بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

في الموقع أيضًا:

المنطقة العربية

إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين


ظاهرة الحوثي.. تساؤلات شائكة وإجابات صادمة

خدمة قدس برس - سعيد ثابت **

11/07/2004 

حسين الحوثي

الأسبوع الثالث على المواجهات المسلحة العنيفة بين قوات الجيش اليمني النظامي وأنصار الداعية اليمني حسين بدر الدين الحوثي جعل القضية تتفاعل على مستويات عدة. فالمواجهات خلفت عشرات القتلى والجرحى؛ الأمر الذي يضاعف من حجم الحرج الذي تشعر به الدولة التي تقف مذهولة من صلابة أنصار الحوثي وصمودهم أمام القوة العسكرية والآليات الثقيلة المستخدمة في الحرب ضدهم.

وتثير ظاهرة "الحوثي" في اليمن أكثر من علامة استفهام، فلماذا تفجرت الأحداث في هذا الوقت، وبالتحديد بعد عودة الرئيس اليمني علي عبد الله صالح من الولايات المتحدة الأمريكية مباشرة؟ ولماذا كان الرد على الظاهرة بهذه القوة العنيفة، وباستخدام أسلحة ثقيلة كما لو أنها تقاتل قوات مسلحة تابعة لدولة أجنبية؟ وما علاقة الحملة العسكرية ضد الحوثي بالشعار المناهض للولايات المتحدة وإسرائيل، الذي دأب هو وأنصاره على رفعه وترديده عقب كل صلاة؟

ولا تتوقف التساؤلات عند هذا الحد؛ فما هو الدور الذي لعبته السلطة والرئيس صالح بالتحديد في بروز الظاهرة؟ ثم ما علاقة جماعة "الشباب المؤمن" بالزيدية؟ وما صحة الاتهامات الموجهة لهذه الجماعة ولبدر الدين الحوثي برعاية تأسيس مذهب جعفري إثنا عشري في اليمن؟ وما مستقبل العلاقة بين الرئيس صالح بعلماء الزيدية، بعد أن سال الدم بين قواته ومجاميع تقدم نفسها على أساس مذهبي؟ ثم هل هناك أي علاقة بين الحملة وما أثير مؤخراً بشأن توجه الرئيس صالح إلى نقل السلطة بطريقة وراثية إلى نجله أحمد، وعما إذا كان ذلك التوجه يُقابل برفض واسع في أوساط اليمنيين، وخاصة أنصار المذهب الزيدي، الذين يشدِّد مذهبهم على رفض التوريث في الحكم؟

تساؤلات شائكة ومتداخلة تجيب عنها هذه المحاور:

خلافات مذهبية ثم نشاط تبليغي واستقطاب

يبلغ الحوثي من العمر 45 عاماً تقريباً، وهو من مواليد محافظة صعدة، الواقعة على مسافة 240 كيلومتراً إلى الشمال من العاصمة صنعاء، ووالده بدر الدين الحوثي، أحد أبرز المراجع العلمية للمذهب الزيدي، من فرقة "الجارودية"، القريبة في آرائها من الإمامية، من حيث إنكار إمامة الخلفاء الأُوَل، والقول بإمامة عليّ والحسن والحسين بالنص الخفي من النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.

وسبق أن دخل الحوثي في خلاف شديد مع علماء الزيدية، المناهضين لخط الإمامة الإثنا عشرية، وعارض باجتهاداته العلمية بشدة فتوى علماء الزيدية التاريخية، قبل عدة سنوات، والتي وقّع عليها المرجع مجد الدين المؤيدي، والعلماء حمود عباس المؤيد، ومحمد بن محمد المنصور، وأحمد الشامي، عندما أكدوا فيها أن شرط النسب الهاشمي و"البطنين" للإمامة صارت غير مقبولة اليوم، وأنها كانت في ظرفها التاريخي، وأنّ "الرئاسة" وقيادة شؤون الأمة حق من حقوق المواطنين جميعاً، وفيمن يرتضونه، الأمر الذي سبّب له متاعب جمة، أدت إلى هجرة قسرية إلى العاصمة الإيرانية طهران، وظل فيها سنوات، ثم عاد إلى صعدة، بعد وساطات من علماء اليمن مع الرئيس صالح.

