|
معركة التمديد للحود.. هدف أمريكي مزدوج
|
|
محمد جمال عرفة**
|
08/09/2004
|
|

|
|
أحد مظاهر التأييد للرئيس لحود في بيروت
|
لا
يمكن قراءة المعركة التي دارت في لبنان
وواشنطن ومجلس الأمن في توقيت واحد
بشأن تمديد فترة رئاسة الرئيس
اللبناني الحالي إميل لحود بدون قراءة
الهدف منها.. ولا يمكن قراءة النتائج
المترتبة على قرار مجلس الأمن رقم 1559
الصادر في هذا الصدد والداعي لسحب
القوات الأجنبية وحل الميليشيات
وإجراء انتخابات رئاسية حرة ونزيهة
دون معرفة حقيقة الدوافع الأمريكية
لهذا التحرك الغريب والأول من نوعه.
الهدف
الأمريكي يبقى في نهاية المطاف مزدوجا
ويتمثل في إلغاء تواجد المقاومة
اللبنانية في الجنوب لتأمين الدولة
الصهيونية، وفي حصار سوريا، وإحدى أهم
الأدوات الناجحة في هذا الصدد هي ضمان
وصول رئيس لبناني للسلطة مؤيد لأمريكا
يمكنه أن يقلل النفوذ السوري تدريجيا
في لبنان، ويلغي تواجد عناصر المقاومة
اللبنانية لحزب الله عبر قرار بنشر
الجيش اللبناني في الجنوب.
فليس
سرا أن غضب واشنطن على الرئيس الحالي
لحود ورفض التمديد له واستصدار قرار
غريب من مجلس الأمن خصيصا لهذا الغرض (رقم
1559)، راجع لتأييد هذا الرئيس لخيار
المقاومة في الجنوب ورفضه نشر الجيش
اللبناني على حدود الجنوب ومن ثم إعطاء
المقاومة مشروعية العمل رسميا حتى
تنهي إسرائيل احتلالها لكافة الأراضي
اللبنانية.
وليس
سرا -كما يقول حزب الله- أن الرئيس لحود
يدفع ثمن دعمه للمقاومة، واحتضانها،
عبر القرار الأمريكي الذي نال تسعة
أصوات مقابل ستة (ممتنعين عن التصويت)
بينهم الجزائر! وأن التحرك الغربي في
مجلس الأمن قد يكون مقدمة لسلسة تحركات
أخرى ضد سوريا مستقبلا ضمن محاولات
واشنطن لترتيب إطار قانوني وشرعي دولي
لتدخلها في شئون سوريا والسودان أيضا
بعدما تعلمت درس انفرادها بالتدخل في
العراق دون سند قانوني دولي.
لماذا
لبنان؟
والحقيقة
أن هذا التدخل الأمريكي وتدخل مجلس
الأمن في قضية لبنانية داخلية بحتة
يمثل مرحلة جديدة من التورط في التدخل
في سيادة الدول وشئونها الداخلية
والسعي لتغييرها بقرارات دولية، بعدما
ظل التدخل مقصورا -منذ 11 سبتمبر- على
الضغط والترهيب وتقديم مطالب للحكومات
لتغيير مناهج التعليم أو توجهاتها
الدولية أو حتى التدخل العسكري بدعاوى
مختلفة.
بل
إن هذا التدخل الدولي عبر مجلس الأمن
يضع سابقة خطيرة يسهل اتباعها مستقبلا
في تعامل واشنطن مع حكومات العالم
المغضوب عليها، ويطرح في الوقت نفسه
تساؤلات بشأن سياسة الازدواجية
الأمريكية في التعامل مع الحكومات..
فتونس مثلا قررت -قبل لبنان بعدة أعوام-
تغيير المادة الدستورية التي تحدد
الولاية الرئاسية بثلاث مرات فقط،
وجرى ترشيح الرئيس ابن علي مجددًا
لولاية رابعة، والأمر نفسه حدث في
العديد من الدول العربية دون ضجة تذكر.
ولبنان
نفسه سبق أن عدل الدستور مرتين عامي 1995
و1998 الثانية لصالح الرئيس لحود نفسه (للسماح
له كعسكري سابق بتولي الرئاسة بعد أن
كان الدستور يمنع ذلك)، والأولى لصالح
الرئيس السابق إلياس الهراوي، وهذه هي
المرة الثالثة، وبالتالي ليست الأولى
التي يجري فيها تعديل الدستور فلماذا
الضجة الأمريكية هذه المرة وماذا
وراءها؟!
