيف يكون
لحرب قديمة، عمرها أكثر من ثلاثين عاما،
هذا التأثير الكبير الممتد على
الانتخابات الأمريكية الحالية؛ ومن ثم
على مستقبل الولايات المتحدة.
إن
الحالة العراقية تشبه إلى حد كبير -كما
يصرح مركز "بروكينجز" www.brookings.edu –
الحالة الفيتنامية، حيث يرتكز قلب
الأزمة الإستراتيجية على البعد
السياسي أكثر من أي بعد آخر. بلغة أخرى،
إن قلب الأزمة يتمثل في الإجابة على
الإشكالية السياسية الآتية: كيف
تستطيع الإدارة الأمريكية الوصول إلى
إيجاد حكومة عراقية ذات شرعية
جماهيرية، وفي نفس الوقت قادرة على صد
أي ردود فعل وطنية متصاعدة ضد الوجود
الأمريكي؟ بالطبع، إنه أمر ليس بالسهل؛
إلا أن الانتصار الأمريكي في العراق لن
يتأتى إلا عن طريق إيجاد مثل هذه
الحكومة. ومهما أظهر الجنود والضباط
الأمريكيون من بسالة على الساحة
العراقية -والقول لمركز "بروكينجز"-
فلن يكتب لهم النصر إلا بعد حل
الإشكالية السياسية.
التناقض
بين ملحمة "فيتنام" والحقيقة
وبالرغم
من هيمنة القضية الفيتنامية على
الساحة الانتخابية، فإننا قد نلحظ
تناقضا واضحا بين "الأسطورة
الفيتنامية" وبين الواقع الأمريكي.
ففي موقع "ضد الحرب" أو www.antiwar.com
يقوم الكاتب الأمريكي "موراي بولنر"
Murray Polner- مؤلف كتاب "لا عروض
انتصارية: عودة جنود فيتنام" – بصب
نقده على أولئك المسئولين الأمريكيين
الذين يدفعون شباب الولايات المتحدة
إلى التجنيد، إلا أنهم لا يستخدمون نفس
هذا "الدفع" مع أبناء الشخصيات
المهمة ذوي المناصب الحساسة؛ "الكل
يذهب إلى الحرب إلا أبناء نواب
الكونجرس"، كمل يقول "بولنار".
و"فيتنام" و"العراق" يشهدان
على ذلك؛ وأصدق دليل يقدمه الكاتب في
هذا الصدد، ما فعله "بوش الابن" في
أثناء حرب "فيتنام"، حينما استغل
منصب عائلته في "تكساس" لكي يتهرب
من الخدمة العسكرية في الحرب. ومن ثم،
ينادي "بولنار" في نهاية مقاله
بالوقوف ضد سياسة التجنيد الثنائية
التي ينتهجها المسئولون، سواء
التشريعيون بالكونجرس أو التنفيذيون
بالبيت الأبيض؛ فهم بأي حق ينتهجون هذه
السياسة وهم بعيدون كل البعد عن الحرب؟
فلم يقاسوا ويلاتها، ولم يكابدوا
مخاطرها؛ "لا بد أن تعارض الولايات
المتحدة، ولا بد أن يعارض شبابها هذا
الأمر؛ لأنه نوع من الاستعباد الذي
يقهر حريتنا".
"فيتنام"
تخلق فريقين متناحرين
وفي
إطار هذا التناحر حول الشأن الفيتنامي،
يقوم كل مرشح بالاستنجاد بمن ينصره على
غريمه. فنجد "بوش" يستنصر
بالمحاربين القدامى في حرب "فيتنام"
– الذين دشنوا موقعهم الإلكتروني "سويفت
بوت فيترانس فور تروث" – ليصفوا "كيري"
بالكذب والتدليس في شهادته عن "فيتنام".
هذا بالإضافة إلى صدور كتاب Unfit for Command
أو "غير صالح للقيادة" – الذي
أعلن عنه موقع www.news.scotsman.com، واصفا
الهجمات التي قام بها "كيري" في
أثناء حرب "فيتنام" بالغباء.. وليس
بالشجاعة كما يردد ناخبوه.
وعلى
الجانب المناقض، نرى "كيري" وهو
يستنصر بجماعة "التكساسيون للحقيقة"
أو Texans for Truth؛ وهم الذين يروجون حملة
شنعاء ضد "بوش"، كما تقول صحيفة
"الجارديان" البريطانية. فهم
يتهمون "بوش" بكونه قد استغل
علاقاته العائلية والشخصية في ولاية
"تكساس" للتهرب من خدمته العسكرية
في حرب "فيتنام". فيتحدثون عن قصص
"بوش" مع "الكبار" في "تكساس"،
لكي يسهلوا عليه نقله إلى ولاية "ألاباما"
في ذلك الحين، هروبا من الالتحاق
بالحرب. ومن ضمن هؤلاء "الكبار"
الذين يستشهدون به، السيد "بارنيس"
Barnes الذي يعترف الآن أنه قد استغل
منصبه حينذاك ليلبي مطلب "سيد آدجر"
Sid Adger – الذي يعتبر من ملوك النفط في
"تكساس" وفي الوقت ذاته من أقارب
"بوش الابن".
كما
نجد "كيري" يستنصر بالرئيس
الأمريكي "الديمقراطي" السابق
"بيل كلينتون"، الذي يحذره من
السقوط في مستنقع "فيتنام"، خاصة
بعد الحملة الشعواء التي قام بها
المحاربون القدامى، التابعين لجماعة
"سويفت بوت فيترانس فور تروث"،
الذين قاموا بتلطيخ تاريخه الفيتنامي
الذي طالما افتخر به. فنقلا عن صحيفة
"الجارديان" البريطانية (سبتمبر
2004)، ينصح "كلينتون" المرشح "كيري"
بتخفيف التركيز على "فيتنام"،
وإعادة التركيز على قضايا الصحة
والبطالة، محاولا وضع الديمقراطيين
على المسار الصحيح، في ظل الأسابيع
الأخيرة قبيل الانتخابات، وإنقاذ ما
يمكن إنقاذه.
وهكذا
يتبين لنا كيف يمكن لقضية قديمة كهذه
أن تغير مسار الانتخابات، فتعصف بمرشح
وتأتي به أرضا؛ وتعلي من شأن الآخر
وترفعه سماء... إنها طبيعة الانتخابات
الأمريكية التي يسيطر عليها الإعلام
منذ الوهلة الأولى وحتى الوهلة
الأخيرة؛ فتطوع المعلومة حسب المصلحة
لا حسب الحقيقة.
ويبقى
لنا في النهاية طرح السؤال الآتي: هل
فشل إدارة "بوش الابن" في حل
الإشكال السياسي بالعراق، كما فشل
الرئيس الأمريكي السابق "ليندون
جونسون" -من قبل- في حل الإشكال
السياسي بـ"فيتنام"، ستكون
نتيجته الإطاحة به في انتخابات 2004، كما
أطاحت بـ"جونسون" في انتخابات 1969؟
وهل سينجح "كيري" – الذي سيخلف
"بوش" في هذه الحالة - في سحب
القوات الأمريكية من المستنقع العراقي،
كما نجح "ريتشارد إم. نيكسون" (الذي
خلف "جونسون") في سحب القوات
الأمريكية من المستنقع الفيتنامي؟
اقرأ
أيضا:
مواقع
ذات صلة:
**باحثة دكتوراة بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة.
|