|
11
سبتمبر في عيون مسلم أمريكي
|
|
شيرين
حامد فهمي**
|
04/10/2004
|
|

|
|
مقتدر
خان
|
إنه
"إم. إي. مقتدر خان"... المسلم
الأمريكي ذو الأصل الباكستاني الذي
يعمل باحثاً غير متفرغ بمركز "سابان
لسياسة الشرق الأوسط" Saban Center for Middle East Policy التابع لمؤسسة
"بروكينجز" البحثية، كما يعمل
مديراً للدراسات الدولية ورئيساً لقسم
الشئون السياسية بكلية "أدريان"
Adrian College بولاية "ميتشيجان"
الأمريكية... ألف عدة كتب في الآونة
الأخيرة؛ أقربها كتاب "الجهاد للقدس:
الهوية والإستراتيجية في العلاقات
الدولية" في عام 2004؛ وكتاب "المسلمون
الأمريكيون: عبور الإيمان والحرية"
في عام 2002؛ وأخيراً كتاب "الإسلام،
الديمقراطية، والنظرية السياسية"
الذي قام بتحريره، والذي يُنتظر صدوره
في الشهور المقبلة. هذا بالإضافة إلى
مقالاته المتنوعة -التي يكتبها بشكل
منتظم- في مجلتي "باكيستاني نيوز
ماجازين" و"ذه فريداي تايمز".
تُرى..
كيف يرى "مقتدر خان" أحداث 11
سبتمبر بعد ثلاث سنوات من اندلاعها؟
هذا هو السؤال الذي طرحناه -كإسلام أون
لاين.نت- قبل كتابة هذا المقال. أما سبب
طرحنا له فهو أننا قد قمنا -على امتداد
شهر سبتمبر 2004- بعرض عدة حوارات مع
مختلف التوجهات العربية (مسلمة وقبطية،
إسلامية وعلمانية)[1]حول هذا السؤال؛
إلا أننا لم نتعرض لرؤية مسلمة غربية
نابعة من الداخل الأمريكي. ومن ثم، فقد
عزمنا، إن جاز القول، على سد هذا
الفراغ الفكري. وكان اختيارنا لـ"مقتدر
خان" نابعاً من كونه مفكراً وباحثاً
متميزاً ومعروفاً بالولايات المتحدة
الأمريكية؛ جامعاً بين الأصول
الإسلامية الباكستانية من ناحية،
والأصول الأمريكية من ناحية أخرى.
ونظراً
لصعوبة إجراء حوار مباشر معه، فقد
اخترنا عدة مقالات له، مستقرئين
ومستنبطين منها رؤيته المفترضة غير
العربية. فأما المقال الأول، فاسمه "تقرير
لجنة 11/9 متوازن ونزيه عموماً"[2] الذي
نُشر بصحيفة "ديلي تايمز" في
أغسطس 2004؛ وأما المقال الثاني، فهو
عبارة عن وصف لكتابه الجديد -الذي
سيصدره مركز "بروكينجز" في عام 2005-
والمُسمى بعنوان "ما بعد الجهاد
والصليبية: إطار جديد للسياسة
الأمريكية في العالم الإسلامي".[3]
إستراتيجيات
حكيمة ولكن غير ديمقراطية
من
خلال قراءتنا لتقييم "مقتدر خان"
حول تقرير لجنة 11/9 لعام 2004، لمسنا
تأييده الواضح للإستراتيجيات
الأمريكية المناهضة للمنظمات
الإرهابية بالعالم الإسلامي، والتي
وصفها "خان" بالحكمة والعملية؛
متوقعاً نجاح الإدارة الأمريكية في
تطبيق الكثير منها، سواء كانت هذه
الإستراتيجيات "رخوة" أم "صلبة"،
"دبلوماسية" أم "عسكرية".