من
الواضح أن قرار مجلس الأمن وإن كان
يستهدف لبنان والمقاومة فهو يستهدف
سوريا أيضا، وأنه سيكون إحدى حلقات
مسلسل تشديد الحصار على سوريا، لحين
انتهاء انتخابات الرئاسة الأمريكية
ليبدأ سيناريو أكثر تسارعا باتجاه
الضغط على سوريا عبر قانون محاسبة
سوريا الذي تعهد كل من بوش وكيري
بتنفيذه، كما أنه سيكون مدعاة لتوفير
غطاء دولي للصهاينة في حال إذا قرروا
ضرب سوريا كما هددوا عدة مرات.
فإسرائيل
هي التي بدأت الحملة منذ سنوات
بالترويج لسيطرة سوريا على القرار
اللبناني واحتلال الجيش السوري
للبنان، ورغم أن الرئيس لحود هو أول
رئيس يتفق مع سوريا على إعادة نشر
قواتها في لبنان وسحبها من عدة مناطق
وتقليل وجودها، فقد استلم البيت
الأبيض حملة الضغط على سوريا وبدأ في
حصارها عبر قوانين للكونجرس وقوانين
من مجلس الأمن بشأن تمديد المجلس
النيابي اللبناني لولاية رئيس
الجمهورية لحود ووصل الأمر لوصف تصويت
البرلمان اللبناني بأغلبية 96 مقابل 29
لصالح التمديد بأنه "تشويه"
للديمقراطية؟!
والمتحدث
باسم البيت الأبيض سكوت ماكليلان قال
في بيان: "إن ذلك ليس نصرا
للديمقراطية اللبنانية، والتصويت لا
يعكس رغبة الشعب اللبناني بل أملته قوة
احتلال"، في إشارة للوجود العسكري
السوري في لبنان الذي تقدره مصادر
غربية بـ17 ألف جندي، واتهم ماكليلان
دمشق بأنها "ضغطت وهددت" مسئولين
لبنانيين لكي يصوتوا على هذا التعديل
الدستوري.
أيضا
صرح المتحدث باسم وزارة الخارجية
الأمريكية ريتشارد باوتشر أنه "من
الواضح أن سوريا مارست ضغوطات، لا بل
هددت البرلمانيين اللبنانيين مباشرة
وعبر عملائها لكي يستجيبوا" لرغبة
دمشق، ورغم ذلك جاء رد نواب لبنان صفعة
على وجه واشنطن ومددوا للحود "راعي
المقاومة في جنوب لبنان" كما وصفه
البعض!
ألاعيب
القرار الدولي
وقراءة
القرار الدولي رقم 1559 تشير إلى هذه
الأهداف الأمريكية بوضوح رغم
التعديلات التي طالته ضمن المساومات
المعتادة في مجلس الأمن لتمريره..
فالقرار يدعو إلى "احترام سيادة
لبنان بشكل كامل وسلامة أراضيه ووحدته
واستقلاله السياسي"؛ وهو ما يعني
دعوة سوريا لسحب قواتها من هناك ووقف
ما يسميه الأمريكان "ضغوط سوريا على
القرار اللبناني".
ثم
يحدد مطلبه أكثر بالدعوة إلى "سحب
جميع القوات الأجنبية من أراضيه"،
وكان مشروع القرار في صيغته الأولى
يطالب "بانسحاب القوات السورية من
لبنان دون تأخير"، وفي الصيغة
المعدلة، تم شطب كلمة سوريا ليطالب
المجلس بسحب جميع القوات الأجنبية من
لبنان دون تأخير"، إلا أنه يظل قرارا
مفصلا على مقاس سوريا.
وفي
الفقرة التالية يطالب القرار بـ"تفكيك
ونزع سلاح كل الميليشيات اللبنانية
وغير اللبنانية" في لبنان، والمقصود
هنا بشكل أساسي ميليشيات حزب الله التي
لا تزال الوحيدة التي تحمل السلاح -ومعها
بعض الميليشيات الفلسطينية القليلة-
في لبنان!!
وخطورة
هذه الفقرة أنها تعطي الصهاينة
والأمريكان- مستقبلا- الحق في ضرب هذه
المقاومة استنادا إلى قرار مجلس الأمن
الذي "حظر وفكك" هذه الميليشيات
ومن ثم اعتبرها "غير شرعية"!.
أما
دعوة القرار إلى أن تكون الانتخابات
الرئاسية التي ستجرى قريبا في لبنان
"حرة ونزيهة، وفق القواعد الدستورية
اللبنانية القائمة ومن دون تدخل أجنبي"؛
فهي تحصيل حاصل ضمن هدف حصار والضغط
على سوريا.