يُعرف عن العلامة بدر الدين الحوثي مخالفته لكثير من مراجع الزيدية في اليمن، بالنسبة للموقف من الإمامية الإثنا عشرية، وهو يعتقد بالتقارب بين الزيديّة والإمامية الجعفرية، بل يرى الاتفاق بينهما في الأصول المهمة. ويجمع بدر الدين الحوثي بعضاً من المسائل التي اتفق أو تقارب فيها الزيدية والإمامية في كتيبه "الزيدية في اليمن".

ويعلّق بدر الدين الحوثي على الدكتور ناجي حسن، عند تحقيق هذا الأخير كتاب "الدعامة في تثبيت الإمامة" ليحيى بن الحسين الهاروني، في النسخة التي يمتلكها مركز الأبحاث العقائدية في مدينة قم، وعلق بدر الدين الحوثي على الكتاب بخطّ يده.

إذ يقول الدكتور ناجي حسن: "والإمامية تعتقد بأنّ الله قادر على العدل، كما أنه قادر على خلافه، إلا أنه لا يفعله، وهذا دليل قدرته وعظمته"، ويخالفهم الزيدية فيما يذهبون إليه، فهم يرون أن "الله لا يُوصف بالقدرة على أن يظلم ويجور، ولا يقال لا يقدر"، فيرد عليه الحوثي "هذا غير صحيح، بل مذهبهم في هذا كمذهب الإماميّة، انظر الشافي للمنصور بالله والأساس".

وعندما يقول ناجي حسن "واتفقت الإمامية على أن الإسلام غير الإيمان، وذلك أن كل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمنا، وخالفهم الزيدية الذين لم يفرقوا بين إيمان المرء وإسلامه"، يعلّق عليه بدر الدين بقوله: "وهذا غلط، بل هم في هذا والإمامية سواء".

واعتماد الدكتور ناجي حسن على قول الزيدية بإمامة المفضول مع وجود الأفضل، الذي يعلِّق عليه بدر الدين بأنه محل خلاف بين الزيدية، كدليل على محاولة الزيدية بذلك إضفاء الشرعية على خلافة جميع الذين تقدّمون عليَّ بن أبي طالب في الخلافة؛ يعلّق عليه بدر الدين الحوثي بقوله "هذا غلط على الزيدية، فمذهبهم أنها لا تصح ولاية من تقدّم أمير المؤمنين، وانظر كتبهم".

ويرى بدر الدين الحوثي عدم الإجماع الذي قال به الدكتور ناجي حسن عند الزيدية على جواز إمامة المفضول مع وجود الأفضل.

وكان ابنه حسين بدر الدين الحوثي، المتأثر بقوة بأفكار واجتهادات والده، وربما ذهب أبعد منه إلى التأثر بالجعفرية؛ قد أسهم بفعالية مع رموز وشخصيات مثقفة منتمية إلى المربع المسمى بالزيدي بتأسيس "حزب الحق" عام 1990، ونجح في أول انتخابات نيابية عام 1993 عن محافظة صعدة باسم هذا الحزب مع صديقه عبد الله عيظة الرزامي، الذي قتلته القوات الحكومية في حملتها الأخيرة، باعتباره الرجل الثاني في جماعة "الشباب المؤمن".

ولكن سرعان ما دبّ الخلاف داخل حزب الحق في العام الذي أعقب انتهاء حرب صيف 1994، خاصة مع اتهام حسين بدر الدين الحوثي بمناصرة قوات الحزب الاشتراكي اليمني، وهي تهمة لم تتأكد في واقع الأمر، ثم ترك الحوثي وصديقه حزبهما مع آخرين، مع تردد حديث عن خلافات مكتومة داخل "حزب الحق" بشأن مركزية المرجع مجد الدين المؤيدي، الذي قد تجاوز العقد الثامن، ويمكث في محافظة صعدة متفرغاً للبحث وكتابة الدراسات العلمية لخدمة أتباع مذهبه.

