|
الأسلمة في شمال إفريقيا: الفرصة المصرية
|
|
شيرين حامد فهمي
|
20/06/2004
|
|

|
|
الرئيس
المصري |
قدمت
"منظمة
إدارة الأزمات" CRISIS تقريرا مطولا في أبريل 2004 (تحت
عنوان "الأسلمة في شمال إفريقيا:
الفرصة المصرية" ) عن الحالة
السياسية المصرية الراهنة، وما
يعتريها من تأزم في العلاقات بين
الحكومة والإسلاميين، حيث شخص التقرير
الأسباب وراء ذلك التأزم، مقدما بعد
ذلك الحلول اللازمة للخروج منه. ونظرا
لطول التقرير (حوالي 20 صفحة)، ومن ثم صعوبة ترجمته كليا،
فقد قمنا بقراءة مقتضبة للنص
الأصلي ، ذاكرين أهم ما ورد فيه:
نظرا
لاحتدام العراك بين الحكومة
والإسلاميين في مصر، فإن السلطة
المصرية ملزمة بالتعامل مع الإسلاميين
المعتدلين، وإلا سيؤدي ذلك إلى بزوغ
أعمال العنف من جديد، التي كان قد
أُغلق ملفها بعد حادثة الأقصر في عام
1997. بلغة أخرى: إن فراغ الساحة السياسية
المصرية من "القطبيين" و"الجهاديين"
(نسبة إلى فكر سيد قطب وإلى تيار العنف في الحركات الإسلامية)
يمثل فرصة لظهور نجم الإسلاميين
المعتدلين؛ ومن ثم، فعلى الحكومة
المصرية استغلال هذه الفرصة من خلال
احتضان هؤلاء الإسلاميين وإضفاء
الشرعية عليهم، مما سيؤدي إلى امتصاص
غضب الشعب المصري، الذي يعيش حاليا
أسوأ لحظات تاريخه، على كافة
المستويات. وعلى الحكومة أن تفطن إلى
ذلك؛ فتنفس عن ذلك الغضب من خلال إنشاء
قناة شرعية للإسلاميين المعتدلين،
والاعتراف بهم كحزب سياسي؛ بدلا من أن
يتنفس ذلك الغضب من خلال قنوات أخرى
غير مرغوب فيها، لا مصريا ولا أمريكيا..
القنوات "القطبية" والقنوات "الجهادية"؛
حينئذ لن تلوم الدولة المصرية إلا
نفسها.
ويمضي
تقرير "منظمة إدارة الأزمات"
قائلا: إن مصر حاليا بصدد انتعاش
للرؤية الإسلامية الحداثية أو
التحديثية modernist، حيث نرى الإسلاميين
المصريين الآن، وهم يتجهون نحو مزيد من
التطبيع مع فكر جمال الدين الأفغاني، ومع فكر
تلميذه محمد عبده؛ وهما التياران
اللذان كانا يمثلان "الإسلام
المعتدل" الأصيل. هذا بالإضافة إلى
إدخال أفكار جديدة في خطابهم، مثل "الديمقراطية"
و"المجتمع المدني"، ومن ثم
الابتعاد عن الخطاب التقليدي للشيخ
حسن البنا، المؤسس الأول لحركة
الإخوان المسلمين في مصر، عام 1928. هذا
فضلا عن ظهور تيار "الوسط" من ضمن
الخريطة الإسلامية السياسية؛ والذي
أنشأته جماعة من المنشقين عن حركة
الإخوان المسلمين؛ حيث تبنت الخطاب
الحضاري أكثر من الخطاب العقائدي، مما
أهلها إلى الاندماج الأمثل أو الأفضل
مع المفكرين الإسلاميين الحداثيين.
