English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

في الموقع أيضًا:

المنطقة العربية

إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين


تسليم السلطة العراقية.. هل يجدي؟

د. عاصم الراوي * - محمد الشرقاوي **

30/06/2004

بوش

على مدى الشهور الأربعة عشر الماضية من عمر الاحتلال الأنجلو - الأمريكي للعراق، خيمت حالة من الغيابية على صورة المشهد العراقي إلى أن جاء الإعلان عن تشكيل الحكومة العراقية المؤقتة برئاسة إياد علاوي في مطلع الشهر الجاري (يونيو 2004) ليحيي الآمال حول إمكانية نجاحها في بسط الأمن في ربوع البلاد وإدارتها، حتى إجراء الانتخابات العامة مطلع العام 2005، والتي يؤمل أن تأتي بنظام حكم مستقرٍ، وحكومةٍ منتخَبةٍ تنتشل البلاد من هذه الدوامة التي تعيش فيها منذ سقوط بغداد في التاسع من إبريل عام 2003.

وتثور تساؤلات عدة حول مدى نجاح حكومة علاوي المؤقتة بالفعل في إنجاز المهام المنوطة إليها، وإبراز التحديات التي ستقف عائقًا أمامها في هذا الخصوص، وكيف ستتعامل معها، وكيف ستتعاطى مع الوجود الأمريكي في العراق، وما هي الوسائل التي ستمكن أعضاءها من كسب ثقة العراقيين في ضوء الملاحظات العديدة المثارة حول الكثيرين منهم؟! (كتب هذه المقدمة محمد الشرقاوي).

وفي هذا الموضوع، سنعرض وجهتي نظر لخبيرين في المسألة العراقية: الأول أستاذ عراقي للعلوم السياسية بجامعة بغداد، وهو الدكتور عاصم كاظم الراوي؛ والثاني باحث مصري في الشئون الخليجية والعراق، وهو الأستاذ محمد الشرقاوي، متناولين النقاط الخمس التالية:

أبرز المهام والأوليات للحكومة العراقية المؤقتة

د.عصام كاظم الراوي:

إن الاستقرار السياسي مرهون بعوامل كثيرة ينبغي على أية حكومة أن تضعها في الحسبان؛ ولكن أخطر ما في الأمر أن هذه الحكومة القائمة الآن في العراق ليست موضع ثقة الشعب العراقي - فكيف ستتمكن من الوصول به إلى الاستقرار؟ فالشعب العراقي -ونحن هنا نتحدث عن الأغلب وليس الجميع- يرى أن هذه الحكومة معينة من قبل قوات الاحتلال التي ذاق الشعب العراقي منها الأمرين، وبالتالي فهي حكومة غير شرعية وفق كل المقاييس.. وقد اجتمعت أكثر من 500 شخصية عراقية تمثل 35 تجمعًا مهمًّا سياسيًّا ودينيًّا وعشائريًّا، ومنها هيئة علماء المسلمين في العراق وجماعة الإمام الخالصي، واتفقت على رفض الاحتلال - ورفض كل ما ينتج عنه.

ومعظم أعضاء هذه الحكومة كانوا خارج العراق لفترات طويلة؛ وهم إما أمريكيو أو برطانيو الجنسية؛ ونحن هنا في العراق لا نثق بحملة الجنسيتين... وميليشيات هذه الأحزاب، المشاركة في الحكومة، متهمة شعبيًّا بالتورط في جرائم النهب والسلب والتخريب التي رافقت احتلال البلد، وكذلك بالتورط في الكثير من الاغتيالات التي طالت الرموز الوطنية والعلمية والدينية في العراق، وفي أحداث التفجيرات وغيرها من الأعمال الإرهابية.

وهذه الحكومة قامت على أسس طائفية ومحاصصة قومية ومذهبية، ترفضها العناصر الوطنية المخلصة في هذا البلد. وقادة أحزاب هذه الحكومة متهمون بالتورط في علاقات إستراتيجية مع الأجانب، ومنهم الدول الاستعمارية المحتلة.. بريطانيا وأمريكيا.. فجلال الطلباني صرح مرارًا أن علاقة الأكراد بقوات الاحتلال (أو التآلف كما يسميها) علاقة وطيدة وإستراتيجية... وإياد علاوي -رئيس الوزراء- لا يتورع عن الاعتراف بالتعاون مع الأمريكان- وهو يدعو على الدوام إلى ضرورة تواجد قوات حلف الأطلسي وقوات الاحتلال على أرض العراق كضرورة لحفظ الأمن من وجهة نظره.

وعبد العزيز الحكيم -رئيس المجلس الأعلى للثورة الإسلامية- يتعاطف مع إيران - وقد دعا صراحة إلى ضرورة تسديد العراق لأكثر من مائة مليار دولار إلى إيران بسبب حرب الثمانينيات بين العراق وإيران. وحاجم الحسيني -شخصية مجهولة لم يكن يعرفها أو يسمع بها أحد قبل الاحتلال وهو أمريكي الجنسية- وكان وجوده في مجلس الحكم، ثم وزيرًا في الحكومة الجديدة، قد أضعف مكانة الحزب الإسلامي العراقي كثيرًا عند جماهيره.

