|
انتهزوا الفرصة وحاكموا جنود بوش!
|
|
محمد
جمال عرفة
|
04/07/2004
|
|

|
|
صورة لأحد مشاهد التنكيل بالأسرى العراقيين
|
رُفعت
في الأول من يوليو الجاري 2004 الحصانة
التي سبق أن أعطاها مجلس الأمن لجنود
الولايات المتحدة الأمريكية مرتين
متتالين من يوليو 2002 إلى 2003، ثم من
يوليو 2003 إلى 2004، وذلك بعدما رفض
المجلس تجديد هذه الحصانة التي طالب
بها الأمريكان عقب تدشين معاهدة
المحكمة الجنائية الدولية في يوليو 2002
خشية مطالبة هيئات أو مجموعات حقوقية
بمحاكمتهم عن جرائم حرب ارتكبوها في
الصومال أو العراق أو غيرهما.
وتزامن
هذا الحدث مع حدثين آخرين هامين:
(الأول)
أن بول بريمر الحاكم الأمريكي للعراق
حرص على أن يكون آخر قرار يصدره قبل
مغادرة العراق هو إعطاء "حصانة"
لجنود الاحتلال الأجانب في العراق من
المحاكمة أمام أي محاكم عراقية.
(الثاني)
أن أمريكا أعلنت رسميا أنها بصدد سحب
قواتها العاملة تحت لافتة قوات حفظ
السلام في عدة دول مثل البوسنة
وإريتريا وإثيوبيا ما دامت الأمم
المتحدة ترفض إعطاء جنودها حصانة!
والحقيقة
أنه من مفارقات عصر "القوة العظمى
الوحيدة" في عالم اليوم أن حكومة
الولايات المتحدة الأمريكية لم تعد
تجد غضاضة أو عيبا في طلب "وضع
قانوني خاص" لجنودها؛ بل وتتبجح بأن
قرارات رئيسها لها الأولوية في
التطبيق على أي قرارات دولية أخرى حتى
لو كانت اتفاقية جنيف بشأن التعذيب (!)..
بل لقد وصل الأمر لحد أنهم بدءوا سَن
قرارات خاصة بهم في العراق وأفغانستان
تعفي جنود العم سام من المحاكمة في
حالة قيامهم بجرائم قتل أو تعذيب أو
خلافه ضد العراقيين أو الأفغان أو
العرب عموما!
والأغرب
أنهم كانوا حتى وقت قريب يحاولون
التستر من عورات التعذيب وجرائم
جنودهم بمحاولة الحصول على قرار دولي
من مجلس الأمن، يصبغ الشرعية على جرائم
جنودهم هناك، ونجحوا في الحصول على
قرار يعطي الحصانة للجنود الأمريكيين
من يوليو 2002 حتى 2004، ولكن عندما فشلوا
في مد هذا القرار في مجلس الأمن مرة
أخرى (بسبب جرائمهم في أبو غريب
وجوانتانامو وغيرها) لم يعيروا الأمر
اهتماما، وقرروا هم إصدار قرارات
أمريكية خاصة تعفي جنودهم من الملاحقة
(كما فعل بريمر في العراق)، وكأن جنودهم
يستعصون على المحاكمة ولا يجدون من
يجرؤ على محاكمتهم!!
لقد
قالت صحيفة واشنطن بوست يوم 24 يونيو
الجاري 2004: إن إدارة الرئيس الأمريكي
جورج بوش تعتزم تمديد حصانة قواتها ضد
أي ملاحقة قانونية في العراق بعد تسليم
السلطة للعراقيين في 30 من يونيو
الجاري، ونقلت عن مسئولين أمريكيين أن
من المتوقع أن يجدد الحاكم الأمريكي
للعراق بول بريمر العمل بأمر الحصانة
المعمول به طوال فترة الاحتلال
والمسمى الأمر رقم 17، وهو ما فعله
بريمر بالضبط، وطالب رئيس ووزراء
العراق الجدد أن يحافظوا على هذه
الحصانة!
وهذه
الحصانة تمنح جميع جنود ما يسمى "سلطة
الائتلاف المؤقتة" التي تقودها
الولايات المتحدة حصانة من أي ملاحقة
قانونية من جانب المحاكم المحلية "ومن
أي شكل من أشكال الاعتقال أو الاحتجاز
إلا من جانب أناس يعملون باسم الدولة
التي ينتمون لها"؛ أي أن من يحاكمهم
فقط هم الأمريكان أنفسهم لا غيرهم.
وجاء
هذا القرار الأمريكي بعد يوم واحد من
فشل الولايات المتحدة في تجديد قرار
مجلس الأمن الخاص بإعطاء جنودها في
الخارج حصانة قانونية من المحاكمة عن
أي جرائم يقومون بها؛ بسبب المعارضة
الشديدة لبعض دول مجلس الأمن خصوصا عقب
فضيحة إساءة معاملة السجناء العراقيين
وانتهاك حقوقهم.