وأياً كان عليه الأمر؛ فقد بدأت تبرز في العام 1997 ظاهرة التحوّل وعملية الاستقطاب المنظم من داخل المربع الزيدي إلى المذهب الإثنا عشري (الجعفري) بصورة هادئة.

ويرصد القاضي الشيخ أبو جعفر المبخوت -وهو بالمناسبة ممن تحولوا إلى المذهب الجعفري- المراحل الأولى لعملية دخول المذهب الجعفري إلى اليمن بشكل منظم. والشيخ المبخوت من مواليد سنة 1973 في حصن بني سعد من مديرية المطمة، التابعة لمحافظة الجوف اليمنية، وتولى رئاسة فرع "حزب الحق" في محافظة الجوف، ويعتقد أن "ظهور الإمامية في اليمن كان سنة 1997، فهو ظهور حديث، ونسبة الشيعة الإمامية في اليمن تقريبا 20 في المائة من سكان اليمن "والله العالم"، بحسب تعبيره.

ويقول المبخوت "الحمد لله، منذ عام 1998 والنشاط التبليغي آخذ بالتوسع، نتيجة الاحتكاك مع الشباب، الذين استبسلوا حقيقة في نشر مفاهيم وأخلاق وعلوم أهل البيت، عليهم السلام، بعد أن تعرّفوا عليها وآمنوا بها. وكل هؤلاء الشباب من الأسر النجيبة العريقة، فشكلوا أرضية كبيرة للانطلاق والنشاط التوعوي والتبليغي، بشكل يبعث على السرور، ومن برامجنا إقامة مجالس العزاء الحسيني، وطبع النشرات الثقافية، والمجلات المهتمة بفكر وعقيدة الإمامية، وافتتحنا مكتبة اسمها المكتبة المحمدية، وجعلنا مركزها في مديرية المطمة، وتفرّعت على ثلاث مديريات. وفي عام 2000 أسسنا مكتبة أخرى في سوق عام بالمحافظة، واليوم توجد لدينا مكتبة تضم حوالي أربعة آلاف كتاب، ومسجدان كبيران ومدرستان، نقيم فيهما مناسباتنا بكل حرية، وأصدرنا جريدة راية الهدى، لنا فيها مقالات عقائدية وبحوث فقهية وأخلاقية كثيرة، وفتحنا من خلالها باباً حوارياً ندعو من خلاله إلى الحوار مع من أحب. وطوّرنا مكتبة في سوق الاثنين الجامع بالمحافظة باسم أمير المؤمنين عليه السلام، وجعلنا فيها مكاناً للاستفتاء، ولم نقتصر في ذلك على مذهب الإمامية، بل نجيب كل واحد بحسب مذهبه فنقول له في هذه المسألة مذهبك يحكم بكذا وكذا".

كتاب "عصر الظهور" يبشر بالحوثي قائداً بين يدي المهدي

يذهب تقرير أمني قدمه اللواء الدكتور رشاد العليمي وزير الداخلية اليمني إلى أعضاء مجلس النواب اليمني، وحصلت وكالة "قدس برس" على نسخة منه، إلى أن "نشاط حسين بدر الدين الحوثي بدأ منذ عام 1997، بإنشاء مراكز دينية في مديرية حيدان، محافظة صعدة، دون ترخيص قانوني، أطلق عليها اسم الحوزة، ثم امتد نشاطه بإنشاء مراكز مماثلة في بعض المحافظات والمديريات، وقام بتوسيع نشاطه، من خلال تلك المراكز، وتزعّم بطريقة مخالفة للدستور والقانون تنظيماً سرياً انسلخ به عن حزب الحق، أطلق عليه اسم الشباب المؤمن، ومنح أعضاء التنظيم مرتبات فصلية، وبعضهم شهرية، تراوحت ما بين خمسين دولاراً إلى مائة دولار شهرياً، مقابل قيامهم بالترويج لأفكاره وآرائه المتطرفة، واقتحام المساجد، والاعتداء على خطبائها، الذين لا يتفقون مع أفكاره المتطرفة، وإثارة الشغب بين المصلين، وترديد شعارات مضللة، خاصة أثناء صلاة الجمعة، تضر بالمصلحة الوطنية، وهذه الأفعال كلها ثابتة، من خلال المحاضر والتسجيلات، التي سيتم تسليمها للأجهزة القضائية".