والأحزاب الكردية التي كان لها حصة الأسد في هذه الحكومة وعلى مستوى الوزراء ووكلاء الوزارات، ليست موضع ثقة الجماهير العربية -سنة وشيعة- بسبب مواقفهم المؤيدة للغرب وللتواجد الأجنبي، وإسنادهم للقوات المحتلة، وتعاونهم السابق مع إيران خلال حربها مع العراق، والاعتقاد السائد أنهم إنما يسعون في الحقيقة إلى الانفصال وتقسيم العراق، وليست دعاوى الفدرالية إلا خطوة على الطريق اقتضتها الموازنات الدولية.

كما أن كثيرا من شرائح المجتمع العراقي الكبيرة ذات الأثر الاجتماعي والديني الكبير في الساحة العراقية -سنة وشيعة- قد غيبت، وقد تم تعمد تهميش دورها. فكيف تستطيع حكومة مع كل هذه الإشكالات أن تحقق الأمن وهي متهمة أصلاً -من خلال رموزها- بأنها أحد أهم أسباب زعزعة الأمن وعم الاستقرار.

بعد ذلك نأتي على أهم ضمانات تحقيق الأمن:

1- غالبية الشعب العراقي الآن عاطل عن العمل؛ وهناك الكثير من التقارير تؤكد على أن أكثر من 75% من القوى الشابة عاطلة عن العمل وبدون أية ضمانات. وقد ألغت قوات الاحتلال وزارات الدفاع والداخلية والإعلام؛ وعطلت جميع موظفيها إلا القليل جدًّا؛ وقامت بطرد عشرات الألوف من أعضاء حزب البعث من وظائفهم؛ وسرقت أموال العراق وكنوزه وآثاره؛ وهي تسيطر الآن بالكامل على جميع موارده المالية - فكيف يكون هناك أمن مع البطالة والفقر والعوز؟ فهل تستطيع الحكومة الحالية توفير لقمة العيش الكريمة للعراقيين وتعيد إليهم أموالهم؟ وحتى الموظفين، فإن راتب حامل شهادة الدكتوراة يعادل 180 دولارًا، وراتب حملة الماجستير يعادل 130 دولارًا، وراتب حملة البكالوريوس لا يتجاوز 100 دولارًا؛ وهي رواتب بائسة جدًّا مع ارتفاع أسعار جميع المواد -بشكل مضاعف- بعد مجيء قوات الاحتلال.

2- إن رموز الحكومة الحالية التي انبثقت غالبيتها من مجلس الحكم المؤقت والمعين أمريكيًّا، كانت أبعد ما تكون عن تحقيق العدالة، ومنها مسألة تعيين الموظفين.. فمعظم من تم تعيينهم، بعد الاحتلال وتشكيل مجلس الحكم، هم أقارب أعضاء مجلس الحكم، وأقارب الوزراء ومسئولي الأحزاب؛ والتعيينات في معظمها تمت على أساس القرابة أو الانتماء الحزبي أو المذهبي، بدءاً من الحراس الشخصيين وانتهاء بالمديرين العامين ووكلاء الوزارات، مما ولد إحباطًا شديدًا لدى غالبية الشعب العراقي، وولد أحقادًا وعداوات. فأهم عوامل تحقيق الأمن -وهو تحقيق العدل والمساواة والإنصاف وتحقيق الكفاية المالية والمعيشية- تكاد تكون غائبة. فلو تمكنت الحكومة الحالية من مباشرة العدل بشكل واقعي وحقيقي، وتوفير ضمانات العيش الكريم، فقد تستطيع السير باتجاه حالة من الاستقرار ومن ثَم الانتقال - إن صدقت النوايا... إلى المرحلة الثانية الضرورية لاستقرار طويل الأمد... وهذه المرحلة هي الإعداد لمرحلة انتخابات حرة وسليمة وعادلة. ولا يعتقد أن هذا يتحقق في ظل الاحتلال الأجنبي الذي يبدو أنه لن يزول إلا تحت ضربات مقاومة شعبية قوية ومتنامية. وأرى أن هذا سوف يستغرق وقتًا طويلاً. وأما مسألة إجلاء قوات الاحتلال، فالحكومة الحالية هي من نتائج الاحتلال، فكيف تسعى لإجلائه؟ نعم.. إنه لا يستبعد أن يصحو ضمير البعض بفعل ومضات الانتماء الوطني والقومي والإسلامي، فيتجهون اتجاهًا وطنيًّا مخلصًا كما حصل في العهد الملكي، ولكن تبقى محاولة المحتل في استمرار هيمنته على المفاصل المهمة، خصوصًا أن هذا الاستعمار إنما جاء كحملة دينية تلمودية صليبية من أجل ضمان أمن دولة اليهود وقهر أعدائها.