جنود
أمريكا.. فوق المساءلة
والحقيقة
أن السلوك الأمريكي تجاه حصانة جنودهم
واعتبارهم "فوق المساءلة" لم يكن
وليد اليوم، ولا هو رد فعل على رفض مجلس
الأمن تجديد حصانة جنودهم، ولكنه
سياسة شبه رسمية؛ حيث لا تعترف أمريكا
بقوانين عالمية تصدر، أو قرارات دولية
تتعلق بالتعذيب أو غيره، وتعتبر نفسها
لها الحق في تشريع تشريعات خاصة بها،
ولها الحق وحدها في محاكمة مسئوليها
وجنودها داخل الولايات المتحدة.
وقد
وصل الأمر بالرئيس بوش لحد القول: "إنه
من حقي تجاهل اتفاقيات جنيف"! حيث
نشر البيت الأبيض مئات من الصفحات
لوثائق زعم فيها الرئيس الأمريكي جورج
بوش أن لديه الحق -وفقا لدستور بلاده-
في عدم الالتزام بالقوانين والمعاهدات
التي تناهض التعذيب.
وجاء
في إحدى الوثائق التي نُشرت يوم 22-6-2004،
وكانت قد صدرت من وزارة العدل
الأمريكية عام 2002 -وجرى إخفاؤها- أن
أوامر الرئيس الأمريكي وفقاً للدستور
تتقدم على القوانين والمعاهدات
الدولية المناهضة للتعذيب، وبالتالي
تبرر هذه الوثيقة استخدام وسائل
التعذيب بحق المعتقلين!!
وفي
هذا الصدد كتب بوش في إحدى المذكرات
التي صدرت من البيت الأبيض، وحملت
عنوان "معاملة إنسانية لمعتقلي
القاعدة وطالبان" يقول: "أقبل
استنتاج وزير العدل والوزارة بأنني
أملك وفقاً للدستور الحق في عدم
الالتزام باتفاقيات جنيف في
أفغانستان، لكني أرفض استخدام هذا
الحق في هذا الوقت".
الأمر
إذن يرتبط برفض أمريكا تطبيق قرارات
دولية مثل جنيف المتعلقة بالتعذيب،
وإن كانوا -كما قال بوش- يحاولون التجمل
بالزعم أنهم يرفضون التعذيب، وكل ما في
الأمر أنهم يحاولون الحصول على قرارات
دولية شرعية تستثنيهم من المساءلة
بالقوة، وفي حالة فشلهم في ذلك يتصورون
أنفسهم هم الأمم المتحدة، ويصدرون
قرارات خاصة أمريكية تحمي جنودهم!
والطريف
والمحزن أنهم سعوا العام الماضي لرشوة
دول عديدة عبر مساعدات مختلفة لضمان
توقيع اتفاقيات ثنائية معها تمنع
محاكمة الجنود الأمريكان في محاكم
جرائم حرب، وعندما رفضت بعض الدول ذلك
قاموا بحجب مساعدات عسكرية بقيمة 48
مليون دولار تحصل عليها 35 دولة من أول
يوليو 2003 الماضي بدعوى "عدم التزام
تلك الدول بمهلة الأول من يوليو
للتوقيع على اتفاقيات ثنائية مع
واشنطن تضمن حماية الرعايا والجنود
الأمريكيين من أي ملاحقة محتملة أمام
المحكمة الجنائية الدولية"!.
تهديد..
تهديد!
ومنذ
انهيار الاتحاد السوفيتي وتفرد
الأمريكان بقيادة العالم وهم يستعملون
لغة التهديد والوعيد لتلبية مصالح، بل
لقد هدد المندوب الأمريكي في مجلس
الأمن ضمنا باستخدام حق النقض (الفيتو)
ضد عمليات الأمم المتحدة لحفظ السلام،
كما فعلت واشنطن من قبل، عندما رفضت
دول مجلس الأمن الكبرى إعطاء جنود
بلاده صكوك الحصانة، وقال: إن واشنطن
بحاجة "لأن تأخذ في الاعتبار"
موقف مجلس الأمن من مشروع حصانة جنودها
"عند تحديد المساهمات في العمليات
التي تجيزها أو تنشئها الأمم المتحدة".
وقد
صدقت التهديدات الأمريكية، وأعلنت
واشنطن 3 يوليو 2004 أنها تفكر في سحب
جنودها من عدة دول بالفعل، وهو ما يعني
أن واشنطن تسعى لابتزاز المنظمة
الدولية بواسطة مساهماتها المالية لها
كي تجبرها على القبول بمطالبها غير
الشرعية.
