|
التغيير*
|
|
أمين هويدي
|
07/07/2004
|
استقبل
الشعب ما أذيع عن نية التغيير الوزاري
وفي المحافظين أيضا
بشعور
يمزج بين التصديق والتكذيب ولا أقول
الاهتمام، لأنه يعلم تماما أن
التغيير
لن
يشمل حاله. فمنذ جده الفلاح الفصيح
وهو يطالب بالتغيير ولا أحد يسمع له أو
يهتم
به.. كان سروره سوف يزداد لو تغير
شكل أو طعم الرغيف الذي يأكله، أو
تنخفض
الأسعار
التي تحرق أصابعه.
أو
يقضي علي البطالة التي تعانيها عائلته،
أو
تتحسن
وسائل العلاج للأمراض الكثيرة التي
يعانيها، أو تزداد كفاءة تعليم
أولاده
في
المدارس التي تزداد عددا وتقل كفاءة..
استمع الشعب إلي أنباء التغيير وانتظر
وصبر،
فهو لا
يؤثر
في الأحداث سواء بقيت علي حالها أو
تغيرت إلي الأفضل أو الأسوأ شأن
من
هو مغلوب علي أمره!!!
ولكن
ما
لبث
أن غمره القلق حينما صرح مصدر مسئول
برئاسة
الجمهورية بأن الرئيس ذاهب إلي
ألمانيا لإجراء جراحة بسيطة وانصرف
للدعاء له
بالسلامة
والعودة إلي بلده وأهله، ولكنه
ازداد قلقا حينما رأي الفراغ الذي حدث
في
السلطة
لغياب الرئيس الذي اعتاد عليه لمدة ربع
قرن تقريبا، ولأنه لا
يعرف
البدائل
المعقدة
التي تملأ الفراغ والتي ينص عليها
الدستور، ولأنه لا
يؤمن
إلا بالواضح من
الأمور
خاصة في هذه القضايا الحساسة قلق أكثر.
ولم يكن أمامه إلا الانتظار
والتذرع
بمزيد من الصبر وتمنى
لو أن قضية نقل السلطة أو تداولها،
والتي كتب عنها
الكثير،
تصل إلي حل يكفل مواجهة تصرفات الأقدار
التي تنقض دون إنذار.
قضية
التغيير
مهمة وخطيرة خاصة إذا كانت في المراكز
الحساسة بالدولة؛
فهي بمثابة مفاصلها
الحساسة
التي تكفل لها توازن الحركة. ولذلك
فمن الواجب أن يتم كلما اقتضت الظروف
ذلك:
فشل سياسة معينة، تغير الظروف
الداخلية والخارجية، استغلال فرص
لم تكن
متاحة
من قبل، فشل وتراخي الأداء،
العودة إلي الاهتمام بالجبهة الداخلية
بعد
الإفراط
في الاهتمام بالخارج مما تسبب عنه
انهيار وتراجع الجبهة
الداخلية.
واسمحوا
بالتوقف قليلا عند النقطة الأخيرة،
التي لا أوافق عليها
والتي
كتب عنها بعض الأقلام،
إذ إنها تصور أن السياسة الداخلية
للبلاد تتحرك منفصلة
عن
السياسة الخارجية وكأن بينهما فاصل أو
جدار،
علما بأن السياسة الخارجية وكل
ما
تملكه
الدولة من وسائل وقدرات متاحة تكون
دائما في خدمة الجبهة الداخلية
لبنائها
حتى
تشكل قاعدة وطيدة تتحطم عليها
التهديدات الخارجيةThreats
والتحديات
الداخليةChallenges
وتصبح في الوقت نفسه قاعدة للانطلاق
الناجح في مجالاتنا
الحيوية،
وبذلك فإن إرجاع أي تراجع في متانة
الجبهة الداخلية إلي عوامل خارجية
أمر
غير دقيق،
إذ إن سبب ذلك يرجع دائما إلي سوء
التخطيط، وانحطاط الأداء،
وغياب
المتابعة
لمواجهة الأخطاء والتصدي لها حتى لا
تصبح
خطايا.
وتأكيدا
لذلك،
فإن
صاحب
القرار يواجه بما يسمي بالمعضلة
الثلاثية ـTri-Dilemma
وهي كيفية إنفاق
الدخل
القومي للبلاد؟ هل ينفق أكثر لمواجهة
التهديدات الخارجية؟ هل ينفق أكثر
لمواجهة
التحديات الداخلية؟! هل ينفق أكثر
لتوطيد نفسه ونظامه؟ إن صاحب القرار
كالمايسترو
يقود كل الفرقة الموسيقية
-
وليس بعضها
-
وإلا كان النغم
نشازا.
والتغيير
المأمول تأخر كثيرا جدا؛
فهو مطلوب لتحريك المياه الآسنة التي
طال
سكونها، ولدفع الدماء الجديدة في
مؤسسات الدولة،
والهواء النقي لطرد الهواء
الفاسد،
علاوة علي أننا في المحروسة خضعنا
لتجارب ونظريات متنوعة،
أوصلتنا إلي
مديونيات
داخلية وخارجية ضخمة، وبطالة كثيفة،
وخلل مقلق في الميزان التجاري،
وفجوة
غذائية خطيرة، وموقف محير في
قدرتنا علي الردع!! والمنطق يقول إن
تغيير
المفاصل
التي تآكلت أصبح ضرورة حتمية بغرض وقف
الانهيار أولا ثم دفع الأمور في سلم
التطور
إلي الأحسن ثانيا. ولكن ماذا نغير؟
الأشخاص والسياسة والأسلوب؟ وأيها
يسبق
الآخر؟
دور
الدولة وشكلها والعلاقات الأفقية
والرأسية بين مؤسساتها تحتاج إلي
وقفة.