الباحث محمد الشرقاوي:

في البداية، يمكن القول: إن الأوضاع الراهنة في العراق تشي بأن الحكومة الجديدة، التي ستسلم السلطة من سلطات الاحتلال في الموعد المقرر لذلك، وهو الثلاثين من شهر يونيو الجاري، تنتظرها مهمات صعبة، وستواجه تحديات جساما خلال الفترة المقبلة، بعضها ناجم عن مجمل الوضع في العراق بشكل عام، والآخر يعود إلى بنية هذه الحكومة ذاتها ونظرة العراقيين إليها؛ ويظل نجاح الحكومة المؤقتة في أداء مهامها مرهونًا بالتغلب على هذه التحديات التي من أبرزها الآتي:

تدهور الوضع الأمني في العراق بصورة غير مسبوقة، وتفشي العنف في البلاد من أقصاها إلى أقصاها، بعد فشل سلطات الاحتلال في إعادة الاستقرار وإدارة الشأن الأمني بشكل ملائم، وإيجاد الوسائل الكفيلة بنقل السلطة والسيادة إلى العراقيين بشكل فعلي، والإسراع بإنهاء الاحتلال. وتنبع خطورة هذا التحدي من أن العراق تحول -بعد سقوطه تحت نير الاحتلال الأنجلو - أمريكي- إلى غاية تضم مختلفة أنواع الأسلحة، حيث تشير بعض التقديرات إلى وجود نحو خمسين مليون قطعة سلاح وملايين الأطنان من المتفجرات والذخائر التي ستؤدي، إضافة إلى الاحتقان الكبير والغضب المكبوت في صفوف الجماعات السياسية والعسكرية التي همشها الاحتلال، إلى استمرار تفجر الوضع الأمني في العراق.

والواقع أن الملف الأمني سيظل الهاجس الأول الذي يؤرق الحكومة العراقية المؤقتة، على اعتبار أنها ترى أن تحول العراق على طريق الاستقرار والديمقراطية مرهون بتسوية هذا الملف، والقضاء على كل من: بقايا العناصر الأمنية والعسكرية للنظام السابق؛ المجرمين والإرهابيين الذين جاءوا من الخارج؛ العناصر التي تسللت عبر الحدود المفتوحة في صورة أجهزة استخبارات أجنبية؛ وأخيرًا القوى الطائفية والحزبية التي تسعى إلى تحقيق مآربها الخاصة على حساب مصالح الوطن.

وفي هذا الإطار، فقد أعلنت حكومة علاوي أنها بصدد اتخاذ مجموعة من الإجراءات لبسط الأمن، موجهة بالأساس ضد العناصر السابقة... ومن بين هذه الإجراءات:

أ) دراسة إمكانية فرض الأحكام العرفية في بعض المدن العراقية من خلال العمل على تطبيق ما يعرف بقانون "سلامة الدولة".. رقم 4 لسنة 1965 الذي صدر إبان رئاسة عبد السلام عارف، حتى تتوافر للحكومة إدارة قانونية تستخدمها في التصدي للعنف. ويفرض هذا القانون -الذي طبقه أيضًا نظام الرئيس السابق صدام حسين- قيودًا على الحريات العامة؛ ويمنح الحكومة إمكانية حل الجمعيات والأحزاب السياسية، واحتجاز أشخاص من دون مذكرة توقيف، ومنع حرية تنقل الأفراد، وطرد الأجانب. غير أن هذا المسعى ووجِه بانتقادات حادة من العراقيين الذين رأوا أنه جاء استجابة لإملاءات خارجية، وأن الحكومة تحولت عن هدفها الأساسي المتمثل في إحلال الديمقراطية وتحقيق الاستقرار السياسي، ولبست ثوب النظام السابق. كما أن الآلية القانونية لفرض الأحكام العرفية تثير التساؤل، باعتبار أن قانون أداء الدولة المؤقت الذي يحكم البلاد حتى نهاية 2005، لا ينص في أي من بنوده على مثل هذا التدبير، ويخلو من أية إشارة إلى إمكان فرض الأحكام العرفية.

ب) التوصل إلى اتفاق مع تسعة أحزاب لها أعضاء في الحكومة المؤقتة على حل الميليشيات المسلحة التابعة لها التي تقدر بنحو مائة ألف عنصر ودمجها، إما في الحياة المدنية أو في أحد الأجهزة الأمنية التابعة للدولة... إلا أن المخاوف قد ثارت حول إمكانية ألا يسهم هذا الاتفاق في معاجلة مكامن التوتر في البلاد، بالنظر إلى أنه استثنى قوات "البشمرجة" الكردية، رغم أن الكثير من العراقيين يتهمها بإشاعة الفوضى وارتكاب جرائم قتل وسلب ذات طابع عنصري في شمال العراق؛ كما أن الاتفاق لم يشمل أيضًا تنظيمات حقيقية تتمتع بنفوذ واسع في العراق: مثل مقاتلي الفلوجة، وعناصر المقاومة التي تقوم بأعمال مناهضة للاحتلال الأمريكي، و"جيش المهدي" الموالي للزعيم الشيعي مقتدى الصدر، رغم أن الأخير أعلن مؤخرًا هدنة من جانب واحد، وعرض مساهمة عناصره في حماية المؤسسات الحيوية في البلاد "تفويت الفرصة على الإرهابيين والمخربين"، ومنعهم من إحداث فوضى عارمة، وانفلات أمني خطير يتزامن مع عملية نقل السلطة.