وسبق
أن حدث هذا في صورة ضغوط شديدة مارستها
واشنطن عام 2002؛ حيث استخدمت حق الفيتو
ضد تجديد القرار الخاص بتمديد مهمة
بعثة الأمم المتحدة في البوسنة
والهرسك؛ وذلك لأنها كانت تطالب
بإعفاء دائم لمواطنيها من أي ملاحقات،
كما هددت بالانسحاب من جميع عمليات حفظ
السلام الخاصة بالأمم المتحدة في شتى
أنحاء العالم إذا لم يمنح مجلس الأمن
حصانة خاصة للأمريكيين ضد المحكمة
الجنائية الدولية التي أنشئت عام 2002
لمحاكمة الأفراد عن جرائم الحرب.
ولم
تصادق واشنطن على معاهدة إنشاء هذه
المحكمة الجنائية الدولية خشية محاكمة
مسئوليها وجنودها أمامها، ويزعم أن
المحكمة الجنائية تنال من سيادتها،
كما حصلت على موافقة 50 دولة على عدم
اعتقال أو محاكمة عسكريين أمريكيين
متهمين بارتكاب جرائم ضد الإنسانية
أثناء عبورهم من أراضيها.
حاكموهم
الآن
ويمثل
رفض مجلس الأمن تجديد القرار الخاص
بإعفاء جنود أمريكا من المحاكمات
الدولية نتيجة جرائم الحرب فرصة كبيرة
الآن لتقدم مئات الهيئات القانونية
العربية والإسلامية والدولية بعرائض
اتهام ضد الجنود والمسئولين الأمريكان
أمام المحكمة الجنائية الدولية في
لاهاي بتهم واضحة، مثل تلك التي ثبت
ارتكابهم لها بالصوت والصورة في "أبو
غريب" بالعراق وجوانتانامو وقندوز
في أفغانستان وغيرها.
فقد
أعطى مجلس الأمن الأمريكان إعفاء من
المحاكمة أمام المحكمة من يوليو 2002 حتى
2003، ثم جدد لهم الإعفاء حتى يوليو 2004،
ورفض هذه المرة التجديد لهم بسبب فضائح
أبو غريب وغيرها؛ بحيث سيكون هؤلاء
المسئولون والجنود عرايا من الحماية
القانونية الشرعية الدولية من يوليو
الحالي 2004.. فمن يحاكم جنود ومسئولي
الولايات المتحدة عن جرائم الحرب؟ ومن
يسرع بمحاكمة هؤلاء القتلة المجرمين
عن جرائمهم في العراق وفلسطين
وأفغانستان وغيرها؟
نعم
لن تعير واشنطن هذه القضايا المرفوعة
ضدها اهتماما، وسوف تتذرع بحجة حقها هي
وحدها في محاكمة جنودها وسن قرارات
خاصة بها، وترفض كل قوانين جنيف
المتعلقة بالتعذيب وغيره، ولكن هذا
يجب ألا يثني دعاة الحريات وحقوق
الإنسان عن رفع الدعاوى القانونية ضد
الأمريكان، وأن يتم تشكيل هيئات
قانونية لطلب تقديمهم للمحاكمة.
إن
السلوك الأمريكي من اتفاقية المحكمة
الجنائية الدولية ومن محاكمة جنودها
كبشر مثل كل البشر عن تجاوزاتهم يثير
تساؤلات عديدة حول انقلاب المعايير
الطبيعية في عالم اليوم؛ فبدلا من أن
يكون الاستثناء الأمريكي مرفوضا،
وتكون محاكمة أي فرد أمام المحكمة
الجنائية الدولية أمرا غير خاضع
للاستثناءات.. أصبح الاستثناء
الأمريكي هو الأصل الذي يعترف به مجلس
الأمن، وتعترف به بقية دول العالم تحت
حد سيف المعونات وغيرها.
ويلحق
بهذا الاستثناء عيوب أخرى تزيد الرقع
في ثوب العدالة الدولية؛ منها -على
سبيل المثال- رفض الإسرائيليين بدورهم
لمحاكمة الإسرائيليين أمام هذه
المحكمة، والسعي للاستظلال بظلال
الاستثناء الأمريكي بطرق مختلفة، ورفض
محاكمة الجنود والقادة الصهاينة أمام
هذه المحكمة بتهمة ارتكاب جرائم حرب في
الأراضي الفلسطينية وما أكثرها، وسبق
أن أدت الضغوط الأمريكية والإسرائيلية
لإلغاء قانون بلجيكي يسمح بمحاكمة
أجانب أمام محاكمها وتحويل المحاكمات
لدول المتهمين!
فمن
يجرؤ على تقديم الأمريكان للمحاكمة؟
ومن ينتهز فرصة انتهاء حصانة مجلس
الأمن في يوليو القادم ويرفع عليهم
قضايا لارتكابهم جرائم حرب وتعذيب؟
اقرأ
أيضًا:
|