كيف سيكون حالنا مثلا عام2010 ـ لا
أقصد المونديال الذي اعتبره البعض
غرضا
قوميا ـ لأننا نتحدث بطريقة جادة تبعد
عن الهذر.
وما
العيب في وضع ميثاق وطني
كميثاقنا
عام1961 نحدد به غرضنا القومي،
وكيف نحققه في جميع المجالات؟! إذا
كانت
كلمة
ميثاق تثير حساسيات معينة فيمكن تحديد
الأفكار والمهمات في خطاب التكليف
للفدائي
المسكين الذي سيقع عليه الاختيار.
هنا يصبح تغيير الأشخاص بالصالحين
لتنفيذ
المهمة؛
ونكون بذلك قد وضعنا الرجل المناسب في
المكان المناسب. أما إذا
كان
الغرض إحلال محمد أحمد مكان أحمد محمد،
فإن التغيير يكون إلهاء للجماهير وليس
علاجا
لإصلاح أمة.. أمثلة لبعض
الموضوعات ذات الاهتمام الخاص:
*
دور
الدولة
في التخطيط والتنفيذ والمتابعة.
*
الأفكار البديلة مكان الأفكار التي
ثبت
فشلها والتركيز علي القدوة التي لا
ينالها
الباطل من الأمام أو الخلف.
*
نقل
السلطة وتداولها.
*
علاقة القيادة السياسية بالقيادات
العسكرية
والأمنية.
*
إحياء الانتماء وبناء علاقة سليمة بين
الوطن والمواطن.
*
الأمية
كوصمة والتعليم كعجلة نجاة.
*
زيادة في الإنتاج وعدالة في
التوزيع.
*
ملاحقة العصر الذي نعيش فيه لمنع أي
محاولات خارجية تتدخل لإصلاح
أحوالنا.
أي موضوعات أخري تجعل من مصر الدولة
القاعدة في الساحة
العربية
والدولة المركزية في الساحتين
العالمية والإقليمية.
وإذا
تحددت
الأغراض
والمهام،
وجاء دور اختيار الأشخاص،
تبرز قضية أخري نجملها في السؤال الآتي:
هل
يكون الوزير مثلا سياسيا أو من
التكنوقراط؟ الوزير ليس رئيس شركة
لإنتاج
معين..
الوزير ليس عاملا أمام آلة بعينها،
ولكنه يدير ورشة متعددة الآلات.
الوزير
يقود ويدير ويتابع، له نظرة تتحرك
علي جبهة واسعة وبعمق كبير في إطار
مسئوليته
الوزارية،
عما يجري في وزارته،
وبما ينفذ من سياسات حكومته..
السياسة أولا
وأخيرا
هي خدمة الجماهير. وهذا لن يتم
بطريقة سليمة إلا بوزير سياسي يساعده
بعض
التكنوقراط،
ينزل إلي الجماهير ولا
يعزل
نفسه في برج عاجي،
ليحتك بها ويقف علي
أحاسيسها
ويحدد مطالبها....
حتى
الأرقام التي يتحدث بها أحيانا هي
تعبير عن سياسة
معينة
بطريقة رقمية.
وقضية
أخري نختم بها: هل التغيير قطعة
قطعة أم يتم
شاملا
خاصة في أوضاعنا الحالية؟! التغيير،
كما أعتقد،
يكون ضمن خطة شاملة في كل
نشاطات
الدولة: دبلوماسية، أمنية،
اقتصادية، ثقافية، تعليمية.
ولكن قد
يكون
التنفيذ بعد ذلك علي مراحل تبعا لبرامج
زمنية محددة، وهذا لا
يتعارض
مع
الاستقرار
المنشود. فالاستقرار لمن؟
والاستقرار بماذا؟ الاستقرار لا
يعني
الجمود،
ولكنه يعني التوازن في العلاقة بين
الحاكم والمحكوم، بين السلطات
الثلاث،
بين الموارد المتاحة والإنفاق المتزن،
بين الحقوق
والواجبات..
العالم
من حولنا يتغير،
والفجوات بيننا وبينهم تتسع،
ونحن
جامدون
بأخطائنا وأشخاصنا كأسدي كوبري قصر
النيل،
الأمر الذي جعل الثماني الكبار
يطالبون
صراحة بأن نصلح من أمورنا، لا حبا
في سواد عيوننا ولكن درءا لأخطارنا.
فالتخلف
يفرز ما يسيء لنا ولهم، والتحدث عن
التغيير والإصلاح دون الإقدام علي ذلك
بجدية
شيء مرفوض من الداخل والخارج.
أن
تصل بنا الأحوال لكي يتحدث الغير ـ
حتى
لو كانوا الثماني الكبار ـ عن إصلاح
حالنا وتغيير واقعنا كثير علينا والله.
فنحن
لا
نستحق
ذلك لأننا خير أمة أخرجت للناس
**
نقلا عن جريدة الأهرام 29 يونيو 2004
|