ج) تأسيس لجنة وزارة للأمن القومي برئاسة علاوي، تضم وزارات الدفاع والداخلية والخارجية والعدل والمال والاستخبارات العامة ومستشارية الأمن القومي، والتخطيط لإعادة تأسيس جهاز استخبارات وطني في العراق مشابهًا لجهاز المخابرات الداخلية البريطانية "أم أي 5"، أو مكتب التحقيقات الفيدرالية الأمريكي "إف بي آي" بهدف مكافحة ظاهرة العنف المتفشية في البلاد منذ سقوط نظام صدام، فضلاً عن النظر في إعادة العمل بعقوبة الإعدام التي أوقفها الحاكم الأمريكي للعراق بول بريمر.

وإلى جانب ما تقدم، فقد أبلغ علاوي مسئولين في وزارة الدفاع الأمريكية أنه يعتزم التحرك بسرعة لإعادة تشكيل العديد من فريق الجيش العراقي التي حلت بقرار من سلطة التحالف المؤقتة على نحو يسمح بإعادة منح الجنود والضباط رتبهم العسكرية ومرتباتهم ومخصصات التقاعد التي حرموا منها بموجب ذلك القرار.. وقال إنه يخطط لإعادة تشكيل أربع أو خمس فرق عراقية/ نحو 50 ألف عكسري/ في غضون بضعة أشهر، من بينها فرق تابعة للحرس الجمهوري الذي كان يُعَدّ من بين وحدات النخبة في الجيش العراقي في عهد صدام.

العقبات الحائلة دون الوفاء بهذه الأوليات

أعضاء الحكومة العراقية الجديدة

الدكتور عاصم كاظم الراوي:

لا شك أن التركيبة الطائفية للمجتمع العراقي معقدة؛ وقد ساهم النظام السابق في تعقيدها وتأجيج الأحقاد من خلال التنكيل الجماعي واستغلال التناقضات المذهبية والقومية في السعي لتثبيت سلطانه وفرض هيمنته. ولكن أحداث ما بعد الاحتلال أثبتت أن هناك الكثير من العقلاء والواعين -سنة وشيعة- قد فوتوا الكثير من فرص إثارة الفتن على الأعداء، غير أن هناك عقبة خطيرة، على الحكومة أن تتجاوزها قبل الوصول إلى حالة الاستقرار التي تمكنها من الوفاء بتلك الأولويات. هذه العقبة تتمثل في سعي عدد من رموز الشيعة إلى ترسيخ مفهوم خاطئ للاستفادة منه؛ وهو أن السنة أقلية، وكانوا يحكمون الأغلبية الشيعية ويظلمونهم؛ وقد آن للأمر أن ينعكس. هذا التصور ولَّد ردود فعل عنيفة لدى السنة، وأدى إلى تخندق مضاد قد لا تحمد عقباه إن لم يتخل الشيعة عن طروحاتهم الخاطئة تلك. فالسنة ليسوا أقلية، وكانوا هم الأكثر مقاومة وتحديًا لنظام حزب البعث، وقدموا تضحيات كبيرة جدًّا؛ ولكن الإعلام كان له دور في طمسها وإظهار مظالم الآخرين. كما أن الشيعة كانت لهم حصة كبيرة جدًّا في نظام حزب البعث.

أما المخاطر الأمنية - فهي تمثل تحديًا خطيرًا؛ ويعتقد في الشارع العراقي أن هناك أعداء خارجيين كثيرين... الموساد الإسرائيلي، والحقد اليهودي تجاه العراقيين بوجه عام، وقد واتتهم فرصة الانتقام؛ وكذلك بعض فئات المجتمع الإيراني والكويتي التي تروم الانتقام مما فعله بهم صدام وحزب البعث.

الباحث محمد الشرقاوي:

تواجه الحكومة أزمة "المشروعية"، حيث ينظر إليها قطاع واسع من الشعب العراقي بريبة، ويعتبرها سليلة للاحتلال وامتدادًا لمجلس الحكم المنحل. وبالتالي، فإنه سيكون على أعضاء هذه الحكومة أن يبذلوا في الفترة المقبلة جهودًا كبيرة لإظهار استقلاليتهم عن الإدارة الأمريكية، وكسب ثقة العراقيين، وتبديد الشكوك المثارة حولهم التي تعود إلى مجموعة من الاعتبارات، يأتي على رأسها أن نسبة لا يستهان بها من أعضاء الحكومة المؤقتة ذات جذور علمية وعائلية في أوربا والولايات المتحدة، ويحملون جنسيات هذه الدول إلى جانب الجنسية العراقية، وأنه جرى تشكيل الحكومة من وجوه لا رصيد سياسي وشعبي لها، ولعبت أدوارًا في المنفى ضد الدولة العراقية؛ حتى وإن كان للبعض رصيد شعبي، فقد خسره أو توارى من خلال القبول بمنصب وزاري يمنحه الاحتلال.

وثاني هذه الاعتبارات أن مهام الحكومة المؤقتة أضخم بكثير من عمرها "سبعة" أشهر فقط"؛ وهي فترة قصيرة جدًّا إذا ما قيست بالمهام الجسام التي تواجهها البلاد، وفي مقدمتها الفوضى والوضع الأمني المتدهور، فضلاً عن أن صلاحياتها ستكون محدودة، حيث أكد ملحق قانون إدارة الدولة أنها ليست مختصة -بصفتها مؤقتة- بالقيام بأية أعمال تؤثر على مصير العراق؛ لأن مثل هذه الأعمال تقتصر على الحكومات المستقبلية المنتخبة ديمقراطيا بواسطة الشعب العراقي.

