|
أمريكا وجارانج.. اللعب على المكشوف بدارفور!
|
|
محمد جمال عرفة **
|
28/06/2004
|
 |
|
كولن باول في مهمة جديدة بالسودان |
هل
بدأ اللعب على المكشوف في دارفور بلا
خجل من جانب واشنطن وحركة التمرد في
جنوب السودان بزعامة جون جارانج بهدف
السعي لتفكيك وتفتيت جزء آخر من أرض
السودان في الغرب (دارفور خُمس مساحة
السودان). كما يخططون بعد مفاوضات
نيفاشا لفصل الجنوب (ربع مساحة السودان)
بحيث لا يتبقى من السودان الحالي سوى
نصفه تقريبا؟!
وهل
أصبحت الخرطوم والعرب عاجزين عن وقف
مسلسل التدخل الغربي هناك -الذي تحول
إلى دولي بتوريط الأمم المتحدة- بحيث
أصبح مصير دارفور وجنوب السودان يتقرر
في الكونجرس الأمريكي والبرلمانات
الأوربية الذين أصبح اهتمامهم
بالسودان في برلماناتهم يفوق اهتمامهم
بمشاكل شعوبهم!.
كنا
قد توقعنا
في "إسلام أون لاين.نت" قبل
شهرين تقريبا أن تتحول قضية دارفور (في
غرب السودان) تدريجيا إلى مسمار جحا
جديد (بعد الجنوب) للتدخل في شئون
السودان -عسكريا هذه المرة- وتقسيمه
على المدى البعيد، وجاء الرفض
الأمريكي لخطط التدخل العسكري التي
اقترحها الأوربيون والأمين العام
للأمم المتحدة كوفي عنان هناك ليقلل من
مخاطر هذا التخوف مؤقتا.
ولكن
التحرك الجديد والأخطر من جانب واشنطن
مؤخرا، وتسخير الأمم المتحدة لصالح
هذا التحرك الهادف لتطبيق سيناريو ما
جرى في الجنوب على دارفور يكشف حقيقة
مسلسل التفتيت، والأهداف الأمريكية في
المنطقة التي تتجاوز حدود السودان،
وتقفز ربما لمحاولة التأثير على دول
الجوار القوية (مصر تحديدا)، وخلق
منطقة نفوذ أمريكية قوية في شرق
أفريقيا تعد كبديل مناسب لمناطق
نفوذها "الملغومة" في الخليج!.
ففي
سلسلة تطورات متلاحقة أُعلن عن قيام كل
من وزير الخارجية الأمريكي كولن باول (يرافقه
95 شخصا بينهم 15 صحفيا أمريكيا)،
والأمين العام للأمم المتحدة كوفي
عنان بزيارة مهمة إلى دارفور نهاية
يونيو 2004، رافقتها حملة تصريحات
وتهديدات لحكومة السودان. وزار دارفور
بالفعل أو في طريقه إليها حوالي 3 وفود
من الكونجرس الأمريكي دفعة واحدة، كما
زارها السفير الأمريكي المتجول
للتحقيق في جرائم الحرب "ريتشارد
بروسبر"، فيما وجه برلمانيون
أمريكيون يوم 23-6-2004 نداء إلى الرئيس
جورج بوش للتدخل عسكريا في دارفور من
أجل وقف ما وصفوه بـ"الإبادة"
الجارية هناك!.
فرغم
أنها أول زيارة من نوعها يقوم بها وزير
للخارجية الأمريكية إلى السودان منذ
عام 1978، وفي أعقاب توقيع اتفاق سلام
الجنوب اختار كولن باول وهو في طريقه
إلى دارفور عبر مطار الخرطوم أن يطلق
حزمة من التهديدات للضغط على الحكومة
السودانية لمنع هجمات ميليشيا "جنجويد"
(العربية) على السكان المنحدرين من
أصول أفريقية في المنطقة، وقال: إن
الرسالة التي سيبلغها للحكومة
السودانية هي: "دعوا المعونات تتدفق
بحرية.. دعوا عمال المساعدات الإنسانية
يدخلوا.. استخدموا قوات الحكومة
والتأثير السياسي لإنهاء الهجمات".
وقال
مسئول أمريكي رفيع المستوى: إن باول
سيخبر المسئولين في الخرطوم أن "عليهم
ألا يتوقعوا أي نمو في العلاقات
السودانية الأمريكية أو أي فوائد من
العلاقة السودانية الأمريكية حتى
يصححوا من سلوكهم في دارفور".