ومن
ثم، يطالب التقرير الحكومة المصرية
بالإسراع في الإصلاح -بل تكثيف الإصلاح-
وعدم الاكتفاء بالإصلاحات الأخيرة
التي شهدها الحزب الوطني الحاكم؛ بلغة
أخرى، تجاوز تلك الإصلاحات الشكلية
والسطحية، والسعي الحقيقي إلى إدراج
جماعة الإخوان المسلمين داخل سياق
القانون من خلال الاعتراف بها كرابطة
أو كونفدرالية. وقد حذر التقرير من
تسلط الحكومة المصرية الذي من شأنه أن
يمنع أية اتجاهات تقدمية (ديمقراطية
وحداثية) في داخل الحركات الإسلامية
المصرية، مما يمكن أن يؤدي في النهاية
إلى التحول للحالة الجزائرية. كما حذر
التقرير من الاستمرار في إستراتيجية
عدم الحراك، المتبناة من قبل الحكومة
المصرية، الذي سيؤدي حتما إلى إفراز
الضيق والضجر في داخل الحركات
الإسلامية المصرية، وإشعال فتيل
التيارات العنيفة.
وضع
المتطرفين في خانة القطبيين
ويُلاحظ
من التقرير، أنه تم وضع جميع المتطرفين
-على الساحة المصرية- في خانة القطبيين.
فيربط التقرير ظهور "الجهاد القطبي"
في مصر مع أحداث توقيع معاهدة "كامب
ديفيد" ثم اغتيال الرئيس المصري
حينذاك محمد أنور السادات؛ وكذلك يربط
بزوغ "الجهاد القطبي" ثانية في
عام 1992 بأحداث الحرب في أفغانستان
والحرب ضد العراق.
ويسلط
التقرير الضوء على الجماعات التي
توالت بعد وفاة سيد قطب، مبينا أن
وفاته قبل توضيحه كيفية معارضة الدولة
"الكافرة" أدت إلى انتهاج أساليب عدة
وطرق مختلفة من قبل تلك الجماعات التي
تنوعت كما يلي:
أ)
جماعة "التكفير والهجرة" التي
قادها شكري مصطفى في عام 1971، متبنيا
مبدأ الهجرة كأسلوب معارضة للدولة
الكافرة.
ب)
جماعة "الجهاد" التي كفّرت الدولة
وليس المجتمع؛ فرأت أن الجهاد ضد العدو
الأقرب (النظام المصري) له أولوية على
العدو الأبعد (إسرائيل). وقد تحالفت "الجهاد"
مع تنظيم "القاعدة" في عام 1998، إلا
أنه منذ أكتوبر 2003 -كما أعلن منتصر
الزيات- لم يعد لشبكة "الجهاد/
القاعدة" أي أثر في مصر.
ج)
"الجماعة الإسلامية" التي انشقت
عن "الجهاد" في عام 1984، لأنها قرنت
بين الدعوة (الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر) وبين الكفاح المسلح ضد الدولة،
بينما ظلت "الجهاد" منصبة فقط على
مكافحة الدولة "الكافرة"، ممتنعة
عن الدعوة لكونها -في رأي "الجهاد"-
مستحيلة في المجتمع المصري. ومن
المعروف، انخراط "الجماعة" في
اغتيال الكاتب المصري "فرج فودة"
في يونيو 1992، وكذلك انخراطها في مذبحة
الأقصر في عام 1997. ومن المعروف أيضا أنه
تم استخدام "الجماعة" من قبل
السادات ضد الشيوعيين والناصرين،
وكذلك ضد "التكفير والهجرة"، إلا
أن التحالف بينهما لم يدم طويلا،
فسرعان ما انهار في عام 1978 بعد اتفاقية
كامب ديفيد.