أما ثالث هذه الاعتبارات، وهو الأهم، فهو أن رئيس الحكومة المؤقتة نفسه عليه ملاحظات عديدة من قبل العراقيين، حيث يفتقد لقاعدة شعبية واسعة؛ ويوصف بأنه "أمريكي الهوى والاتجاه"، وينتقده العراقيون لوصفه مقاتلي المقاومة ضد المحتل بأنهم "أعداء العراق"، وكذا لرفضه تحديد سقف زمني لبقاء القوات الأجنبية في العراق، وترديده اللغة نفسها التي يرددها مسئولو الاحتلال بأن هذه القوات ستظل في العراق طالما احتاج إليها العراقيون!!

ويرى مراقبون غربيون أن تعيين علاوي في هذا المنصف يكرس النفوذ الأمريكي على الحكومة العراقية المؤقتة، بالنظر إلى علاقته السابقة مع الاستخبارات الأمريكية والغربية، وهو الأمر الذي سيصعب من مهمته الحالية.

والغريب أن علاوي تحدى الرأي العام السائد في بلاده والمعادي لكل ما هو أمريكي؛ وقال: إنه ليس "خجولاً" من أنه عمل لحساب المخابرات الأمريكية وأجهزة استخبارية أخرى كزعيم جماعة معارضة في الخارج كانت تسعى لزعزعة نظام صدام حسين، مشيرًا إلى أنه كان على اتصال مع خمسة عشر جهاز استخبارات دوليًّا وإقليميًّا خلال فترة المعارضة في الخارج.

وكان مسئولون سابقون في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) قد كشفوا أنهم جندوا إياد علاوي في عام 1992، وذكروا أن حركة "الوفاق الوطني" التي كان يرأسها في المنفى، أرسلت عملاء إلى بغداد أوائل التسعينيات لزرع قنابل وتخريب مؤسسات حكومية بناء على توجيه من المخابرات الأمريكية.

والملاحظ أن تيارات عراقية عدة أبدت معارضة شديد لهذه الحكومة؛ فعلى الجانب الشيعي، تحفظ المرجع العراقي آية الله على السيستاني على تشكيلها، وأكد أنها لن تحظى بالقبول الشعبي إلا إذا أثبتت خلال خطوات عملية واضحة سعيها لإنجاز المهام الملقاة على عاتقها، والعمل على استصدار قرار من مجلس الأمن يعيد إلى العراقيين السيادة الكاملة، وإزالة آثار الاحتلال والاضطلاع بمهام حفظ الأمن. كما اعتبر تيار الصدر أن الحكومة المؤقتة مرفوضة؛ لأنها "مفروضة" من الغزاة الأمريكيين، مشترطًا -للاعتراف بها والتعاون معها- العمل على إخراج المحتل من العراق.

وعلى الجانب السني، فقد اعتبرتها "هيئة علماء المسلمين" -وهي أعلى مرجعية دينية للسنة في العراق- "مخيبة لآمال العراقيين بسبب اعتمادها على مبدأ المحاصصة الطائفية".. وقال المتحدث باسم الهيئة، الدكتور محمد بشار الفيضي: إن من يدقق النظر في التشكيلة الوزارية يكشف أنها تضم 13 وزيرًا شيعيًّا مقابل خمسة وزراء من العرب السنة، ومثلهم من الأكراد، الأمر الذي يفضح اعتمادها مبدأ "المحاصصة الطائفية" بشكل ساخر.

إضافة إلى التحديات السابقة، فإنه يقع على عاتق الحكومة الجديدة التخفيف من حدة الأزمة الاقتصادية الخانقة التي أفرزت مئات الآلاف من العاطلين عن العمل الذين يشكلون قنابل موقوتة جاهزة للانفجار في أي وقت، فضلاً عن إعادة توفير الخدمات الأساسية كالتعليم والصحة والماء والكهرباء.

استشراف مستقبل العراق

الدكتور عاصم كاظم:

أنا أعتقد أننا سوف نعاني كثيرًا، وتكون معاناتنا أليمة وقاسية في المستقبل القريب لاعتقادي الجازم أن البريطانيين والأمريكان -ومعهم اليهود وبعض شرائح القوى الخارجية المعادية- يريدون ذلك، وقد جاءوا من أجله؛ وهم أقوياء ونحن ضعفاء في الوقت الراهن. كما أن إصرار الولايات المتحدة على استمرار هيمنتها على البترول -وهو عصب الاقتصاد العراقي- سوف يضعف الاقتصاد؛ وبالتالي يضعف الأمن، ولا أعتقد أن من مصلحة البريطانيين والأمريكان أن يتجه العراق إلى نظام ديمقراطي سليم؛ لأنه سوف يكون قويًّا بموارده الاقتصادية الهائلة وكفاءات العراقيين المتميزة.. ففي ظل نظام سليم ومستقر، سوف يعود عشرات الألوف من الكفاءات العراقية من مهجرهم لبناء بلدهم؛ وهذا أمر لن يقبله الأعداء. 

