|
5 سيناريوهات بعد "الخروج" من غزة
|
|
د.محمد حمزة
**
|
28/06/2004
|
حتى
الآن لم يقدم شارون بعد -على حد تعبير
المحلل السياسي الإسرائيلي شمعون شيفر-
على خلع زهرة واحدة من المستوطنات
اليهودية في غزة، وسنرى في المستقبل
القريب المنظور، ما إذا كان شارون
راغبا حقا -وقادرا بالفعل- على الإيفاء
بتعهداته التي قطعها لإخلاء غزة من أي
يهودي في العام القادم 2005، أم أن الأمر
سيعرقل أو سيرحل، أو يلغى كما درجت
عليه العادة الإسرائيلية كلما تطلب
الأمر تنفيذ الاستحقاقات وتطبيق
التعهدات.
ومن
الطبيعي أن يحوم حول هذا الأمر العديد
من الشكوك والهواجس، خاصة في ظل
العوامل التالية:
1-خطة شارون المعدلة لم تتضمن النص على
جدولة زمنية محددة لإخلاء مستوطنات
غزة وانسحاب قوات الاحتلال نهائيا
عنها.
2-
الخطة المعدلة تضمنت فقط تقسيم
الإخلاء إلى أربعة مراحل، لكنها عادت
فرهنت تنفيذ كل مرحلة بضرورة الحصول
مجددا على موافقة مجلس الوزراء
والكنيست.
3-الائتلاف الحكومي الشاروني نفسه يكاد
يتفكك أو ينهار، والوضع السياسي
الإسرائيلي يتسم بعدم الاستقرار، وقد
تؤدي تفاعلاته إلى إعاقة تنفيذ الخطة
أو ربما حتى تجميدها تماما.
4-
كل الخبرات السابقة تشير إلى السلوك
المماطل الإسرائيلي في تنفيذ أي
التزامات؛ وكان رئيس الوزراء المغرور
إسحاق رابين يقول دوما: "لا توجد
مواعيد مقدسة".
السيناريوهات
الخمسة
ورغم
أهمية وقوة فعل هذه العوامل، فإنه مع
ذلك يجب افتراض -ولو من الناحية
النظرية- أن إخلاء غزة سيتم في
النهاية، إما في 2005 القادم، أو في وقت
لاحق على هذا التاريخ، وفي هذه
الحالة فإن هذا الفراغ من المؤكد أنه
سيتم سده بواحد من هذه السيناريوهات
الخمسة:
السيناريو
الأول:
أن
تقوم السلطة الفلسطينية ببسط كامل
نفوذها وسيطرتها على الأوضاع في قطاع
غزة؛ وحسب ما رشح حتى الآن، فإن مصر
ستلعب دورا مركزيا في إعادة بناء
وتأهيل أجهزة الأمن الفلسطينية بعد
توحيدها، لمساعدة السلطة على فرض
الانضباط والنظام والأمن في غزة بعد
إخلائها. ويواجه هذا السيناريو،
الأكثر احتمالا، بعدد من الملاحظات والتحفظات
التي قد يكون من أبرزها ما يلي:
1-
أنه قد يكون لدى الجمهور الفلسطيني بل
ولدى الأسرة الدولية، انطباعات سلبية
عامة عن السلطة الفلسطينية في
تركيبتها وصيغتها الحالية، بعد خبرة
السنوات السبع العجاف (1994-2000) التي
انفردت فيها نفس هذه السلطة بالحكم،
ولم تف حتى بالحد الأدنى في الوعود
التي كانت قد قطعتها هي على نفسها.
2-
أن تقريرا خطيرا بشأن مصير السلطة
الفلسطينية -كان قد تزامن صدوره مع
إعلان المبادرة المصرية، وأصدرته لجنة
أوربية مكلفة بمتابعة وتقويم أداء
السلطة، حيث تضمن تحليلا أشرف عليه
الفرنسي المعروف "ميشيل روكار"-
يخلص إلى أن السلطة الفلسطينية قد
تنهار نهائيا من تلقاء نفسها خلال عام
واحد إذا ما استمر تدفق الأمور على
المنوال الحالي.
3-
أن الرئيس عرفات -رئيس السلطة
الفلسطينية- كان قد أبدى تحفظه على
المشروع المصري، بطريقة غير مباشرة،
عندما صرح أحد وزراء الحكومة
الفلسطينية في 5-6-2004 بأن الرئيس عرفات
غير مرتاح للخطة المصرية. ربما لأن
هذه الخطة اشترطت تجريد عرفات من
احتكار سيطرته على أجهزة الأمن، وهو
الأمر الذي يثير عادة حفيظة الرئيس
الفلسطيني.