توبة
"الجماعات" لم تحل المشكلة
ويرى
التقرير أنه بالرغم من تنصل "الجماعات"
من الأعمال الإرهابية في عام 2003 -من
خلال إعلان كرم زهدي "توبته"
الشهيرة في جريدة المصور- وبالرغم من
أن هذه "التوبة" أو المراجعة
الأيديولوجية قد تحدثت عن عناصر في
غاية الأهمية (إنكار العنف- إنكار
اللجوء إلى الجهاد ضد الحاكم الذي لا
يحتكم إلى الشريعة- إسناد الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر للسلطات
الشرعية) فإن الخطر ما زال محدقا. فصحيح
أن "الجماعات" تخلت عن فكرها، إلا
أنها لم تبادر بفكر جديد، يمنع الأجيال
الشابة من اللجوء إلى عمليات الجهاد،
خاصة أن فكر سيد قطب ما زال ماضيا وسط
المسلمين في أنحاء مصر؛ فكتب مثل "معالم
في الطريق" و"في ظلال القرآن"
تعتبر من أكثر الكتب مبيعا في مصر. الخلاصة،
أن المشكلة الحقيقية -حسب تقرير "منظمة
إدارة الأزمات"- تتمثل في عدم إنتاج
فكر ثقافي مناهض لفكر سيد قطب، ليتعلم
الشباب كيفية التعامل مع الأزمات،
بدون التعرض إلى العنف.
"الإخوان"..
في سجن شرعي
وينتقل
التقرير بعد ذلك للحديث عن "الإخوان
المسلمين"، ليصف علاقتهم بالحكومة
المصرية بالعلاقة الغريبة، التي تشكل
أحد الأسباب الأساسية وراء انعدام
المرونة في النظام السياسي المصري.
فالعلاقة -كما يصفها التقرير- تتحرك
بين المد والجزر؛ "فالجماعة تتواجد
في سجن شرعي، أجنحتها تُقص بانتظام،
ولكن لا تُحرم أبدا من الحركة".
ويعكس
التقرير ازدهار "الإخوان" مع مطلع
السبعينيات، واستعادة نشاطهم الذي كان
قبل عام 1954، حيث قاموا بالإعلان عن
فكرهم المناهض للقطبية منذ عام 1969،
حينما أصدروا كتابهم المعروف "دعاة
لا قضاة"، مُدينين فيه الفكر
التكفيري للجماعات الجهادية،
ومُتبنين مكانه إستراتيجية "التغيير
السلمي" مع الحكومة الساداتية. وحتى
هذه اللحظة، لم يحدث أن تراجع "الإخوان"
عن هذه الإستراتيجية، معتبرين أنها
تمثل عودة إلى الخط الأصيل الذي نادى
به حسن البنا، الذي يعتبرونه مرجعهم
الأساسي، وليس سيد قطب. وقد أعلن عبد
المنعم أبو الفتوح -أحد أعضاء مكتب
الإرشاد للإخوان المسلين في مصر- في
أكتوبر 2003 أن الحكومة المصرية حكومة
إسلامية، إلا أنها لا تطبق الإسلام في
جميع الأمور؛ فهي لا تطبق العدالة ولا
الحرية، كذلك أعلن عن عدم اعتراضه على
الديمقراطية الغربية، إلا أن الغرب لا
يطبقها.
خلاصة
القول: إن التقرير ينظر إلى "الإخوان"
من منظور إيجابي، لكونهم مناهضين
للتيار القطبي؛ إلا أنه لا يخفي تخوفه
من تصاعد حدة التذمر في وسط عدد غير
قليل من الأوساط الشبابية الإخوانية،
التي لم تعد تتحمل الإستراتيجية
السلمية التي يتبعها الجيل الكبير من
الإخوان.
"الوسط"..
ابتعاد أكثر عن القطبيين
وأخيرا،
يرصد التقرير فكر "الوسط"،
باعتباره أحدث تغييرا جذريا في الفكر
الإسلامي، حيث حول البُصلة من النظر
إلى الإسلام كدين إلى النظر إليه
كحضارة؛ وحيث حول بصلة المشروع
الإسلامي من الدينية والدعوة -ومن ثم
الانشقاق عن "الإخوان" فكريا
وتنظيميا- إلى المدنية والتركيز على
موضوعات تخص الديمقراطية، والمجتمع
المدني، والمواطنة، وسيادة القانون،
وحقوق الإنسان.
ويذكر
التقرير أن "الوسط" قد انفصل عن
"الإخوان" بسبب عدم تطور الإخوان
سياسيا، ومن ثم عدم ملاءمتهم للظروف
الآتية، وكذلك بسبب غياب الحرية
للتعبير عن الآراء المختلفة. وفي
النهاية، يتهم التقرير الحكومة
المصرية بقصر النظر، وينفي عنها صفة
العدل، لكونها رفضت قبول "الوسط"
كحزب سياسي مصري.
الخلاصة
تلخيصا
لما سبق، فقد توصل التقرير إلى النتائج
التالية:
*
بالرغم
من اندثار الرؤية القطبية الجهادية -كما
أشرنا أعلاه- فإنه لم يحل محلها رؤية
إسلامية أكثر اعتدالا، أو دور شرعي
سياسي واضح. ومن ثم، فليس من الغريب
بعد ذلك، أن نجد مصريين متهمين
بتكوين خلايا جهادية جديدة (أو "جهاد
بالقطاعي" مثلما فعلت جماعة "الوعد"
في 9-9-2002، أو مثلما كانت هناك محاولات
لإعادة إنشاء "حزب التحرير
الإسلامي" في 20 أكتوبر 2002).
*
إذا
لم تستغل الحكومة المصرية فرصة
انتصارها على جماعات الجهاد، وتراجع
الجهاديين عن رؤيتهم، فلا تلومن بعد
ذلك إلا نفسها إذا ما تعرضت لضربات
"جهادية" جديدة، خاصة في الوضع
الاقتصادي الخانق الذي تعيشه مصر
الآن. ومن ثم، فلا بد من ملء الفراغ
السياسي -بعد توبة جماعات الجهاد-
بالإسلاميين الإيجابيين المعتدلين،
إصلاحا للسياسة المصرية برمتها.
المشكلة
الحقيقية تتمثل في تناطح الرأس
بالرأس بين الحكومة المصرية
والإخوان المسلمين؛ حيث لا يوجد حزب
مصري آخر، يوازي قوة هذه الجماعة؛
ومن ثم، فلن تستطيع الحكومة إعطاء
شرعية للإخوان لكونهم سيهددون
سلطتها آجلا أو عاجلا، مثلما حدث في
الجزائر، في انتخابات عام 1989؛ وفي
نفس الوقت، يفتقد الإخوان إلى دور
سياسي مقبول؛ وهي حالة غير صحية
للطرفين سواء.
*
يجب
إعطاء الفرصة للقوى السياسية الأخرى
-بما فيها الإسلامية- بهدف تنمية
تواجدها الاجتماعي، فيتوفر عدد من
الفرص السياسية للمجتمع المصري؛ ومن
ثم يتم تحرير الحياة السياسية في
مصر، بدون تهديد بقاء النظام.
الحكومة
المصرية ملزمة بإنتاج أجندة إصلاحية
مستقلة، مع شعبها، يدا بيد، بدون أية
إضافات خارجية من الغرب الذي لا يشعر
بقمة الضنك الذي يعيشه الشعب المصري
في الوقت الحالي، على كافة الأصعدة.
*
ويتضح
لنا في النهاية أن "منظمة إدارة
الأزمات" تستهدف -في ثنايا خطتها
المقدمة- أمرين مهمين أو متوازيين إن
جاز التعبير: أولا: أن يتم تأمين الساحة
المصرية من عمليات العنف -التي تسميها
المنظمة العمليات القطبية- من خلال
إعطاء متنفس سياسي وشرعي لأصحاب الفكر
الإسلامي المعتدل مثل "الإخوان" و"الوسط".
ثانيا: أن يتم الحفاظ على النظام
المصري -كما هو- من أن تلحقه يد
الأسلمة، حتى ولو كانت أسلمة معتدلة
غير قطبية، من خلال إيجاد أحزاب أخرى
توفر بدائل أخرى -غير الإسلاميين-
للجمهور المصري.
اقرأ
أيضًا:
|