وبالرغم
من استحسانه لتلك الإستراتيجيات، التي
تحدث عنها التقرير بإسهاب ممل، فإنه لم
يخفِ تعجبه من إصرار الولايات المتحدة
على تحاشي تطبيق الديمقراطية في
العالم الإسلامي -كما ورد في التقرير-
في سبيل تحقيق مكاسب لها على المدى
القصير. فهو يتساءل مستغرباً: لماذا
يُظهر التقرير حساسية بالغة تجاه غياب
الديمقراطية في العالم الإسلامي، من
ناحية، ثم يظهر إصرار الإدارة
الأمريكية على تجنب تطبيق الديمقراطية،
على المدى القصير، من ناحية أخرى؟.
وكذلك
ينتقد "خان" تجنب التقرير لأي لوم
أو تقريع للسياسات الأمريكية التي
تُحبط وتُجهض الديمقراطية، سواء في
الولايات المتحدة أو في أي مكان آخر.
فيقول غاضباً: "يدعو التقرير، بصورة
شبه مكررة، الولايات المتحدة إلى
الدفاع عن قيمها عبر البحار؛ إلا أنه
ينسى أن يُذكرنا بضرورة تطبيقنا
لقيمنا هنا (يقصد الولايات المتحدة)
مثل ما نطبقها عبر البحار. إن [التقرير]
لا يعكس نقداً كافياً للسياسات
الأمريكية المجهضة للديمقراطية".
بل
إن التقرير يخلو -والكلام لـ"خان"-
من أي نقد موجه للإدارة الأمريكية
المساندة لإسرائيل. فكما يقول "خان":
"إن التقرير يُغطي، بشكل منتظم، على
أهمية التأييد الأمريكي لإسرائيل
ولسياستها الخارجية بالعالم الإسلامي".
تسطيح
قضايا المسلمين
يرى
"خان" في تقرير 11/9 اختزالاً
لقضايا المسلمين، وتبسيطاً لدين
الإسلام ذاته. فغياب الرؤية العميقة
للإسلام والمسلمين واضحة في التقرير
وضوح الشمس، مما يدل على ضعف في
التحليل وفقر في الدراسة. ويوضح "خان"
الأمر قائلاً: "إحدى إشكاليات هذا
التقرير تتمثل في غياب مشاركة
المسلمين الأمريكيين، وكذلك غياب
مشاركة العلماء المسلمين المتميزين،
ومشاركة العالم الإسلامي. فالتحليل
الذي يقدمه [التقرير] عن الصحوة
الإسلامية، وعن الحالة الاجتماعية-السياسية
بالعالم الإسلامي، وعن أسباب اندلاع
الإسلاميين المسلحين مثل (القاعدة)، هو
في النهاية تحليل يفتقد إلى العمق
والدراسة".
ومن
اللافت للانتباه، إقرار "خان"
بهذا الضعف التحليلي من ناحية،
وإقراره بالكم المعلوماتي الضخم من
ناحية أخرى. فالتقرير -حسب وجهة نظر "خان"-
يحتوي على 585 صفحة؛ مليئة بكم هائل من
المعلومات والتفصيلات؛ لدرجة أنه يمكن
استخدامها وتطويعها كسلاح سياسي فعال
على أيدي السياسيين، من شتى الجهات
والألوان. كما يمكن استخدامها كمرجعية
دسمة وثرية لكل من سيشارك في الحرب
العالمية ضد الإرهاب. وفي هذا الصدد،
يقول "خان": "إن القيمة
الأساسية له [التقرير] تتمثل في تجميعه
لكم هائل ومتراكم من البيانات في مكان
واحد، الأمر الذي سيجعل منه مرجعية
مفيدة وباقية لكل من سينخرط في المشروع
الجديد للمناهضة العالمية للإرهاب".
إلا
أنه بالرغم من ذلك، يشير "خان" إلى
أن كل هذا الكم لا يقدم جديداً؛ فكل ما
ينصح به التقرير، كانت المراكز
البحثية قد نصحت به من قبل، منذ ثلاث
سنوات. "التقرير يؤكد –تفصيلاً- ما
هو معروف بداهة في الشارع الأمريكي.