4-
أن الفصائل الفلسطينية المعارضة -وخاصة
حماس- لا ترى أن من مصلحتها في شيء أن
تقوم مصر بدعم السلطة الفلسطينية في
صيغتها الحالية؛ كما يفترض منطقيا
أنها تنظر بشك وقلق شديدين، خاصة إلى
خطة إعادة تدريب وتأهيل وتسليح أجهزة
الأمن الفلسطينية في غزة، وما إذا كانت
هذه مرحلة سوف تمتد بعدها لتنفيذ
المهام المطلوبة من السلطة حسب نص خطة
الطريق التي تدعو إلى "أن تبدأ أجهزة
الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية، بعد
إعادة بنائها، بشن عمليات مستمرة
واضحة الهدف وفاعلة ضد جميع المتورطين
في الإرهاب وتفكيك البنى التحتية
للإرهابيين وقدراتهم؛ ويتضمن ذلك
البدء بمصادرة الأسلحة غير الشرعية،
وتثبيت السلطة الأمنية غير المرتبطة
بالإرهاب والفساد".
5-
أن المساعدة المصرية الحثيثة في إعادة
بناء السلطة الفلسطينية من شأنها أن
تؤدي إلى إعادة الاعتبار لهذه السلطة
فلسطينيا ودوليا، وهو ما من شأنه أن
يتعارض جذريا مع منطلقات خطة ومشروع
شارون الذي يعتمد على القيام بإجراءات
إسرائيلية منفردة وأحادية الجانب بزعم
عدم وجود شريك فلسطيني، وعدم أهلية
السلطة للعب هذا الدور. ومن شأن الدور
المصري إذن أن يعرض السياسية
الإسرائيلية إلى ضغوطات لحملها على
التراجع عن سياساتها، وإعادة السلطة
كشريك مفاوض لها.
6-
ومن جهة أخرى، فإن الدور الذي ستلعبه
مصر في إعادة الأمن إلى قطاع غزة،
يواجه باعتراضات شديدة اللهجة من
زعماء اليمين الإسرائيلي المتطرف. وقد
كان النائب من حزب الاتحاد الوطني، "آريه
ألدار"، قد صرخ في وجه شارون، كيف
يعول على أي أحد آخر -يقصد مصر- في
مكافحة الإرهاب، ووصفه بأنه "مقامر"؛
فيما وصفه شاؤول لهيلوم من المفدال
للسبب نفسه بأنه "خرف ووقع على رأسه".
وهكذا يتضح تماما، أن الدور المصري
وفقا لهذا السيناريو، سوف يتأثر إلى حد
كبير بشبكة معقدة ومتداخلة من مصالح
ومواقف الفرقاء.
السيناريو
الثاني:
وهو
الذي يتمثل في أن يلعب الجانب المصري
دورا مركزيا، ولكن في إطار بناء صيغة
جديدة للإدارة أو السلطة الفلسطينية
في غزة، لتكون أكثر ديمقراطية وأكثر
تمثيلا وتعبيرا عن كل ألوان الطيف
السياسي في الخريطة السياسية
الفلسطينية؛ وهو ما يعني إقامة إطار
جمهوري عريض في غزة. ويمكن التوصل إلى
هذا السيناريو عبر مسارين:
1-
مسار الدعوة إلى إجراء انتخابات
ديمقراطية جديدة، وتشكيل سلطة
فلسطينية تمثل كل الأحزاب التي شاركت
في هذه الانتخابات، في إطار جهوي جامع
يعكس نسب النتائج التي أفرزتها صناديق
الاقتراع.
2-
أو أن يتم التوصل إلى صيغة هذا
الائتلاف الجبهوي عن طريق التفاهمات
والحوارات الوطنية التي تسهم مصر في
رعايتها وبلورة نتائجها.
السيناريو
الثالث:
وهذا
السيناريو يفترض إمكانية إحلال حركة
حماس في موقع السلطة الفلسطينية؛ ولا
يمكن تصور إمكانية نجاح وتحقيق هذا
السيناريو إلا في ظل وجود قرار من حركة
حماس بالتوصل إلى تفاهمات واسعة مع
مراكز القرار في القاهرة وتل أبيب
وواشنطن.
ولا
يستبعد بعض المحللين هذا الاحتمال،
إذا ما عقدت حركة حماس عزمها على تبني
هذا القرار، خاصة في ضوء ما أعلنته
الحركة في وقت سابق، في حياة الشهيدين
الشيخ ياسين والرنتيسي، من استعدادها
لتولي السلطة في غزة. وقد أشيع عن بحث
هذا الأمر في حينه في قنوات خلفية، كان
أحدها اللقاء الذي أجراه "ستيف
كوهين" مع قيادات حماس في غزة، فضلا
عن الدور الذي تلعبه شخصيات خليجية
معروفة بعلاقاتها الوطيدة بحماس من
جهة، وبكل من تل أبيب وواشنطن من جهة
أخرى.
السيناريو
الرابع:
وهو
ما يمكن أن نسميه بسيناريو الصراع أو
الصدام، حيث يمكن أن تخرج الأمور عن
نطاق الانضباط والسيطرة، وتتورط
الأطراف المتنافسة على السلطة في أتون
الحرب الأهلية، التي تشجع عليها
إسرائيل وأطراف حمقاء فلسطينية أخرى.
