|
السودان.. "الانقلاب الثاني" رسالة للغرب
|
|
محمد جمال عرفة**
|
26/09/2004
|
|

|
|
الدكتور حسن الترابي
|
أعلنت
وزارة الداخلية السودانية الجمعة
24-9-2004 أنها أحبطت محاولة انقلاب ثانية
دبرها أنصار الزعيم الإسلامي المعارض
حسن الترابي المسجون منذ مارس الماضي (إثر
محاولة أولى) ضد الحكومة عقب صلاة
الجمعة، وأن جميع المتآمرين المفترضين
تقريبا أوقفوا باستثناء زعيمهم الحاج
آدم يوسف المسئول في حزب المؤتمر
الشعبي المجمد الذي يتزعمه الترابي.
وقال
بيان الوزارة: إن المعلومات التي تم
الحصول عليها من أشخاص تم اعتقالهم
مطلع سبتمبر 2004 أتاحت للسلطات إفشال
محاولة انقلاب الجمعة، وأن الأشخاص
الذين اعتقلوا "أدلوا باعترافات
مفصلة"، وأنهم كانوا يستعدون "لتنفيذ"
مشاريعهم بعد ظهر الجمعة، وقالت مصادر
سودانية غير رسمية: إن أنصار الترابي
خططوا لخطف وقتل 38 من المسئولين
الحكوميين، ومحاولة تدمير عدد من
المواقع المهمة في ولاية الخرطوم.
وتعد
هذه ثاني محاولة انقلاب يعلن السودان
عن قيام الترابي وحزبه (المؤتمر الشعبي)
بالتخطيط لها؛ حيث سبق الإعلان في
29-3-2004 أنه تم إحباط محاولة "انقلاب
عسكري" تورطت فيها مجموعة من ضباط
الجيش ينتمي أغلبهم إلى دارفور غرب
البلاد (ما بين 10 إلى 12 ضابطا سودانيا)،
واعتقال 5 من كوادر حزب الترابي.
وبشكل
عام يمكن أن نورد الملاحظات التالية
على الانقلابين:
-
في كل مرة كان يتم فيها الإعلان عن
انقلاب لم يكن يتم توضيح ماذا كانت
أهداف الانقلابيين بالتحديد، ويكتفي
بالإعلان بشكل رسمي أنهم كانوا يخططون
لقتل مسئولين وتدمير منشآت، دون توضيح
ما هي.
-
في الانقلاب الثاني -كما الأول- ووفقا
لمصادر سودانية لم تكن هذه المحاولة
مكتملة، ولكنها كانت في مهدها وفي
بداية التخطيط لها، ولم ترقَ لعملية
عسكرية في طور التنفيذ، وأن محاولات من
هذا القبيل تحدث في الكثير من دول
العالم وفي السودان دون الإعلان عنها
لعدم ارتقائها إلى طور التنفيذ والفعل.
-
قالت وزارة الداخلية السودانية: إنها
علمت بأنباء المخطط الانقلابي بعد أن
حصلت على معلومات من معتقلين تابعين
لحزب الترابي اعتقلتهم أوائل سبتمبر
2004 (اعتقلت 33 من كوادر وقيادات الحزب
الشعبي يوم 8-9-2004)، ومعنى ذلك أنها لم
تتحرك إلا بعد أكثر من أسبوعين لوأد
الانقلاب المفترض.
-
في الانقلاب الأول (مارس 2004) كان
المتهمون عسكريين، أغلب جذورهم من
دارفور، ورغم ذلك لم يعلن عن الانقلاب
رسميا، ونشرت فقط أنباء عنه، وعلى
العكس كان المتهمون في المحاولة
الثانية (سبتمبر 2004) مدنيين، ومع
ذلك أعلنت وزارة الداخلية السودانية
رسميا عن المحاولة، وركزت على أن هدفهم
"خطف" مسئولين و"تفجير منشآت،
رغم أنه لم يتم الإعلان عن أي مضبوطات".
ووفقا
لهذه الاستنتاجات قد يبدو أن وصف ما
حدث بأنه انقلاب أمر غير دقيق أو
مبالغة؛ سواء بوصف حالة الغضب التي
أصابت بعض ضباط الجيش من أصل دارفوري
نتيجة ضرب الجيش السوداني لبعض مناطق
دارفور لوقف سيطرة المتمردين على
المدن هناك، على أنها بوادر انقلاب، أو
بوصف تحركات أنصار الترابي للمطالبة
بالإفراج عنه بعدما تدهورت حالته
الصحية نتيجة إضرابه عن الطعام بأنها
انقلاب أيضا، خصوصا أنه سبقها بالفعل
اعتقال 33 من أنصاره قيل إنهم كانوا
يهدفون إلى إشاعة الفوضى لإيهام الرأي
العام أن السلطات السودانية فقدت
سيطرتها على إقليم دارفور، وللإفراج
عن الترابي، ولم تصف السلطات
السودانية ما حدث بأنه انقلاب.
أما
لو افترضنا أن أنصار الترابي يخططون
بالفعل لانقلاب عسكري فيجب أن نفترض
هنا عدة أمور أخرى، منها:
-
أن العلاقة بين طرفي التحالف الإسلامي
الذي حكم السودان (البشير والترابي)
وصلت إلى مراحلها النهائية في الصدام،
وانعدمت فرص التفاهم؛ وهو ما يعني سعي
كل طرف لاتهام الآخر بالخيانة
واحتمالات التعاون مع أي طرف لإقصاء
الآخرين!