معظم ما أظهره التقرير هو معروف مسبقاً.
ومعظم ما أخفاه هو معروف مسبقاً أيضاً".
ومن
ضمن الأمور التي أغفلها التقرير -كما
يرى "خان"- تناول العلاقة بين
الأمن الأمريكي والسياسة الخارجية؛
فالتقرير لم يقدم أي جديد عن هذا الأمر.
الحل
في المسلمين الأمريكيين
يرى
"خان" سر الأزمة -الواقعة حاليًّا
بين الولايات المتحدة والدول
الإسلامية- متمثلاً في التجاهل
الأمريكي المستمر لطموحات وأحلام
الشعوب المسلمة المطوقة نحو
الديمقراطية؛ ومن ثم التفضيل الأمريكي
للأنظمة غير الديمقراطية التي تحكم
الدول الإسلامية. هذه الرؤية تبلورت في
كتابه الجديد "ما وراء الجهاد
والحرب الصليبية" Beyond Jihad and Crusade،
الذي من المفترض إصداره على مطلع العام
القادم، 2005، من قبل مركز "بروكينجز".
في
هذا الكتاب، يحاول "خان" استكشاف
أسباب الكره المستشري في العالم
الإسلامي تجاه الولايات المتحدة؛ كما
يحاول استكشاف دور المسلمين المعتدلين،
وكفاحهم ضد التطرف والتشدد في سبيل
إرساء ديمقراطية إسلامية ذات إدراك
ليبرالي للإسلام. كذلك يحاول "خان"
النظر في الدور الخطير للمسلمين
الأمريكيين، ومدى تمكنهم من مد الجسور
المتينة بين الولايات المتحدة والعالم
الإسلامي. وهو يتحدث عن هذا الدور أيضاً،
في أثناء تقييمه لتقرير لجنة 11/9 حيث
يقول: "إن التقرير يقدم فرصة عظيمة
لمشاركة المسلمين الأمريكيين؛
ولتوسيع الجدل القائم حول رد الفعل
الأمريكي تجاه هجمات 11/9. إنه يسمح لهم
بمشاركة الأمريكيين الآخرين في مساءلة
الحكومة الأمريكية بخصوص ما يتعلق
بتوفير الأمن الداخلي. كذلك يمكن
للمسلمين الأمريكيين بتنمية
استراتيجيات استباقية للتأقلم مع
الوقائع التي لم يكشف عنها بعد.
باختصار،
إن التجاوب البناء سوف يحمي المسلمين
الأمريكيين، وسوف يقوي من رابطتها
ببقية الولايات المتحدة الأمريكية.
في
ظل هذه العلاقة الصراعية التي نشهدها
بين الإسلام وبين العالم الغربي، وفي
ظل الخراب المستشري في العالم
الإسلامي، دولاً وشعوباً، يحاول "خان"
-من خلال هذا الكتاب- تقديم إطار جديد
للسياسة الخارجية الأمريكية تجاه
المسلمين. وملخص هذا الإطار، كما يوضح
"خان"، هو تحويل الولايات المتحدة
لصورتها، من فاعل مناهض للمسلمين
والإسلام إلى دولة "صديقة للمسلمين"
Muslimfriendly state. وهذا الأمر سوف يتطلب
تغييراً جذريًّا، ليس فقط في الخطوط
العريضة للحوار الأمريكي الإسلامي،
وإنما أيضا في التكتيكات التي تتبناها
الإدارة الأمريكية لمحاربة الإرهاب.
باختصار، إن انتهاج سياسة حساسة تجاه
الشئون المتعلقة بالهوية في العالم
الإسلامي، والمتعلقة بالرأي العام
المسلم، سوف يكون لها شأن كبير في
إتاحة الفرصة ليس فقط لكسب قلوب وعقول
العالم الإسلامي، وإنما أيضا لكسب "حرب
الأفكار" ضد الإسلام الراديكالي وضد
كل ما هو مناهض للولايات المتحدة.