أما الكثير من رموز العراقيين، ومنهم بعض رموز الحكومة الحالية، فهم يسعون إلى الهدف النبيل لإقرار الديمقراطية.. ونسأل الله أن تنتصر إرادة الخير على إرادة الشر.

الباحث محمد الشرقاوي:

الواقع الحالي في العراق، يؤكد بأن تحقيق الأهداف المرجوة يبدو مستحيلاً في المستقبل القريب، بالنظر إلى أن التغيير الذي حصل في تركيبة الحكومة العراقية مجرد "تغيير شكلي"، واستمرار الاحتلال دون تحديد سقف زمني لخروجه. وبالتالي، فإنه يتوقع أن تزداد ضراوة المقاومة العراقية التي ستعمل كل ما في وسعها على إفساد المخططات الأمريكية بالنقل "المظهري" للسلطة، وإظهار الحكومة الجديدة بمظهر العاجز عن السيطرة على زمام الأمور في العراق، وهو ما قد يترتب عليه احتمال تأجيل الانتخابات المقررة في يناير المقبل حتى إشعار آخر، بحجة تدهور الوضع الأمني، كما أعلن علاوي قبل أن يتراجع عن هذا الإعلان في وقت لاحق، وكما أكد الرئيس الأمريكي بوش عندما قال: إن خروج قوات الاحتلال مرهون بنجاح العراقيين في حفظ الأمن.

تعاطي الحكومة العراقية المؤقتة مع التواجد الأمريكي

الدكتور عاصم كاظم الراوي:

لا شك أن عددًا من رموز الحكومة الحالية جاءوا مع المحتل، ومصيرهم مرتبط به. كما أن الأحزاب الكردية قد ربطوا أنفسهم إستراتيجيًّا بحلف مع الأمريكان خصوصًا، ومع الغرب عمومًا؛ ولذلك فسوف يسعون لبقاء القوات المحتلة؛ لأن مصير طموحاتهم القومية مرتبط بدعم الغرب لهم.

ومن ثَم، فسوف يكون هناك صراع مرير داخل الحكومة الحالية والمستقبلية؛ فغالبية العرب -سنة وشيعة (باستثناء بعض الأحزاب المرتبطة بالمحتل)- سوف يكون لديها استعداد ورغبة صادقة لفتح قنوات الحوار مع جماعات المقاومة ومناهضي الاحتلال وكل الوطنيين المخلصين.. أما الأكراد، ومعهم الجماعات المشبوهة، فإن طموحاتهم كما قلنا مرتبطة بالمحتلين.

وأنا أراهن على صحوة الشارع الكردي والمجتمع الكردي المسلم العريق في إسلامه - بعد تباعد الزمن مع عهد صدام وآثاره الرهيبة والمرعبة، وما ولده من أحقاد بين المسلمين العرب وإخوانهم الكرد بسبب الظلم والقهر والاضطهاد. فإذا ما تم ذلك -وما هو على الله بعزيز- فسوف تضعف الأحزاب الكردية العلمانية المرتبطة بالغرب وتقوى الجماعات الكردية المسلمة؛ وعند ذلك، تتغير المعادلة كليًّا باتجاه طرد الاحتلال، ومن ثَم الاستقرار السياسي والأمني.

الباحث محمد الشرقاوي:

إن علاقة الحكومة العراقية المؤقتة مع سلطة الاحتلال التي تقودها الولايات المتحدة والتي تقول إنها ستكون علاقة "مشاركة" -في حين تؤكد الشواهد أن سلطة الاحتلال ستظل تمارس دورًا فاعلاً في الشأن العراقي سواء كان ذلك بصورة خفية أو معلنة- ستظل شديدة التأثير على الأرض، وقوة ضابطة لعمل الحكومة العراقية الجديدة.

وعلى الرغم من أن قرار مجلس الأمن الأخير "1546" قد أدى في النهاية -بعد تجاذبات دولية شديدة- إلى الاعتراف بحق الحكومة العراقية في الإشراف على القوات العراقية فقط، فإنه أبقى على حق القوات الأمريكية في المبادرة العسكرية تحت عنوان "القيام بعمليات هجومية حساسة"، دون أن يكون للحكومة العراقية حق "الفيتو" على هذه العمليات، مكتفيًا بمنحها حق "التشاور فقط" والذي ستحدده موازين القوى على الأرض. وبما أنها لصالح الطرف الأمريكي، فإنه سيظل الموجه الأكبر لطبيعة هذا التشاور ووتيرته.