واتهم التقرير الأمني حسين بدر الدين الحوثي بتوزيع كتاب بعنوان "عصر الظهور"، وهو كتاب شيعي لمؤلفه علي الكوراني العاملي، الذي أشار في مقدمة طبعته السابعة، مطلع العام الهجري الماضي 1424، إلى أنه "بعد نجاح الثورة الإسلامية في إيران؛ ارتفع مؤشر الاهتمام بعقيدة المهدي المنتظر في شعوب العالم الإسلامي، بالسؤال عنه، والحديث حوله، والقراءة، والتأليف، بل وفي غير المسلمين أيضاً".

وأشار المؤلف أيضاً إلى أن "أكبر حدث سياسي يتعلق بعقيدة المهدي في هذه الفترة ثورة الحرم المكي الشريف في مطلع عام 1400 هجرية (أواخر السبعينيات من القرن الماضي) بقيادة محمد عبد الله العتيبي؛ إذ سيطر أنصاره على الحرم المكي، وأذاع معاونه جهيمان من داخله بيانا، دعا فيه المسلمين إلى بيعة صاحبه محمد بصفته المهدي المنتظر الذي بشر به النبي صلى الله عليه وآله وسلم! واستمر احتلالهم للحرم عدة أيام، ولم تستطع الحكومة السعودية أن تتغلب عليهم إلا بعد أن استدعت فرقاً خاصة".

ويخصص الكتاب محوراً خاصاً عن اليمن تحت عنوان "اليمن ودورها في عصر الظهور"، يؤكد فيه ورود أحاديث متعددة عن أهل البيت، تؤكد حتمية حدوث ما يصفه الكتاب بـ"ثورة اليمن الإسلامية الممهدة للمهدي عليه السلام، وأنها أهدى الرايات في عصر الظهور على الإطلاق". أما قائدها المعروف في الروايات التي أوردها الكتاب باسم "اليماني"؛ فتذكر رواية أن اسمه حسن أو حسين، من ذرية زيد بن علي، عليهما السلام. ويستشهد الكتاب ببعض الروايات التي تؤكد أن "اليماني" يخرج من قرية يقال لها "كرعة"، وهي قرية في منطقة بني خَوْلان، قرب صعدة.

ثم يثير الكاتب تساؤلا عن السبب في أن ثورة اليماني ورايته أهدى من ثورة الإيرانيين ورايتهم؛ فيقول "المرجح أن يكون السبب الأساسي في أن ثورة اليماني أهدى أنها تحظى بشرف التوجيه المباشر من الإمام المهدي عليه السلام، وتكون جزءاً مباشراً من خطة حركته، وأنّ اليماني يتشرف بلقائه ويأخذ توجيهه منه". ويؤيد ذلك، بحسب الكتاب؛ أن أحاديث ثورة اليمانيين تركز على مدح شخص اليماني قائد الثورة، وأنه "يهدي إلى الحق، ويدعو إلى صاحبكم، ولا يحل لمسلم أن يلتوي عليه، فمن فعل ذلك فهو إلى النار".