أيضا
رغم أنها أول زيارة لكوفي عنان
لدارفور، فهو اختار بدوره أسلوب
التهديد وحذر من تزايد الحاجة لتدخل
دولي هناك لإنقاذ السكان ذوي الأصول
الأفريقية الذين تصورهم الدعاية
الغربية على أنهم ضحايا السكان العرب
الذين تدعمهم الخرطوم رغم أن كل سكان
دارفور مسلمون ويعيشون هناك متجاورين
منذ مئات السنين.
وربما
لهذا اضطر وزير خارجية السودان مصطفى
عثمان للرد بقوة على تصريحات باول
وعنان قائلا بوضوح: إن السودان لا ترحب
بهما إذا كان هدفهما السعي للضغط على
الخرطوم وتبني آراء مشوهة تروجها
هيئات الإغاثة التبشيرية الغربية هناك
عن قيام الحكومة وأعوانها بإبادة
جماعية أو تطهير عرقي، أو كان الهدف
الترويج لحملة بوش الانتخابية، وتأكيد
حرصه على الإنسانية المعذبة بعد فضائح
أبو غريب!.
حيث
أكد وزير الخارجية الدكتور مصطفى
عثمان إسماعيل أن "الحكومة ليست في
حاجة إلى ضغوط، ولسنا في حاجة لزيارة
هذه أهدافها"، وقال: إن الحكومة ترحب
بزيارة باول والاهتمام الأمريكي إذا
كان في إطار مساعدة السودان في حل
معضلة دارفور.. أما إذا كان الغرض من
الزيارة تأجيج الحملة الانتخابية التي
تجري في أمريكا أو تأليب المجتمع
الدولي أو الضغط على الحكومة
السودانية؛ فنقول لهم: إن مثل هذه
الزيارة لن تفيد أهل دارفور، ولن تفيد
العلاقات الثنائية، ولن تغير في الأمر
شيئا".
وانتقد
أيضا كوفي عنان، وألمح إلى ارتباط
أجندة زيارته بضغوط أمريكية قائلا: "إن
زيارته إن كانت إرضاءً لمؤسسات أو جهات
تضغط عليه فلسنا في حاجة إليها"،
وقال: "إن الأمم المتحدة إن كانت
تشعر بعقدة ذنب في أنها لم تقدم ما هو
مطلوب في رواندا فإن دارفور ليست مثل
رواندا على الإطلاق".
الخرطوم
ترتكب جرائم حرب
الأغرب
أن وفودا من الكونجرس ولجان الكونجرس
لمكافحة جرائم الحرب راحت تنهال على
دارفور -رغم أنهم لم يفعلوا شيئا في
جرائمهم في أبو غريب أو جوانتانامو-
وتزايدت الدعوات لتدخل عسكري أمريكي
على طريقة العراق؛ بدعوى أنه لأهداف
إنسانية هذه المرة!
كما
صدر بيان مشترك لقمة الأورأمريكية
26-6-2004 في أيرلندا، أعرب الاتحاد
الأوربي والولايات المتحدة فيه عن "قلق
شديد" إزاء النزاع في دارفور،
وطالبا السلطات السودانية بالتصدي
لميليشيا جنجويد، وشجب البيان "انتهاكات
حقوق الإنسان التي ترتكبها جنجويد".
فقد
وصل إلى الخرطوم بالفعل في منتصف يونيو
2004 وفد من الكونجرس الأمريكي في زيارة
تستغرق 5 أيام للوقوف على الأوضاع في
إقليم دارفور غرب البلاد، وإجراء
محادثات مع عدد من المسئولين
السودانيين، كما سيصل وفد آخر من
الكونجرس الأمريكي يوم 29 يونيو 2004
برئاسة السيناتور فرانك وولف، وسيزور
هذا الوفد ولايات دارفور الثلاث
للوقوف على الأوضاع هناك.