وهنا قد يتوجب على الدور المصري -ليس
فقط العمل بكل قوة على الوقف الفوري
لهذه الحرب-، وإنما بالأساس مراعاة
احتمال وقوع هذا السيناريو إذا ما جرى
الإخلال بالتوازنات القائمة والحالية
في الوضع الفلسطيني، مما قد يحمل طرفا
منها على الاستقواء على الطرف الآخر،
والمغامرة بالاحتكام إلى لغة العنف
وصوت السلاح.
السيناريو
الخامس:
وهو
الذي يتضمن الدعوة "إلى تدويل غزة"،
ويمكن تصور هذا السيناريو على مستويين:
أ-
مستوى دعوة المجتمع الدولي لإرسال
قوات طوارئ دولية وتشكيل إدارة دولية
تشرف على قطاع غزة، وتسهم في إعادة
وتأهيل السلطة، ومعروف أن بريطانيا هي
من أكثر الدول تحمسا لهذا السيناريو.
ب-
أو مستوى الدعوة إلى مبادرة سياسية
شاملة لتدويل الوضع الفلسطيني كله بما
في ذلك غزة، ووضع كل الأراضي
الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967 تحت
الوصايا الدولية لفترة محدودة يتم في
نهايتها دعوة الشعب الفلسطيني إلى
الاستفتاء حول خيارات محددة لتقرير
مصيره، ويتم أيضا دعوته لانتخابات
عامة ديمقراطية لانتخاب سلطة جديدة
يعهد لها المجتمع الدولي بمسئولية
تنفيذ ما اختاره الشعب في الاستفتاء.
ومن
المعروف سلفا أن إسرائيل تعارض من حيث
المبدأ، أي التوجه لتدويل المسألة
الفلسطينية، وبالرغم من ذلك فيجب ألا
يستبعد هذا الخيار نهائيا، شريطة أن
يكون هناك إجماع فلسطيني ـ عربي أولا
على تبنيه والمطالبة به.
مصر
بين الدورين "الأمني" و"السياسي"
قد
يكون من المبكر الحديث من الآن عن
مواقف معارضة فلسطينية متبلورة وصريحة
للدور المصري المحتمل في غزة، لكن ذلك
ليس له بأي حال أن يخفي مشاعر التوجس
والتحفظ التي أعلنت عن نفسها في عدد من
البيانات والتصريحات التي صدرت من
أكثر من مستوى، إن كان على صعيد السلطة
نفسها أو ما صدر عن حركة حماس من إشارات
ذات دلالات ومغزى.
ولا
يقتصر الأمر هنا على الدور المصري
وحده، وإنما يتعداه إلى الدور الأردني
الذي يتدرج بدوره في إطار نفس السياسة،
ويجد تعبيره العملي في الضفة الغربية.
ولذا قد يكون من الضروري البدء -دون
إبطاء أو إرجاء- بدعوة ممثلي كل
الفصائل الفلسطينية لإدارة حوار شامل
وصريح للتوصل إلى صيغة سياسية مشتركة
مصرية / فلسطينية، لمواجهة استحقاقات
المرحلة المقبلة بكل احتمالاتها
الشائكة؛ ولا يمكن أبدا تصور أي دور
مصري مرتقب من دون التوصل أولا إلى
وفاق فلسطيني على هذا الدور وآفاقه
السياسية.
وبالمقابل
أيضا، فإنه لا يمكن إخفاء العديد من
أوجه المتعارضات المتبادلة بين
الجانبين المصري والإسرائيلي حول
الدور المصري ومهامه المرتقبة في غزة.
فقد كان واضحا تماما أن إسرائيل تتعمد
تجاهل أي إشارة للمبادرة المصرية،
وخاصة كل ما يتعلق بالجوانب السياسية
فيها، وأنها تركز كل اهتماماتها فقط
على الجانب الأمني للدور المصري. لكن
ذلك لم يمنع جريدة "هاآرتس" للقول
في 6-6-2004 الماضي: إن لمصر قراءتها
المختلفة للخريطة السياسية عن القراءة
الإسرائيلية، وكانت "معاريف" قد
قالت بدورها في 8-6-2004: "إن مصر تعمل
فقط من أجل مصر، وليس من أجل الحلم
الصهيوني".
ولذا
فإنه يمكن القول، من دون أي استباق
للأحداث، بأنه إذا ما تمسك الجانب
المصري بأولوية الإطار السياسي
بمبادرته ولدوره المرتقب في غزة، وإذا
ما تمسك بالمقابل الجانب الإسرائيلي
بسعيه لحصر هذا الدور في الجانب الأمني
فقط، فإن التعارضات بينهما سرعان ما
ستتحول إلى تناقضات؛ وقد يستحيل على
إسرائيل وقتها أن تقبل من مصر لعب هذا
الدور.
اقرأ
أيضا
**
رئيس مركز "مقدس" للدراسات في غزة- فلسطين
|