ويؤكد التقرير الأمني -بحسب زعمه- أن الأجهزة قد ضبطت مع أحد أنصار الحوثي -ويُدعى فارس مسفر سالم من أهالي ساقين بصعدة- وثيقة مبايعة للحوثي، باعتباره الإمام والمهدي المنتظر، جاء فيها "أُشهد الله على أن سيدي حسين بدر الدين هو حجة الله في أرضه في هذا الزمان، وأُشهد الله على أن أبايعه على السمع والطاعة والتسليم، وأنا مقر بولايته، وأني سلم لمن سالمه، وحرب لمن حاربه، وهو المهدي المنتظر القائم، الذي يملأ الأرض عدلاً وقسطاً، كما مُلئت ظلماً وجوراً، أبان لنا طريق النجاة، وأوضح كتاب الله على أوضح بيان، فنسأل الله أن يحشرنا في زمرته".

الرئيس صالح دعم جماعة الحوثي لتحجيم الحركة الإسلامية

يروي الرئيس صالح عن علاقته ودوره في إيجاد تنظيم "الشباب المؤمن"، الذي يتزعمه حسين الحوثي، فقال أثناء استقباله لعلماء مذهب الزيدية باليمن يوم الأحد الماضي: "مسألة الحوثي لها أكثر من سنة ونصف تقريباً، ولكن فهمتها عندما ذهبت لأداء فريضة الحج، ومررت بصعدة، ودخلت لأؤدي صلاة الجمعة في جامع الهادي، وكان معي الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر، والأخ عبد العزيز عبد الغني، والقاضي محمد الحجي، والأخ عبد المجيد الزنداني، وعدد من الإخوان، وكنت أفهم في هذا الوقت أنّ هناك حساسيات وتعصبات، فأردت أن أدخل من أجل إذابة الجليد، وكان بودي أن ألقي كلمة في الجامع، أنهي فيها بعض التقوّلات والتعصبات، وأننا أمة واحدة مسلمة، متعايشين مع بعضنا البعض، ومتحابين ومتآخين منذ زمن، وبيننا مصالح مشتركة، ولكن للأسف الشديد، ولأول مرة أسمع، رغم أنه لدي تقارير مسبقة عما يسمى بالشباب المؤمن بأنهم يتظاهرون ويذهبون إلى المساجد، وقلنا هي طفرة شباب، وما كنت أعتقد بأنه تنظيم، بل كنت أعتبرهم عبارة عن شباب طائش، يمكن يتكلمون في أي مسجد: الموت لأمريكا الموت لإسرائيل، وهذه ليست مشكلة، نحن نتكلم في الأمم المتحدة وهو منبر دولي، وأتحدث في الجامعة العربية، وفي منظمة المؤتمر الإسلامي، ومؤتمر عدم الانحياز، بصفتي رئيساً لليمن، وممثل اليمن في سياستها الداخلية والخارجية، وأتحدث في هذا الأمر، وأعبِّر عن وجهة نظر الشعب اليمني القلب النابض لهذه الأمة".

ويضيف "مع الأسف عندما أدينا صلاة الجمعة، وسلمنا إذا بهم يصيحون وبضجة هائلة داخل الجامع، فاضطررت للمغادرة، وحينها لم أعرها اهتماماً كبيراً، رغم التقارير المتتالية والمستمرة، بأنّ هذا تنظيم، وليس هو دعوة ضد أمريكا أو إسرائيل، ولكن وراءه مآرب أخرى، يضر بمصلحة اليمن، واستقرار اليمن، ومع هذا قلنا هذه تقارير مبالغ فيها، وسارت الأيام حتى جاءت أحداث المظاهرات على السفارة الأمريكية بصنعاء، في بداية غزو العراق، وإذا ما يسمى بالشباب المؤمن في مقدمة الصفوف، فعاتبنا الكثير من القوى السياسية بأنّ هذا لا يخدم مصلحة اليمن، إنكم تجرون علينا مشكلات، قالوا لي هؤلاء هم الشباب المؤمن حقك، هم شباب الرئيس، أنت الذي نظمتهم".

ويعترف الرئيس صالح بأنه دعم وساند هذه التجمعات. وقال "صحيح لقد جاءنا مجموعة من الإخوان وقالوا هؤلاء شباب مؤمن معتدلون، لا يريدون أن يكون لهم ارتباط خارجي مع قيادة خارجية، فهم يريدون دعم الدولة، حتى يبتعدوا عن الارتباط والتبعية الخارجية، وفعلاً نالوا الدعم، على أساس أنهم شباب مؤمن".