-
أن الترابي يعول على الدور العسكري لـ"حركة
العدالة والمساواة" (المتمردة في
دارفور) التي ينتمي بعض أنصارها لتيار
الترابي الإسلامي في إظهار قوته أمام
البشير، خاصة أن نائب الرئيس السوداني
علي عثمان طه قال في نوفمبر 2003: إن
الترابي يشجع الانفصال في إقليم
دارفور، فيما أكدت مصادر حكومية أخرى
أن حزب المؤتمر الشعبي من خلال دعمه
"حركة العدالة والمساواة" يريد
"معاقبة" نظام البشير؛ لأنه
استبعد الترابي من السلطة عام 2001.
-
أن الترابي ما زال له أنصار بدليل أنهم
يتحركون بدونه (اعتقل في 2001 وأطلق في
نوفمبر 2003، وتم تحديد إقامته، وعلاقته
حاليا شبه مقطوعة بالحزب)، ويتسببون في
صداع لحكومة البشير، وأن البشير له
بدوره أعوان داخل حزب الترابي نفسه
بدليل أن الداخلية السودانية ألمحت
إلى أن من كشف الانقلاب هو محمد الحسن
الأمين العضو السابق في حزب المؤتمر
الشعبي الذي قال: إنه استقال من الحزب؛
لأنه اكتشف أن بعض الأعضاء كانوا
يتآمرون لحمل السلاح.
ولكن
اللافت هنا أن الأمين قال: إن السبب
الرئيسي لانشقاقه هو أن "بعض أعضاء
الحزب" كانوا يقومون بما اعتبره
استعدادات عسكرية، وأن تلك
الاستعدادات "ربما كانت تجري
بموافقة بعض الزعماء"، وليس كلهم
لأن هذا النشاط (العسكري) يعارض
معتقدات الحزب، بل ورفض تحديد من
يتهمهم بحمل السلاح في الحزب؛ وهو ما
يجعل تعليق التهمة في رقبة الترابي
مجرد اتهام بدون دليل.
أيضا
يثير الحديث عن انقلاب جديد
الاستغراب؛ لأنه يأتي في وقت يتردد فيه
حديث في السودان عن وساطة أو دور تهدئة
يقوم به حزب الأمة والصادق المهدي بين
الحكومة وحزب الترابي ضمن محاولات
لملمة الوضع الداخلي، وتقوية الجبهة
الداخلية في مواجهة الهجمة الخارجية
على السودان، والسعي لتفتيته في
الجنوب والغرب وربما الشرق، وهي
محاولات اعترف بها مسئولون سودانيون
زاروا القاهرة مؤخرا.
الانقلابات..
هل هي رسائل لأمريكا؟
وتدفع
قلة المعلومات المؤكدة بشأن انقلاب
السودان الأول ثم الثاني لعودة الحديث
مرة أخرى عن السبب وراء إعلان الخرطوم
هذه المحاولات الانقلابية، وتحديدا في
كل مرة يزداد فيها الضغط على الخرطوم
خارجيا عبر أمريكا أو مجلس الأمن
لتجديد التهديد بعقوبات نفطية في قرار
مجلس الأمن الأخير.
ويبدو
أن هدف الخرطوم من إعلان هذه
الانقلابات هو توجيه رسائل لأمريكا
وحكومة الرئيس جورج بوش التي تساند خطط
السلام في السودان، ولأعضاء مجلس
الأمن أيضا بأن "اللجام يوشك أن
ينفلت من يد الخرطوم، وتعم البلاد حالة
من الفوضى" إذا ما استمرت الضغوط على
الخرطوم أكثر من ذلك ولم يتم تخفيفها.
ففي
حالة الانقلاب الأول (29 مارس 2004) كان
هدف الخرطوم -كما يبدو- هو الضغط على
واشنطن لتسهيل التوصل إلى اتفاق سلام
في الجنوب قبل 20 إبريل 2004 (موعد نظر
الكونجرس في العقوبات على الخرطوم،
المعروفة باسم قانون السلام)، وفي حالة
الانقلاب الثاني الهدف واضح، بعدما
صدر قراران من مجلس الأمن بشأن دارفور
يهدد آخرهما بفرض عقوبات على الخرطوم
بالفعل.
ومن
الواضح أنه لا يمكن الفصل بين الصراع
الداخلي بين حكومة الرئيس البشير
والدكتور الترابي، والصراع الدولي حول
السودان والتدخلات الأوربية
والأمريكية الكثيفة في شئونه، خصوصا
مفاوضات سلام الجنوب في كينيا،
ومفاوضات سلام الغرب (دارفور) في تشاد.
كما
أن المخاوف السودانية من التدخلات
الدولية تعززت عقب اندلاع نزاع دارفور
وسعي أطراف أوربية ومنظمات دولية
للتدخل مرة أخرى، وجاءت العقوبات
وسيناريو مجلس الأمن الذي يشبه العراق
ليعزز المخاوف ويدفع باتجاه إطلاق
تحذيرات من تداعيات أخطر، ولا مانع من
التخويف بأنها ستكون في صورة سيطرة
أنصار الترابي (المتشدد) على مقاليد
السلطة.
والغضب
الرسمي الشديد على الترابي ليس لأنه
فقط أبرز معارضي الرئيس البشير
ومنتقديه، وليس لأن هناك خلافا سابقا
بينهما سُجن بسببه الترابي من 2001 حتى
2003، ولكن لأن اسم الترابي ارتبط هذه
المرة بقضية تدخل خارجي في شأن داخلي (دارفور).
فهل
إعلان الانقلاب الثاني جاء بدوره
بمثابة رسالة أخرى للغرب بوقف الضغوط
حتى لا ينهار النظام المتعاون معه،
ولتأكيد طلاق البشير والترابي،
وبالتالي عدم الحاجة لفرض عقوبات
مجددا على السودان أو الضغط عليه؟
اقرأ
أيضا:
**
محلل الشئون السياسية لموقع إسلام أون لاين.نت
|