وسبق
هذا قيام وفد ثالث برئاسة السفير
الأمريكي المتجول للتحقيق في جرائم
الحرب بيير- ريتشارد بروسبر بجولة في
دارفور، ذهب بعدها ليبلغ لجنة الشئون
الأفريقية (المتفرعة عن لجنة العلاقات
الدولية في مجلس النواب بالكونجرس
الأمريكي التي تبحث موضوع "التصدي
لجرائم الحرب في أفريقيا") يوم 23
يونيو 2004 بأنه "توجد مؤشرات تدل على
ارتكاب عمليات قتل جماعي في إقليم
دارفور في غرب السودان"، وأن "هناك
دليلا على دعم الحكومة السودانية
المستمر للميليشيا ومعرفتها
بالانتهاكات التي ترتكب ضد المدنيين
الأبرياء".
والغريب
أن السفير الأمريكي سعى للمطالبة
بمحاكمة مسئولين سودانيين عن جرائم
حرب في دارفور بقوله للكونجرس: "إن
واشنطن لديها أدلة على ارتكاب 7
مسئولين سودانيين وغيرهم من مسئولي
مليشيا جنجويد جرائم حرب"، ولكنه
ختم شهادته بالقول: "في الوقت الحاضر
نحن لسنا في وضع نستطيع فيه تأكيد ذلك".
ولهذا
كان من الطبيعي أن يطالب برلمانيون
أمريكيون بينهم نواب من السود -في نداء
إلى الرئيس جورج بوش يوم 23-6-2004- بالتدخل
عسكريا في دارفور من أجل وقف ما وصفوه
بـ"الإبادة" الجارية هناك، وأن
تقول زعيمة الأقلية الديمقراطية في
مجلس النواب نانسي بيلوسي: "يجب أن
نتحرك فورا كي نحول دون استمرار
المذبحة (...) وتكرار عملية الإبادة
التي وقعت في رواندا عام 1994، وأسفرت عن
سقوط 800 ألف ضحية".
ما
هي المشكلة؟
 |
|
لاجئون في معسكر أقيم قرب منطقة دارفور |
والمشكلة
في كل ما يجري أن واشنطن وعواصم أوربا
ومعها الأمم المتحدة تسعى لتصوير
الأمر على أنه "إبادة عرقية" على
غرار ما جرى في رواندا، وأن القبائل
العربية (الرحل) في دارفور شكلت
ميليشيا "الجنجويد" (بمعنى رجال
يركبون جيادا ويحملون بنادق) لقتل
وتهجير القبائل ذات الأصول الأفريقية (المزارعين)
رغم أن هذه ليست هي الحقيقة.
فتاريخ
دارفور مليء بالصراعات المحدودة بين
بعض القبائل العربية والأفريقية هناك،
خصوصا في مواسم الأمطار أو نقص الطعام،
وساعد في تأجيجه انتشار السلاح في أيدي
القبائل بسبب الحرب الأهلية في تشاد
المجاورة للإقليم، وانتقال السلاح
والمتحاربين إلى دارفور؛ حيث تمتد
فروعهم القبلية هناك، خصوصا قبيلة
الزغاوة. وقد وقعت صراعات عديدة في
سنوات سابقة، وانتهت دون أن يفطن لها
أحد، ولكنها هذه المرة حظيت بتغطية
غربية منحازة وتدخل أوربي وأمريكي
لصالح الأفارقة، ساهم في توسيع شقة
الخلافات والصراع بين القبائل.
المشكلة
بالتالي ليست في القبائل وصراعها
المستمر، ولا في ميليشيا الجنجويد
العربية وحدها، ولكنها أيضا في
العصابات المسلحة التي شكلتها بعض
القبائل ذات الجذور الأفريقية وحركات
التمرد في غرب دارفور (3 حركات) التي
يطلق عليها البعض هناك "تورا بورا"؛
لأنها تشكلت إبان ضرب أمريكا
لأفغانستان أكتوبر 2001 (أي قبل تشكيل
الجنجويد).
ولكن
المشكلة الكبرى هي في التدخل الأجنبي،
وتدخل منظمات الإغاثة التبشيرية،
وتدخل الحركة الشعبية المتمردة في
الجنوب بزعامة جون جارانج لأهداف غير
معلومة وإيغار صدور الطرفين المسلمين،
والنفخ في المشكلة، ومساندة حركات
التمرد في الغرب، وتبني مطالبهم بأن
يجري على دارفور ما جرى في جنوب
السودان.