إضافة إلى ذلك، فقد تم زرع مائة وخمسين مستشارًا أمريكيًّا وخمسين مستشارًا آخر في جميع الوزارات العراقية... وقد وصفهم جيمس جيفري (نائب السفير الأمريكي في العراق الذي سيبدأ مهام منصبه في أول يوليو 2004) هؤلاء المستشارين بأنهم سيكونون بمثابة "عيون وآذان" السفارة الأمريكية في الوزارات العراقية... مشيرًا إلى أنهم سيعملون تحت رعاية مكتب إعادة إعمار العراق التابع للسفارة الأمريكية. وهذا الأمر يوحي -حسبما يرى بعض المراقبين- أنه ستكون هناك حكومتان في العراق؛ الأولى أمريكية صاحبة السلطة الفعلية باعتبار أنها تمتلك القوة والنفوذ وتهيمن على الموارد العراقية؛ والثانية حكومة ظل عراقية تصرف الأعمال اليومية للحكومة الأمريكية!!.. وهو ما سيضيف قناعة جديدة لدى العراقيين، بأن نقل السلطة سيكون شكليًّا، وأن السيادة ستكون أيضًا شكلية؛ لأن الاحتلال مستمر، ولا يوجد ما يلوح في الأفق أنه سينتهي قريبًا.

العلاقة بين السنة والشيعة والمطامح الكردية

الدكتور عاصم كاظم الراوي:

السنة والشيعة.. كما أشرنا فإن هناك عناصر كثيرة تؤدي إلى التفاؤل في إمكان حل هذه المعضلة.

1- وجود الكثير من الرموز الواعية والمخلصة التي فوتت الفرصة على الأعداء؛ وإن شاء الله يكون ذلك في المستقبل أيضًا.. وهذه الرموز دينية.. أعني مرجعيات دينية شرعية.. وكفاءات سياسية وقانونية وعلمية.

2- التداخل العشائري؛ فكثير من العشائر العراقية المؤثرة في المجتمع العراقي، وذات الثقل السكاني الكبير، ذات طبيعة مذهبية مشتركة ومتداخلة؛ وأولوها قبيلة شمّر التي ينتمي إليها رئيس الجمهورية السيد غازي عجيل الياور والجبور والدليم والسعدون وبني تميم وعزّة... وغيرها. كما أن جميع قبائل التركمان ذات طبيعة مذهبية ثنائية، مما يولد نوعًا من صمام الأمان تجاه أي فتنة طائفية محتملة؛ لأن روابط العشيرة والقبيلة تحول دون اقتتال أبناء العشيرة الواحدة.

3- حالة التزاوج والنسب بين كثير من العوائل المرموقة من سنة وشيعة؛ وبالتالي فإن أواصر النسب والقرابة تعتبر إحدى صمامات الأمان المهمة.

4- حالة الردع؛ بسبب قناعة كل طائفة أنها سوف تكون عاجزة عن تصفية الطائفة الأخرى والتغلب عليها، وأن أية فتنة لن يكون فيها غالب أو مغلوب على الإطلاق.

أما المطامح والمخاوف الكردية، فمن المعطيات السابقة على مدى العقود الماضية، فإنه يعتقد أن طموحات الأكراد أو لنقل الأحزاب الكردية -ومنها الاتحاد الإسلامي الكردستاني- هي الاستقلال وتكوين دولة كردية قومية منفصلة ومستقلة؛ وما طروحاتهم عن الفدرالية إلا أمر اضطروا إليه بسبب الموازنات الدولية، ورفض دول الجوار تركيا وسوريا وإيران لمثل هذه الدولة؛ حتى لا تؤثر على دولهم وتؤدي إلى تفتيتها؛ وهذا يمثل التحدي الأكبر للحكومة الحالية ولأية حكومة مستقبلية من وجهة نظري.

الباحث محمد الشرقاوي:

يمثل تعامل الحكومة العراقية المؤقتة مع ملف العلاقة بين السنة والشيعة ومطامح ومخاوف الأكراد تحديًا آخر على صعيد الأوضاع الداخلية في العراق خلال المرحلة المقبلة.

فبالنسبة لملف العلاقة بين السنة والشيعة، فإنه مرشح لكي يكون أحد مصادر تفجير المشهد العراقي، بعد أن زادت الحساسية بين الطرفين بعد سقوط نظام صدام بالنظر إلى مجموعة من العوامل؛ أهمها تركيز "الشيعة" على المطالبة بحصة أكبر في حكم العراق لدواع سكانية بحتة، وامتناعهم -حتى الآن- عن القيام بعمليات مقاومة مسلحة ضد قوات الاحتلال باستثناء بعض العمليات التي قام بها "جيش المهدي" الموالي للزعيم الشيعي مقتدى الصدر، والاكتفاء بالمقاومة السلمية في هذا الشأن... وفي المقابل تخوف "السنة من التهميش وفقدان نفوذهم المتوارث في العراق على مدى العقود الماضية، وتأكيدهم أنهم يمثلون الشريحة السكانية الكبرى في العراق، وإحساسهم بأن هناك أطرافًا تسعى إلى التربص بحقوقهم في عراق ما بعد صدام بالرغم من أنهم تحملوا العبء الأكبر في مقاومة الاحتلال بعد سقوط بغداد.

وفي هذا الإطار، وقعت بعض المشاحنات والاحتكاكات بين الطرفين، كما استهدفت بعض الهجمات عناصر قيادية من الجانبين في محاولة لإثارة فتنة مذهبية في العراق، إلا أن التجربة قد أثبتت -حتى الآن- أن العقلاء من الجانبين، وهم يمثلون الأغلبية، يدركون أن هناك مخططًا للإيقاع بين السنة والشيعة وتفجير حرب أهلية في العراق، في محاولة لتحويل الانتباه عن الاحتلال الأجنبي الجاثم فوق أرضه.