واعتبر مراقبون أن الدعم المالي والمعنوي، الذي قدمه رئيس الدولة لمجموعات حسين الحوثي، جاء في ظل توتر حاد داخل البلاد، إثر تغيّر اصطفاف القوى السياسية الحزبية على أساس مطلبي، وتجاوز المربع الأيديولوجي، الذي وسم المراحل الماضية، وخاصة بين التجمع اليمني للإصلاح، المعبر عن الحركة الإسلامية اليمنية، والحزب الاشتراكي اليمني وبقية التنظيمات القومية. وقد ظنت السلطات -على ما يبدو- أنها بدعمها لهذه القوة الجديدة ستعيد مرة ثانية خلط الأوراق؛ فتحدث توازن قوى لصالح السلطة، وخاصة أن مسألة توريث منصب الرئيس بدأت تبرز بصورة غير صارخة آنئذ، وكان الرئيس صالح بحاجة إلى دعم المراجع العلمية الزيدية والسنية، لتقف إلى جانب الترتيبات المقبلة على قمة هرم السلطة في اليمن، فجاء الدعم على هذا الأساس، خاصة وأنّ المذهب الزيدي يرفض في أدبياته بشدة مبدأ التوريث، فدار همس منذ العام 2001 عن اتفاق مع عدد من علماء الزيدية على قضايا ربما بينها مسألة توريث الحكم.

تفسيرات أوساط المذهب الزيدي للأحداث بصعدة

تعتقد أوساط زيدية لها خلاف مع حسين بدر الدين الحوثي "أنّ المعطيات والمعلومات المتوفرة تؤكد أن القضية بدأت منذ أكثر من عام، أو عام ونصف العام، عندما توجه حسين بدر الدين الحوثي -عضو مجلس النواب سابقاً- إلى منطقته ومنزله في جبل مران (مديرية حيدان محافظة صعدة)، وانقطع في تلك المنطقة يدرس العلوم الدينية، ويؤلف الكتب التي ربما اختلف في بعضها مع بعض آراء علماء المذهب الزيدي، وهذا هو حال المذهب الزيدي، الذي فتح باب الاجتهاد دون الإخلال بالثوابت الإسلامية".

وتضيف تلك الأوساط "مع مرور الأيام، واشتداد الأمر على المسلمين في العراق وفلسطين، وأمام الجبروت الأمريكي، والغطرسة الأمريكية رأى حسين بدر الدين الحوثي أن أقل الواجب أمام ذلك هو إعلان البراءة من الأمريكيين والإسرائيليين، فاقتنع بذلك طلابه ومحبوه؛ إذ بدءوا يعلنون براءتهم من أمريكا وإسرائيل عبر رفع شعار: الله أكبر، الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل، اللعنة على اليهود، النصر للإسلام".

أخذ هذا الشعار الذي رفعه حسين بدر الدين الحوثي بالانتشار، فقام بعضهم بكتابته على الجدران في محافظة صعدة، وقام آخرون بطباعته في ملصقات للإعلان عن الرفض للسياسة الأمريكية، وتم الاستمرار في هذا النهج، الذي تزامن مع خطابات الرئيس اليمني، التي أعلن فيها أن الإرهاب الإسرائيلي هو أكبر إرهاب في العالم، وأنّ أمريكا تدعم هذا الإرهاب".

وظلت هذه الشعارات قائمة، وبحسب الأوساط الزيدية، "ليجد هؤلاء الشباب أنفسهم فجأة، وبدون مقدمات، أيضاً في السجون ومطاردين، بعد أن بدأت هذه الحملة في محافظة صعدة، عبر توجيهات المحافظ يحيى العمري باعتقال كل شاب أو طفل يرفع هذا الشعار، وتوجيهاته بإيقاف مرتب أي موظف في المحافظة يرفع هذا الشعار؛ مما أدى إلى إيقاف مرتبات أكثر من ستين مدرساً في محافظة صعدة، رغم أدائهم لواجبهم الوظيفي.