إن
هذا الكتاب -كما يذكر مركز "بروكينجز"-
يمثل طفرة جديدة في تنظير العلاقة بين
الولايات المتحدة وبين العالم
الإسلامي. فخلافاً لموجة الكتب التي
سادت بعد 11 سبتمبر 2001، والتي ارتأت
الخطأ إما في الإسلام، أو الإسلام
الراديكالي، أو السياسة الخارجية
الأمريكية، فإن كتاب "ما بعد الجهاد
والحرب الصليبية" يعرض وجهة نظر
متوازنة، تضع السياسة الخارجية
الأمريكية مع صعود الإسلام الراديكالي
في بوتقة واحدة، ثم تجعل الخليط الناتج
عنهما المسئول المباشر عن أحداث
سبتمبر وتوابعها.
ملخص
القول
ومن
قراءتنا لما سبق، يمكننا الخروج بعدة
استخلاصات عن رؤية "خان" لأحداث
سبتمبر بعد ثلاث سنوات:
*
تأييده لسياسات الإدارة الأمريكية
المناهضة للإرهاب.
*
رفضه لنهج الإدارة الأمريكية المؤيد
للنظم الدكتاتورية بالعالم الإسلامي.
*
تشجيعه للمسلمين الأمريكيين بالدخول
في قلب المعترك السياسي؛ بل توقعه
بأنهم سيكونون الوسيط الأفضل لتحسين
العلاقات بين الولايات المتحدة
والعالم الإسلامي.
*
رؤيته للإسلام "الراديكالي"
والسياسة الخارجية الأمريكية
كمسئولين مباشرين ومتوازيين لأحداث
سبتمبر ولما بعدها.
*
نقده لطريقة التعامل البحثي الأمريكي
مع الظواهر الإسلامية، ووصفه لها
بالتبسيط الشديد.
*
طرحه لحل الـ Muslimfriend state؛ بما يعني
مغازلة الإدارة الأمريكية للدول
والشعوب الإسلامية؛ وهو بالمناسبة نفس
الحل الذي طرحه "مايكل إي. أُو.
هانلون"؛ وهو زميل "خان" في
مركز "بروكينجز"؛ وسبقنا عرض
مقاله تحت عنوان "بروكينجز: الثقافة
لمحاربة الإرهاب بعيد المدى".
وتبقى
لنا في النهاية ملحوظة في غاية الأهمية،
لا بد من رصدها وعرضها أمام القارئ،
وهي تتلخص في التالي: لقد استخدم "خان"
مصطلحات ومفاهيم شائكة، مثل "الإسلام
الراديكالي"، و"المسلمون
المعتدلون"، و"الإسلام الليبرالي"؛
وكما يقول الدكتور حسنين إبراهيم
توفيق (أستاذ العلوم السياسية) في "أمتي
في العالم: حولية قضايا العالم
الإسلامي 2003"، إن هذه المفاهيم قد
طرأت على علم السياسة بعد 11 سبتمبر؛
استخدمتها الإدارة الأمريكية لتلبية
مصالحها وأغراضها. بلغة أخرى، هي
مفاهيم مُسيسة أو براجماتية؛ ومن ثم،
فإن انزلاقنا -نحن كمسلمين سواء عرب أو
غربيين- في مثل هذه المفاهيم أو
التصنيفات الأمريكية، بدون تنقيح
وتأصيل منا، هو أمر -بلا شك- أكثر من
خطير.
اقرأ
أيضا:
[1]
ثلاث
سنوات على 11-9..رؤى عربية.
[2]
http://www.brookings.edu/views/op-ed/fellows/
khan20040827.htm
[3]
http://bookstore.brookings.edu/book_details.asp?
category_name=9&product_id=12082
**
باحثة دكتوراة بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية - مصر
|