ويفسر
هذا التصاعد المطرد في مطالب متمردي
غرب السودان من مجرد العدالة في توزيع
الثروة إلى المطالبة بالحكم الذاتي
والاستقلال، وتزايد شروطهم للدخول في
أي مفاوضات مع الحكومة، كان آخرها
مطالبة متمردي "حركة تحرير السودان"
وزير الخارجية الأمريكية كولن باول
والأمين العام للأمم المتحدة بإقامة
منطقة حظر للطيران العسكري، وتسهيل
حرية الحركة لعمال الإغاثة، وإجراء
محاكمات جرائم حرب لعناصر ميليشيا
جنجويد العربية التي قامت بعمليات نهب
وحرق في دارفور قبل الشروع في أي
مفاوضات سياسية مع الخرطوم.
بل
لقد كشف المركز
السوداني للخدمات الصحفية عن تزايد
دور حركة التمرد الجنوبية لدعم متمردي
دارفور؛ حيث وصلت صباح يوم 27 يونيو 2004
إلى منطقة جبل مرة (مقر التمرد في
دارفور) طائرة عمودية تتبع للحركة
الشعبية بقيادة العقيد جون جارانج
تحمل "عددا من الصحفيين النرويجيين
لتصدير عدد من الأقلام والملفات التي
تعمل على تصعيد حملة ادعاءات التطهير
العرقي والإبادة الجماعية بدرافور تحت
إشراف جارانج يتبع لاستخبارات الحركة
الشعبية".
ومعروف
أن متمردي الجنوب (تيار جون جارانج)
بدءوا في التواصل مع متمردي دارفور
بدعوى الوساطة بينهم وبين الخرطوم
لوقف القتال، على الرغم من ثبوت علاقة
سابقة بين متمردي الجنوب والغرب حتى في
البيان التأسيسي (المانفستو) لكلتا
الحركتين؛ الأمر الذي يُعتبر بدوره
تطورا خطيرا باتجاه تكتيل حركات
التمرد ضد المركز في الخرطوم وإضعافه
أكثر.
فقد
سبق لمتمردي الجنوب أن سعوا لإثارة
القلاقل في الغرب في الثمانينيات من
القرن الماضي؛ بهدف توسيع التمرد جهة
الغرب للضغط على المركز (الخرطوم)؛ مما
اضطر حكومة المهدي في ذلك الحين لتسليح
قبائل دارفور لمواجهة المتمردين، ومع
فشل مد التمرد إلى الغرب فشلت خطة
جارانج، ولكن متمردي الجنوب يعودون
الآن لتوثيق تحالفهم مع متمردي الغرب (دارفور)
تحت غطاء الوساطة؛ وهو ما قد يشكل ضغطا
أكبر على الخرطوم.
وسبق
لمصادر سودانية رسمية مطلعة أن قالت لـ"إسلام
أون لاين.نت": إنه ثبت للخرطوم
بالدليل من خلال أسلحة تركها متمردو
حركة تحرير السودان في دارفور أن هناك
جهات خارجية وأخرى محلية تقف وراء تمرد
دارفور في غرب السودان بهدف الضغط على
حكومة الخرطوم نحو مزيد من التنازلات
في مفاوضات الجنوب، وإضعاف موقف
الحكومة السودانية عموما.
وقالت
المصادر: إن حركة التمرد (الحركة
الشعبية) بزعامة جون جارانج تساند
متمردي دارفور بالعتاد والنصائح
والمستشارين بهدف إرباك الخرطوم
ودفعها للتنازل أكثر، وتقديم مكاسب
جديدة لمتمردي الجنوب للوصول لاتفاق
سلام نهائي سريع كي تتفرغ لتمرد غرب
السودان، وإنه ثبت أن هناك معدات
وأسلحة وعربات من دول معادية منها
إسرائيل تركها المتمردون في المعارك
التي دارت بين القوات الحكومية
والمتمردين.
اللعب
أصبح بالتالي علي المكشوف في دارفور،
والأهداف واضحة، وتتمثل في تفتيت وحدة
السودان ونزع ولاية الخرطوم عن دارفور
بحجج الإبادة العرقية بعد نزع سيطرتها
عن ربع مساحة البلاد في الجنوب.. ولكن
السؤال هو: أين العرب؟ وأين الإغاثة
العربية والإسلامية؟ ولماذا يترك
العرب والمسلمون إغاثة أهلهم المسلمين
في دارفور لمنظمات تبشيرية غربية ذات
أجندة وعلاقات مشبوهة مع أجهزة
الاستخبارات الغربية؟!
اقرأ
أيضا
**محلل
الشئون السياسية بموقع إسلام أون لاين.نت
|