وربما
لهذا جاء رد الفعل اللبناني الرسمي إما
ساخرا بمطالبة مجلس الأمن بتنفيذ
قرارته أولا التي سبق أن أصدرها بخصوص
فلسطين، وإما محذرا من مساحة التدخل
الأجنبي في شئونه على خلفية قرار دولي
"مشبوه" حيث قال وزير الإعلام "عبيد"
في بيان معلقا على القرار: "هذا
القرار في غير محله سواء من حيث
مقاربته لمسألة سيادية داخلية تتصل
بالاستحقاق الرئاسي أم من خلال تدخله
في قضية ثابتة ومصيرية على
العلاقات بين لبنان وسوريا"، وقوله:
"لبنان لن يقبل أي مشاريع تحاول أن
تستعيض عن معالجة أم المشاكل، أي
الاحتلال الإسرائيلي، بنقل النزاعات
من الجبهة إلى الداخل تحت أي ظرف أو
احتمال".
ولأنه
رب ضارة نافعة كما يقول المثل، فقد
ساهم القرار الأمريكي الذي أقره مجلس
الأمن في تقليل الخلافات بين
اللبنانيين حول مسألة التمديد للحود،
ودفع عددا من معارضي هذا التمديد لنقد
التدخل الأمريكي في شئون لبنان
الداخلية، ومن أبرز هؤلاء رئيس
الوزراء رفيق الحريري.
توطين
الفلسطينيين.. هدف آخر
أيضا،
رئيس حزب الكتائب وزير التنمية
الإدارية كريم بقرادوني المفترض أنه
معارض للوجود السوري ندد بالحملات
الدولية ضد تعديل الدستور في لبنان،
وقال إن لها غرضا خبيثا آخر هو "فرض
توطين الفلسطينيين عن طريق تدويل
القضية اللبنانية، وقال: "هذه
الهجمة لا تنبع من مصلحة لبنانية، بل
هي موجهة من الخارج".
وأضاف:
"وقد تمادى معارضو خيار التمديد
للرئيس لحود في إطلاق تصريحات جائرة،
طاولت مقام الرئاسة،
وأمعنوا في التصويب على رئيس
الجمهورية لأسباب وغايات شخصية، تقنعت
بالذرائع الدستورية، والحرص المزعوم
على الديمقراطية وتداول السلطة،
والمفارقة هي أن معظم هؤلاء بالغوا في
السابق في تأييد الخيار نفسه، عندما
طرح في العام 1995 وأوجدوا المبررات
الوطنية والسياسية والدستورية له..
وليس من قبيل الصدفة البريئة أن يتزامن
التصعيد لصالح التوطين، مع الحملات
التي سعت إلى أبعاد الرئيس لحود عن
السلطة. وكانت شارة الانطلاق قد بدأت
في هذا السياق مع زيارة وفد الكونجرس
الأمريكي أخيرا إلى كل من لبنان
وسوريا، وما زالت فصول هذه الحملات
المشبوهة مستمرة، ونحن لها بالمرصاد"!!
وتابع:
"من هنا ندعو اللبنانيين عموما
والمسيحيين خصوصا للحذر من أهداف هذه
الحملة الدولية التي تحاول أن تتدثر
بعباءة مجلس الأمن الدولي مدعية الحرص
على لبنان وسيادته واستقلاله، وهي في
الواقع تنعكس سلبا على الداخل".
وهناك
محللون لبنانيون آخرون يتساءلون: "كيف
يمكن لمعارضي التمديد من الذين
يراهنون على المواقف الغربية أن
يفسروا التناقض الفاضح في موقف
الجانبين الأمريكي والأوربي: إذ يعارض
هؤلاء تعديل الدستور، ثم يصرون
وبعلنية فاضحة على تمرير التوطين الذي
يتطلب تعديلا لمقدمة الدستور لا
لمواده فقط؟!.. فهل هذا الموقف ينمّ عن
حرص على حماية المؤسسات في لبنان؟ ثم
لماذا لم تخض هذه الجهات الحملة نفسها
عندما اتخذ القرار بالتمديد للرئيس
إلياس الهراوي في العام 1995؟
وهكذا
رؤيتنا أنه في حال إذا تمّ إخراج سوريا
بالقوة من لبنان، فهذا سينعكس مباشرة
على أمور ثلاثة هي: حالة المقاومة
وسلاحها ووجود الجيش اللبناني جنوبا،
وتوطين الفلسطينيين حيث هم ومنحهم
الامتيازات التي تسقط حقهم بالعودة
إلى بلادهم، وبالتالي إقفال أي باب
لدعم النضال الفلسطيني بوجه إسرائيل.
المطلوب
بالتالي هو قراءة معمقة للقرار الدولي
وإدراك مراميه الحقيقية التي لا تصب
إلا في صالح الدولة العبرية والهيمنة
الأمريكية على قلب العالم العربي.
اقرأ
أيضا:
**
محلل الشئون السياسية بموقع "إسلام
أون لاين.نت"
|