واستمرت هذه الحملة من المحافظ -حسب ما تقول المصادر- مصحوبة بأغراض شخصية، وعداوة غير مسبوقة، بالإضافة إلى رفع تقارير مشبوهة إلى الرئيس، تحاول أن تكيد لهؤلاء الطلبة ولأستاذهم وشيخهم حسين بدر الدين الحوثي. وأعلن المحافظ عن توجهات عنصرية حسب الأخبار، التي وصلت صحيفة "البلاغ" التابعة لإبراهيم بن محمد الوزير، وأنه لا بد أن يستأصل شأفة هذه الفئة الزيدية، وأنه سيزج بهم في السجون، وأنه سيعيد هؤلاء إلى موطنهم الأصلي، الذي جاءوا منه قبل ألف ومائتي عام، بل ووصل الحد إلى سب أئمة آل البيت عليهم السلام؛ ليصل الأمر إلى التهكم على الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، كما تنقل هذه المصادر.

وتشير تلك الأوساط الإعلامية الزيدية إلى دور وتأثير التقارير المحرضة ضد المذهب الزيدي، وإلى الكتابات الخاصة بالتوريث، وما أدت إليه من تعبئة عند الرئيس صالح، وإيغار صدره على حسين بدر الدين، وجميع أتباع المذهب الزيدي. وقالت "تحرّك البعض إلى حسين بدر الدين الحوثي لإقناعه بوقف الشعار الذي أدت السياسة الهوجاء للمحافظ إلى إظهاره بشكل آخر، وكأنه عمل إرهابي، رغم أنه لم يتعد ترديد الشعار باللسان، وحاول البعض عبر تقاريره أن يوهم الرئيس بأن إصرار حسين بدر الدين الحوثي على ترديد هذا الشعار هو مؤامرة ضد البلد، وأنّ المراد منه هو استعداء أمريكا ضد اليمن، وهو أمر غير صحيح، ما دام لم يتعد الشعار، ولم يرد المرددون له غير الاستمرار في رفعه دون الوصول إلى أعمال عنف".

وتضيف المصادر "اجتمع سوء إدارة المحافظ واستعداؤه لأبناء المحافظة مع أغراض أخرى، أرادت أن تجعل الدولة في مواجهة مع المذهب الزيدي، في مؤامرة واضحة لكي تخفف الضغط عن الاتجاه السلفي القاعدي الذي انتهجته الحكومة لاستئصال بؤر العنف، بعد ظهور مجموعات تؤمن بالعنف من هذه المدرسة، وحاولت هذه العناصر الداعمة لهذه الحركات السلفية المتطرفة أن تنجح في مسعاها، عبر افتعال معركة مع المذهب الزيدي، من خلال افتعال قضية لا وجود لها أساسا؛ إذ تم الاستمرار في رفع تقارير كاذبة ضد حسين بدر الدين الحوثي، بالإضافة إلى استغلال بعض الكتابات الصحفية التي تناولت قضية التوريث، لتلعب على هذه الورقة، وتظهره وكأنه اتجاه عام من أبناء المذهب الزيدي".

وتفسر الأوساط الإعلامية الزيدية الحملة العسكرية ضد الحوثي بأنها تسعى إلى تحقيق الوصول إلى هدفين اثنين: أولهما "الوصول إلى ضرب المذهب الزيدي، من خلال افتعال معركة، يتم خلالها الوصول إلى إغلاق مراكز تدريس المذهب الزيدي. والثاني محاولة شق الصف الوطني عبر إثارة نعرات عنصرية، واتهامات مغرضة، تستعدي فئة من الشعب اليمني، وذلك لتفريق الناس عن الرئيس، وإيجاد عداوات، لا وجود لها أساسا، وأنّ أفضل طريق للوصول إلى الحكم فيما بعد، وقطع الطريق على احتمالات ترشيح العقيد أحمد علي عبد الله صالح لنفسه لأي انتخابات رئاسية في المستقبل، عبر صناديق الاقتراع.. هو افتعال المعارك والعداوات، وشق الصف الوطني، وإثارة النعرات العنصرية والتفرقة المذهبية، وهذا ما أراده المغرضون الذين زوّروا كثيراً من المعلومات التي رفعوها للرئيس، وأرادوا عبر تزويرهم إظهار الزيدية وكأنهم متمردون على النظام وعلى الجمهورية، وأنهم يسعون إلى إعادة الملكية"، على حد تعبير الأوساط.