وكانت أبرز مظاهر هذا المخطط مؤخرًا، الحادث الذي أسفر عن مقتل ستة من سائقي السيارات "الشيعة"، والتمثيل بجثثهم من قبل عناصر مجهولة قيل إنها من "المجاهدين" في مدينة الفلوجة "السنة" التي تمارس مقاومة ضارية ضد قوات الاحتلال، حيث طالب أهالي القتلى بالثأر، واتهموا اثنين من علماء الدين في الفلوجة بالوقوف وراء الحادث، إلا أن "هيئة علماء المسلمين" سارعت إلى التحذير من مخطط خطير لإثارة النعرات الطائفية في العراق، ونفت ما تردد حول تورط أبناء الفلوجة التي غدت رمزًا للمقاومة في العراق في هذا الحادث.

أما الأكراد، فقد حققوا المزيد من الامتيازات بعد سقوط نظام صدام، حيث أصبحوا يسيطرون بشكل كامل على كردستان العراق، ولديهم الآن وزراء في الحكومة المركزية -"سبعة وزراء"- وحكومتين محليتين في أربيل والسليمانية، ويسعون في الوقت نفسه إلى استغلال الفوضى الراهنة في العراق للحصول على نصيب أكبر من المزايا والمكاسب.

والواقع أن الحكومة العراقية المؤقتة تواجه حاليًّا تحديًا من نوع خاص، يتمثل في إيجاد "توازن" بين مطامح الأكراد المتمثلة حتى الآن في الفيدرالية والحكم الذاتي في شمال العراق، وبين الحفاظ على وحدة الأراضي العراقية، وكبح جماح أية محاولة كردية للانفصال عن العراق. هذا بالنظر إلى أن المستقبل القريب يحمل في طياته مخاطر من هذا النوع، تتمثل في الإبقاء على حكومتين محليتين في شمال العراق -واحدة في أربيل بزعامة مسعود برزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني والثانية في السليمانية بزعامة جلال طالباني رئيس الاتحاد الوطني الكردستاني- وعدم حلهما بعد تشكيل الحكومة المركزية في بغداد، ومشاركة وزراء من الحزبين فيها؛ إلى جانب حدوث تحركات كردية ميدانية وعسكرية مريبة، ووجود أعداد كبيرة من "الموساد" والشركات الإسرائيلية في شمال العراق.

وفي هذا الإطار، كشفت مجلة "نيويوركر الأسبوعية الأمريكية مؤخرًا أن عملاء إسرائيليين، بينهم أعضاء في جهاز "الموساد"، ينشطون حاليًّا في كردستان العراق بدعوى أنهم رجال أعمال، ويقومون بتدريب فرق "كوماندوز" كردية على أعمال القتال والتخريب والتجسس.. وبحسب تقرير المجلة -الذي كتبه الصحفي الأمريكي الشهير "سيمور هيرش"- فإن الإسرائيليين وصلوا إلى قناعة منذ نهاية العام الماضي، مفادها أن إدارة بوش لن تكون قادرة على إحلال الاستقرار أو الديمقراطية في العراق، وأن على إسرائيل إيجاد خيارات أخرى من خلال التحالف مع الأكراد، وتشكيل فرق كوماندوز كردية قادرة على مواجهة الميليشيات الشيعية، والتجسس لحساب إسرائيل في العراق وإيران وسوريا.

ومن بين الملامح أيضًا التي تؤشر لتزايد مطامح الأكراد، رفضهم لقرار رئيس الوزراء إياد علاوي بحل المليشيات المسلحة، مما اضطره إلى إعلانه باستثناء قوات البشمرجة الكردية البالغ عددها نحو سبعين ألف مقاتل من هذا القرار؛ وذلك رغم الملاحظات العديدة عليها.

وفي الإطار ذاته، هدد الأكراد بالانسحاب من الحكومة المؤقتة، احتجاجًا على أن قرار مجلس الأمن "1546" لم يأتِ على ذكر قانون إدارة الدولة المؤقت الذي يمنحهم الحكم الذاتي في ثلاث محافظات بشمال العراق؛ غير أنهم تراجعوا عن هذا التهديد في وقت لاحق، بعد أن اعتبر البرلمان الكردي أن تبني القرار الدولي للفيدرالية وتقديم حكومة علاوي لضمانات بخصوص قانون إدارة الدولة مؤشرات إيجابية لضمان وضع الأكراد!!

مما سبق، يتضح أن نجاح حكومة إياد علاوي المؤقتة في مواجهة التحديات السابقة مرهونة ببسط الأمن في أنحاء البلاد، وكسب ثقة العراقيين وتأكيد انحيازها الكامل لتطلعاتهم في الحصول على الاستقلال، ووضع أجندة عمل وطنية تؤكد أن تحقيق الاستقلال والسيادة يأتي على رأس أولوياتها، وليس تنفيذا الأجندة الخاصة بالاحتلال.

اقرأ أيضا

* أستاذ عراقي للعلوم السياسية بجامعة بغداد
** باحث مصري في الشئون الخليجية والعراق

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

أدلة وخدمات

 


إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين


من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع