|
الإرهاب والديمقراطية على الطاولة الأطلسية
|
|
أسامة فاروق مخيمر**
|
27/06/2004
|
في
29 مارس الماضي انضمت رسميا إلى عضوية
حلف شمال الأطلنطي (الناتو) 7 دول جديدة
هي: لاتفيا، أستونيا، ليتوانيا،
بلغاريا، رومانيا، سلوفاكيا
سلوفينيا، ليصل بذلك عدد الدول
الأعضاء في الحلف إلى 26 دولة. ويعد هذا
التوسع الثاني للحلف، بعد انتهاء
الحرب الباردة، حيث كان التوسع الأول
في مارس 1999 عندما انضمت 3 دول - هي
بولندا والتشيك والمجر - إلى عضوية
الحلف؛ الأمر الذي أحدث في حينه ضجة
وتساؤلات كثيرة حول نوايا الحلف
التوسعية بضمه لثلاث من دول أوربا
الشرقية (السابقة) التي كانت تنتهج
النهج الاشتراكي، وتصنف على أنها من
"أعداء الأمس".
مهام
وأعباء في انتظار الحلف
لم
تكد تمضي أيام على الإعلان رسميا، عن
انضمام الدول السبع الجديدة إلى عضوية
الحلف، حتى اجتمعت كل دول الحلف
القدامى والجدد (26 دولة) في مقر الحلف
في بروكسيل، حيث ارتفعت أعلام الدول
الجديدة على الصواري، أعقبها اجتماع
لوزراء خارجية الدول الأعضاء بمقر
الحلف، لمناقشة المهام أو الأعباء
الملقاة على عاتقهم، حيث توجد على
أجندة الحلف ما يمكن أن يسمى بقضايا
ومناطق للعمل تتمثل في: الإرهاب،
وانتشار أسلحة الدمار الشامل، والعمل
على تقديم الدعم للمبادرات المؤدية
للإصلاح في منطقة الشرق الأوسط (وهي
أولويات أمريكية في العمل)؛ ويتركز
اهتمام الحلف بتلك القضايا في 3 مناطق
رئيسية هي: أفغانستان، العراق، الشرق
الأوسط.
ويلاحظ
أن القضايا موزعة على مناطق العمل.
فتركز موضوع مكافحة الإرهاب في
أفغانستان، وامتد إلى العراق. وأما عن
منطقة الشرق الأوسط، فتتمثل وجهة
النظر الأمريكية في أن غياب
الديمقراطية يعد أحد الأسباب الرئيسية
لنشأة الإرهاب، وأيضا السعي لامتلاك
أسلحة الدمار الشامل، حيث يؤخذ على
الدول غير الديمقراطية التي تسعى
لامتلاك تلك الأسلحة (وفقا لوجهة النظر
الأمريكية) أن القيادات فيها لن تتوانى
عن استخدامها بشكل غير عقلاني، لتحقيق
طموحات ومطامع شخصية؛ وبالتالي تهديد
الجيران إذا توافرت وسائل نقل الرءوس
النووية.
الشرق
الأوسط.. "جلب الاستقرار"
بدأت
علاقات الحلف مع منطقة الشرق الأوسط،
انطلاقا من العلاقة بين الحلف ودول
جنوب البحر المتوسط؛ تلك العلاقة التي
شهدت في يونيو 1994 انطلاق حوار بين دول
الحلف و7 من دول جنوب المتوسط، هي: مصر،
والأردن، وإسرائيل، وتونس، والمغرب،
وموريتانيا والجزائر. وقد هدف الحوار
إلى طمأنة دول الجنوب إلى أن الحلف لا
يمتلك أية نوايا عدوانية ضدها، وبلورة
علاقات طيبة وتحقيق الفهم المتبادل
عبر أرجاء إقليم البحر المتوسط، مع
توفير الفرص للزيارات العلمية
والبحثية والبرلمانية بين الجانبين. وتأمل
دول الحلف في قمتها القادمة في
إستانبول (28،29 يونيو 2004) - والتي تتفق مع
الذكرى العاشرة لانطلاق الحوار - أن
تنجح في تطوير تعاونها مع دول جنوب
المتوسط السبع، لتشمل تسيير دوريات
مشتركة للحراسة والمراقبة لأغراض
مكافحة الإرهاب، ومنع تهريب المخدرات،
وبشكل عام تطوير التعاون مع دول
المتوسط إلى جوانب عملية أوسع.
من
جانب آخر، أكدت الولايات المتحدة - وهى
الدولة الأكثر نفوذا في الحلف وتعمل
على رسم توجهاته وسياسته- أن للحلف
دورا في دعم الديمقراطية ومبادراتها
في الشرق الأوسط؛ وهو الأمر الذي أشار
له مساعد وزير الخارجية الأمريكي في
مطلع حديثه عن تلك المبادرات؛ كما ألمح
إليه الأمين العام الجديد للحلف "دي
شيفر" دون توضيح تفاصيل عن كيفية
تقديم هذا الدعم. وأغلب الظن أن
المقصود بتلك التصريحات، هو ضرورة
العمل على بلورة مجموعة من الأهداف
المحددة والمشتركة بين الحلف ودول
جنوب المتوسط والشرق الأوسط عموما،
والعمل سويا على تحقيقها، مثل القضاء
على القوى "المتطرفة" أو "الإرهابية"،
والعمل على جلب الاستقرار إلى المنطقة.
وهذا لا ينفي أن الحلف باعتباره الذراع
العسكرية للولايات المتحدة وأوربا،
مستعد للقيام بعمل منفرد إذا ما تعرضت
مصالحه في الشرق الأوسط للخطر.
إضافة
إلى ذلك، لا ينبغي تجاهل أبعاد وحقائق
أخرى مهمة؛ مثل عدم التوازن السكاني
بين جنوب المتوسط وشماله (لصالح الجنوب
وهو الأكبر في معدل نمو السكان)، مما
يولد موجات من الهجرة إلى الشمال، خاصة
أن ذلك النمو في معدلات السكان يرتبط
ويتزامن مع مجموعة من المشكلات
الاقتصادية والاجتماعية والسياسية
المحفزة للهجرة. علاوة على ذلك، تعتمد
أوربا بشكل كبير على المنطقة (جنوب
المتوسط والشرق الأوسط) لتزويدها
بالطاقة؛ فنسبة 65 % من النفط والغاز
الطبيعي الذي تستورده أوربا يمر عبر
البحر المتوسط، وتحمله قرابة 3000 سفينة
تمخر عباب المتوسط يوميا. واستكمالا
لسياسته في منطقة الشرق الأوسط، وجه
الحلف مؤخرا الدعوة لدول الخليج
العربي، للدخول معه في برنامج للشراكة
الإستراتيجية لتعزيز الفهم المتبادل
بين الجانبين.
أفغانستان..
الألغام+ القاعدة+ الميليشيات
لفتت
أفغانستان الأنظار إليها بعيد أحداث 11
سبتمبر 2001 على اعتبارها مقر تنظيم
القاعدة وأنصاره من حركة طالبان
المسئولة عن دعم أسامة بن لادن؛ وهو ما
دفع الولايات المتحدة لشن حرب جوية
ضدها في أكتوبر من نفس العام، بدعوى
مكافحة الإرهاب، والذي يتمثل في
القضاء على مراكز وقواعد حركة طالبان
وتنظيم القاعدة. كما قامت الولايات
المتحدة بدعم قوات التحالف الشمالي،
لتكتمل السيطرة البرية على العاصمة
كابول، وطرد طالبان والقاعدة منها
بشكل نهائي. وجاء دور حلف الناتو في
أفغانستان في 16 إبريل 2003، عندما وافق
الحلف على تقديم العون إلى قوات حفظ
السلام في أفغانستان، مما مهد الطريق
أمام أول بعثة يقوم بها الحلف خارج
نطاقه في تاريخه، مما يعني تنفيذ الحلف
لسياسته الجديدة والتي سبق أن أعلنها
في قمة واشنطن عام 1999؛ وتتلخص في أن
الحلف سيعمل خارج النطاق الجغرافي
للدول الأعضاء، وفى مهام جديدة متعددة
الجوانب، مثل مكافحة الإرهاب، ومنع
انتشار أسلحة الدمار الشامل، ونشر قيم
الديمقراطية وحقوق الإنسان.
وفى
11 أغسطس 2003، تسلم الناتو مهام القيادة
والتنسيق من قوة "الإيساف" (قوة
المساعدة الأمنية الدولية في
أفغانستان)، والتي كان القسم الأكبر
منها يتشكل من قوات من: ألمانيا
وهولندا وكندا؛ وباستلام قوات الناتو
قيادة مهام "الإيساف"، حلت مشكلة
كبرى كانت تواجه القوة العاملة هناك؛
وهي الحاجة كل 6 أشهر إلى دول جديدة
لتولي مهام القيادة. وتشارك حاليا 17
دولة من دول الحلف في أفغانستان، و13 من
الدول الشركاء للحلف في شكل إرسال قوات
إلى أفغانستان. ويقدر إجمالي عدد قوات
الناتو بحوالى 5700 جندي؛ وهى مستقلة
قياديا وإداريا عن القوات الأمريكية
المتمركزة في أفغانستان، والبالغ
قوامها 11500 جندي وضابط.
وكان
الأمين العام لحلف الناتو "دي شيفر"
قد أعلن في زيارته إلى تركيا (18-19
فبراير 2004) أن أفغانستان تظل الأولوية
الأولى للحلف. وأعلن عن نية الحلف
تكوين فرق لإعادة البناء في المقاطعات
من أجل توفير الاستقرار والأمن في
الأقاليم (المقاطعات) الأفغانية
المختلفة، مما يعني أن اهتمام الحلف
سوف يمتد ليشمل الأقاليم المختلفة
لأفغانستان، بعد أن كان الاهتمام
منصبا على العاصمة كابول وحدها. من
جانب آخر، كان الحلف قد أعلن أن قواته
تواجه 3 تحديات رئيسية في أفغانستان هي:
1-الألغام:
حيث تعد أفغانستان من كبرى دول العالم
من حيث عدد الألغام المزروعة.
2-القاعدة:
إذ توجد الآن عمليات عسكرية في جنوب
شرق أفغانستان حيث زادت قوات تنظيم
القاعدة وطالبان من أنشطتها هناك في
الشهور الأخيرة، بما يهدد قوات
التحالف بشكل مباشر وغير مباشر.
3-المليشيات
المسلحة: حيث يقدر عدد الجماعات
المسلحة ورجال القبائل المسلحين
بحوالى 100 رجل، الأمر الذي يشكل تهديدا
لقوات الحلف.
إضافة
لتلك المشكلات، فإن مشكلات أخرى مثل
تدفق اللاجئين من أفغانستان إلى الدول
المجاورة وغير المجاورة، وتجارة تهريب
المخدرات النشطة، جعلت الأمين العام
السابق لحلف الناتو اللورد "جورج
روبرتسون" يصرح بقوله: "إذا لم
نذهب إلى أفغانستان، وننجح فيها، فإن
أفغانستان ومشاكلها سوف تأتي إلينا"؛
وهو ما يؤكد طبيعة الإستراتيجية التي
يعمل بها الحلف بعد نهاية الحرب
الباردة، والقائمة على الفعل الوقائي
الاستباقي أينما توجد مصادر تهديد
لمصالح دول الحلف، والعمل على التنبؤ
بمصادر تلك التهديدات والمخاطر
والتعامل معها، قبل أن تتحول إلى خطر
داهم بالفعل.
العراق..
تدخل لا سابقة له
سوف
يشكل تدخل الحلف في العراق أول سابقة
لتدخل الحلف عسكريا في دولة عربية،
وتضغط الولايات المتحدة بشدة على
الدول الأعضاء في الحلف للسير في هذا
الاتجاه. فتدخل الحلف في العراق سوف
يخفف بالتأكيد الضغط على القوات
الأمريكية، سواء في جانب العمليات
العسكرية، أو في جانب النفقات، أو في
حجم الخسائر البشرية... إلخ؛ كما سيوفر
إطارا من الشرعية على تواجد القوات
الأمريكية والبريطانية في العراق. ومن
شبه المؤكد أن القوات الأمريكية في تلك
الحالة سوف تتراجع إلى مناطق بعيدة عن
المواجهات العسكرية المباشرة، تاركة
لقوات الحلف التعامل معها، مع
الاقتصار على تقديم الدعم الجوي لها.
وكانت
الولايات المتحدة قد طلبت من دول الحلف
- على لسان وزير الدفاع دونالد
رامسفيلد، ووزير الخارجية كولن باول -
"الاضطلاع بدور أكبر في العراق"؛
ومن المتوقع أن يتصدر ذلك الملف سلم
الأولويات على قائمة عمل الحلف في قمة
إستانبول القادمة. وتشارك حاليا 16 دولة
من دول الحلف (سواء في شكل ممثلين
عسكريين أو قوات) في القوة التي تقودها
الولايات المتحدة في العراق، ولكن
اشتراكهم يأتي بصورة فردية؛ إذ لا
يرتدون الرداء العسكري للحلف.
وكان
الخلاف الذي برز بين باريس وبرلين من
جانب، وواشنطن ولندن ومدريد من جانب
آخر حول غزو العراق، قد أحدث انقساما
في الرأي أيضا داخل الحلف حول التدخل
العسكري في العراق. وقد عاودت فرنسا
التأكيد على الرأي الذي تقوده (مع
ألمانيا) والرافض لدور للحلف في
العراق؛ فقد صرح الرئيس الفرنسي جاك
شيراك في 23 فبراير 2004 بأن الظروف
الحالية لا تسمح بدور للحلف في العراق.
ولكنه لم يستبعد ذلك الدور، إذا جاء
بناء على طلب من الأمم المتحدة والعراق.
بمعنى أن تقدم الحكومة العراقية
المقبلة طلبا بذلك، توافق عليه الأمم
المتحدة، وعلى أن يكون تسليم السيادة
من قوات التحالف إلى العراقيين بحلول
شهر يونيو 2004 . وهو التاريخ الذي أعلنته
الولايات المتحدة لتسليم السلطة
والسيادة للعراقيين، ولكن الأحداث
المضطربة والمتسارعة وعدم الاستقرار
في العراق تبرز جميعها صعوبة التنبؤ
بأي تاريخ لأي حدث هناك.
اقرأ
أيضا
**خبير
بالمركز القومي لدراسات الشرق الأوسط
|