وتذهب الأوساط الإعلامية الزيدية بعيدا إلى التفسير التآمري لأحداث صعدة؛ إذ تقول: "أراد البعض أن يصلوا إلى توجيه حملة عسكرية لأغراض معروفة، وخططوا لإخراج هذه الحملة، فأظهروا أولا للعلماء في صنعاء أن هنالك نية لضرب المذهب الزيدي، وأنه ربما يتم تحريك مجموعات عسكرية لقتل حسين بدر الدين الحوثي، وأنّ أفضل طريقة لحقن دم حسين بدر الدين الحوثي، ووقف أي حملة لضرب المذهب الزيدي هي إصدار بيان يظهر فيه العلماء استنكارهم لآراء حسين بدر الدين الحوثي، وبذلك يحقنون دمه، ويوقفون أي محاولة لضرب المذهب الزيدي، هذه كانت الخطوة الأولى.

والخطوة الثانية هي عرقلة وصول حسين بدر الدين الحوثي إلى الرئيس، بعد أن كان قد بعث برسالة موجهة للرئيس، أبدى فيها استعداده للوصول إليه، وأعلن فيها إخلاصه له، وولاءه للوطن، وأنه لا يمكن أن يظهر منه ما يخل بالنظام، أو أي استعداء للدولة أو الجمهورية، إذ كانت الخطوة الثانية هي عرقلة وصوله إلى الرئيس، واتخاذ التدابير لإبقائه في جبل مران.

أما الخطوة الثالثة فتحريك الحملة العسكرية، وعرقلة أي مجموعة أو شخصيات من الوصول إلى الحوثي، لكي تبدأ الحملة بضربتها، عبر استخدام الدبابات والمدفعية وصواريخ الكاتيوشا والطائرات".

وأخيرا: تظل هناك مساحة واسعة مسكوت عنها في هذه الزوبعة التي قد تصبح من أخطر أحداث اليمن المعاصر، في عهد الرئيس علي عبد الله صالح. وثمة همس ومعلومات وتسريبات لا ترقى إلى الاعتماد عليها، وربما تكون وسيلة لتشويه الخصم، وتبرير الحرب الناشبة في صعدة ضد الحوثي وأنصاره. تقول تلك التسريبات: إن السلطات الحكومية حصلت على وثائق تدين حسين بدر الدين ومجموعته المسماة "الشباب المؤمن"، وأنّ تلك الوثائق تم استخراجها من مكتبته بطريقة سرية، عبر أحد الأشخاص المزروعين. وحسب الرواية تثبت تلك الوثائق أن ثمة قيادة سرية هي "الشرعية" لدى جماعات تؤمن بخط الحوثي، وأنّ ثمة تسلسلا قياديا في أوساطهم، يدير أوضاع الأتباع، ويوكل أمر تحصيل الزكاة إليها، اعتمادا على مبدأ التقية.

وأيا تكن المبررات؛ فإنّ الاحتكام إلى السلاح، وتساقط عشرات القتلى والجرحى من اليمنيين العسكريين والمدنيين؛ لا يمكن في المحصلة إلا أن يُعدّ شرخاً جسيماً في الجسم الوطني للبلاد السعيدة، لن يخدم اليمن سلطة ومعارضة، لا على المدى القريب ولا المتوسط ولا البعيد.

اقرأ أيضًا:


** مراسل وكالة قدس برس في صنعاء

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 


إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين


من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع