|
شيعة العراق.. عراك في عراك
المرجعية..
سبب الخلافات بين الشيعة
|
|
حامد
محمود**
|
01/06/2004
|
|

|
|
مراجع الشيعة.. عامل تفتيت وليس توحيد |
يُعَدُّ
الخلاف سمة أساسية صبغت علاقة
التنظيمات الشيعية السياسية، منذ
نشأتها وتبلور اتجاهاتها السياسية في
العراق الحديث؛ فالخلافات ليست وليدة
اليوم أو لحظة سقوط صدام؛ وإنما هي
متجذرة في البنية التنظيمية
والعقائدية لهذه التنظيمات والتيارات
التي لم يوجد بينها سوى هدف واحد، وهو
السعي لإسقاط صدام بحيث يمكن القول:
إنه لو أتيح لإحداها الاستيلاء على
السلطة بمفردها لفعلت بالآخرين ما
فعله صدام بمعارضيه.
فبالإضافة
إلى الخلاف بين المجلس الأعلى للثورة
ومنظمة العمل
الإسلامي -كما أوضحنا من قبل- فإن هناك
خلافًا جذريًّا متعمقًا بين الحزب
والمجلس الأعلى للثورة بالرغم من أن
الحكيم كان أحد مؤسسي حزب الدعوة عام
1958 مع الصدر؛ حيث يمتد أصل الخلاف
بينهما إلى المرجعية الدينية للشيعة،
حيث يعتز شيعة العراق بأن مرجعيتهم
الدينية هي لإمام النجف الأشرف،
ويمثلهم في هذا بعض قيادات حزب الدعوة؛
أما المجلس وزعماؤه فقد خضعوا لمؤثرات
إيرانية قوية، سواء من ناحية المرجعية
أو التوجه السياسي؛ حيث يبدو في أفكاره
أقرب للنظرية السياسية للشيعة في
إيران من مثيلتها لشيعة العراق.(14)
وقد
برز هذا الخلاف منذ اغتيال إمام النجف
الأشرف محمد صادق الصدر عام 1999 (والد
مقتدى الصدر)؛ فقد انقسم فيلق بدر -الجناح
العسكري للمجلس الأعلى للثورة
الإسلامية- وتنظيمات إسلامية أخرى بين
الولاء لمرجعية إمام النجف، والولاء
لمرجعية إمام قم في إيران، وما يعنيه
ذلك من واجبات سياسية ومادية نحو هذه
المرجعيات(15).
وخلال
انتفاضة مارس 1991 ظهر انقسام الحركة
الإسلامية العراقية في الجنوب؛ حيث
ثار أكثر من عشرة ملايين مواطن، وكادت
انتفاضتهم أن تقلع حكم صدام لولاء
الانقسام، وتعدد الولاء بين تنظيمات
المعارضة العراقية، والرعب الذي اجتاح
الأوساط الحاكمة في عدد من البلدان
المجاورة -ومنها السعودية وإيران- حيث
عمدت الأولى إلى نزع سلاح المقاتلين
الذين لجئوا إليها، بينما أمرت إيران
بسحب قوات الحرس الثوري التي كانت قد
دخلت جنوب العراق، ومنعت عبور قوات بدر
الإسلامية إلى العراق، ووضعت كل أجهزة
الأحزاب والتنظيمات العراقية تحت
قيادة المجلس الأعلى للثورة بقيادة
الحكيم الموالي لها(16).
وأظهرت
الفترة التي سبقت الحرب والاستعداد
لها اختلافات بين المجموعات الشيعية،
بعضها جذري بشأن الموقف من الحرب ذاتها.
ففي هذا الوقت انخرط المجلس وبعض
الشخصيات الشيعية الدينية الفاعلة
بنشاط في دعم فكرة الحرب والتنسيق مع
الطرف الأمريكي، كما اتضح في اجتماعات
لندن وأربيل (يناير، فبراير على
التوالي 2003)؛ حيث تبنى المجلس نهجًا
برجماتيًّا تجلى في توثيقه الاتصالات
مع الإدارة الأمريكية بشأن إسقاط صدام
حسين؛ حيث تولى عبد العزيز الحكيم شقيق
باقر الحكيم الاتصالات مع أمريكا من
خلال وجوده في الكويت أو التنسيق مع
الأحزاب حول الحكومة البديلة رغم رفضه
فيما مضى التعاون مع أي جهات أجنبية،
وأمريكية على وجه التحديد من أجل
التغيير في العراق؛ وحاول الحكيم في
اجتماعات لندن (يناير 2003) للمعارضين
العراقيين الاستئثار بمخاطبة
الأمريكيين باسم الإسلاميين(17).
ورغم
هذه المواقف فقد أعلن زعيم المجلس باقر
الحكيم إدانته للهجوم على العراق،
محذرًا الأمريكيين من مواجهة مقاومة
مسلحة في العراق إذا بقوا بعد صدام؛
وأنها ستعتبر حربًا ضد الإسلام
والمسلمين؛ في حين امتنعت أطراف أخرى -ومنها
حزب الدعوة(18)- عن التعاون مع الولايات
المتحدة، وقاطع مؤتمر لندن للمعارضة
في يناير 2003 رغم توجيه الدعوة إليه؛
وذلك احتجاجًا على أمريكية الاجتماع
ومنح واشنطن حق تقرير المستقبل
السياسي ومشاركة القوى العراقية في
تركيبة الدولة؛ وذلك في سياق التزام
الحزب بتاريخه النضالي وطابعه المعارض
للهيمنة الأمريكية(19)، في حين أصدر
البعض من مجتهدي الشيعة فتاوى؛ إما
بتحريم هذا التعاون، أو الحث عن
الامتناع عن تقديمه.
وكما
كان حال الإمام محمد كاظم الحائري
المرجعية الأساسية لمقتدى الصدر في
العراق -وهو أحد كبار المرجعيات
الدينية العراقية ويعيش في إيران منذ
عدة عقود ويتخذ مواقف متشددة تجاه
أمريكا (20)- فقد اختار البعض في الوقت
نفسه، مثل آية الله محمد صادق الشيرازي
-المرجع الروحي لمنظمة العمل الإسلامي-
موقفًا وسطًا تفادى فيه تأييد الحرب،
لكنه رأى ضرورة اغتنام الفرصة لإنقاذ
الشعب العراقي المؤمن المظلوم من
المظالم، ودعا إلى عراق مستقل وموحد
على أسس التعددية والحرية.(21)
بينما
اتخذ آية الله السيستاني موقفًا اتسم
بالحيادية الإيجابية لصالح
الأمريكان، داعيًا العراقيين الشيعة
إلى عدم الوقوف في وجه القوات الغازية،
أو مقاومة محاولات إسقاط صدام حسين؛
حسبما أكد عبد المجيد الخوئي أحد كبار
القيادات الشيعية العراقية المؤيدة
للغزو من لندن، وإن كان مكتب السيد
السيستاني في قم، ومن خلال صهره السيد
جواد الشهرستاني قد أكد عدم صحة البيان.(22)
وكان السيستاني قد أكد في سبتمبر 2002
على أن من يساعد الأمريكان سيحيق به
العار في الدنيا، ويلقى العقاب في
الآخرة.
وجاءت
هذه المواقف المتباينة بالرغم من
اتفاق الأحزاب والقوى السياسة الشيعية
الرئيسية في العراق على الخطوط
الرئيسية في عراق ما بعد صدام؛ وذلك
خلال مؤتمر المعارضة الشيعية العراقية
الذي انعقد في طهران في مارس 2003 بهدف
التوصل لرؤية موحدة لدور الشيعة في
تحديد مستقبل العراق، وحضرته القوى
المتحالفة مع إيران (المجلس الأعلى
للثورة، وحزب الدعوة، ومنظمة العمل
الإسلامي)؛ وكذا المتحالفون مع
الولايات المتحدة (المؤتمر الوطني،
الوفاق)، وفاعليات عراقية ودينية،
وعشائر كردية شيعية؛ حيث
اتفق المشاركون على ضرورة إقامة حكم
تعددي يضمن المساواة، بعيدًا عن
التمييز الطائفي أو المذهبي.
كما
شكل المؤتمر لجنة تدوين مسودة حقوق
الشيعة في العراق؛ لتكون مرتكزًا في أي
مشروع جديد لهذا البلد؛ ودعا محمد باقر
الحكيم إلى تحقيق أهداف العراق عبر
أبنائه، ومن بينها الانعتاق من
الديكتاتورية، والاستقلال عن الهيمنة
الأجنبية، وتأمين وحدة العراق،
والتعددية السياسية.(23)
 |
|
بوابة ضريح الحسين في
العراق
|
وعلى
الرغم من الاتفاق على الخطوط العامة
لعراق ما بعد صدام، فإن الحال تبدل
تمامًا عقب سقوط نظام صدام، حيث احتدم
الصراع بين هذه التيارات على النفوذ
والسيطرة على الشارع الشيعي؛
وهو ما أظهره بوضوح مظهر بوابة الإمام
الحسيني -رضي الله عنه- في كربلاء
والمكسوة بالبرميق الأزرق اللامع؛ حيث
غطتها ملصقات لرجال دين متنافسين،
بعضهم موجود بالعراق وآخرون بإيران.(24)
كما
أتاح انهيار نظام البعث سريعًا الفرصة
للقادة وللتنظيمات الشيعية -التي كانت
في المنفى- العودة إلى العراق؛
وكان بعضهم مثل السيد عبد المجيد
الخوئي نجل آية الله الخوئي -الذي جرت
في عهده انتفاضة الشيعة مارس 1991- قد عاد
على عجل إلى مدينة النجف (مركز
المرجعية الشيعية ورمز قوتها حتى قبل
سقوط النظام في بغداد)؛ وهو
ما بدا صراعًا واضحًا للسيطرة على
الشارع الشيعي الذي كان متوقعًا
انطلاقته بقوة في حال سقوط النظام.
وأشار
مقتل الخوئي -الذي عاد سريعًا من لندن
إلى النجف على رأس مجموعة من المعارضين
العراقيين- إلى معالم خريطة جديدة
للقوى السياسية الشيعية، مغايرة لتلك
التي رسمتها تنظيمات المنفى الشيعية
بشكل كبير، والتي تجاهلت حقيقة وجود
تيار شيعي جديد/ قديم يقوده مقتدى
الصدر نجل المرجع الشيعي محمد صادق
الصدر؛
حيث ألقيت مسئولية مقتل الخوئي على
جماعة موالية له، لا سيما أن الخوئي
كان مؤيدًا بل ومحرضًا على غزو العراق
من قبل الولايات المتحدة؛ وهو ما أدى
إلى توجيه انتقادات حادة له في الصحف
الإيرانية المحافظة، مثل "كيهان"
و"جمهوري إسلامي" و"رسالت"
التي هاجمته بشدة ووصفته بواعظ
السلاطين قبل يوم واحد من مقتله، بل
ودعا ممثل خامنئي -في محافظة أرومية في
صلاة الجمعة- إلى تصفية من هم على شاكلة
الخوئي من رجال الدين الإصلاحيين.(25)
وكشفت
هذه الأحداث عن التغييرات الجذرية
التي طرأت على الساحة الشيعية
ومرجعياتها وخارطتها السياسية؛ حيث
ظهرت أربعة اتجاهات دينية وسياسة
تتنازع القيادة على الشارع الشيعي:
أولها:
هو الحوزة العلمية في النجف
التي تُعَدُّ قمة المرجعية الشيعية؛
ويأتي على رأسها آية الله العظمى علي
السيستاني الذي يُعَدُّ الزعيم الروحي
لشيعة العراق، بالرغم من كونه إيراني
المولد، بالإضافة إلى مجموعة من كبار
المرجعيات، وهم: آيات الله محمد إسحق
فياض، وحسين بشير الأفغاني، ومحمد
سعيد الحكيم. ورغم المكانة الرفيعة
والاحترام الذي تحوزه هذه المرجعية،
فإنها تفتقد القدرة على التعبئة
السياسية، وإن كان السبب في ذلك يعود
إلى تفرغها للدين وابتعادها عن الأمور
السياسية؛ ومرجع ذلك كونهم إيرانيين.
وثانيها:
الاتجاه الذي يمثله المجلس الأعلى
للثورة الإسلامية
الذي حاز اهتمامًا إعلاميًّا كبيرًا
منذ بداياته؛ وذلك بسبب الدعم الكبير
الذي حاز عليه من إيران في البداية، ثم
من دول الخليج بعد ذلك، وكذا نفوذه
الواسع وسط شيعة المنفى، وأخيرًا بسبب
الالتفاف الكبير حول قيادة زعيمه (السابق)
محمد باقر الحكيم نظرًا لماضيه وتاريخ
عائلته التي ترتبط بروابط عشائرية
وقبلية قوية في الجنوب؛ كما أن والده
آية الله محسن الحكيم هو الذي تولى
المرجعية في النجف قبل الخوئي، فضلا عن
ماضي الحكيم الطويل بالانخراط في
المعارضة السياسية منذ 1958.(26)
إلا
أن هناك سلبيات تتعلق بالمجلس، أهمها
علاقته بإيران، واتصالاته السياسية
الخارجية، لا سيما مع الولايات
المتحدة التي شارك المجلس في عدد كبير
من المؤتمرات بها؛ وهو ما يشوِّه
صورته، بالإضافة إلى تمحور المجلس حول
شخصية الحكيم وعائلته، وضعف هيكلته
التنظيمية؛ الأمر الذي يوحي بأنه ليس
بحركة سياسية، بقدر ما هو تجمع نخبوي
كما سنتناول ذلك بالتفصيل فيما بعد.
والاتجاه
الثالث: تمثله الأحزاب والحركات
المنظمة،
مثل حزب الدعوة بمختلف فصائله، ويقوده
الشيخ محمد ناصري الذي يسعى جاهدًا
لإعادة ترميم هياكل الحزب الذي تعرض
لانتكاسة كبرى بسبب الضربات القوية من
نظام صدام؛ بالإضافة إلى منظمة العمل
الإسلامي، وعدد آخر من الجماعات
الصغيرة التي مزقتها الانشقاقات في
المنافي؛ وهي الآن تواجه تجربة جديدة
عليها التأقلم مع واقعها وممارسة
العمل السياسي وفقًا لمفاهيم جديدة.(27)
وتحت
هذه الطائفة تبرز شخصيات كأحمد
الجلبي، وهو من الوجوه الشيعية
العلمانية الذي يطلق عليه رجل البوليس
الأمريكي؛ حيث يفتقد لأي شعبية
بالداخل العراقي بسبب ارتباطه
بالولايات المتحدة؛ وهو الأمر الذي
يمثل ضررًا له أكثر منه منفعة.
أما
الاتجاه الرابع: فهو تيار الصدر
الذي أثبت قدرة تعبوية هائلة منذ سقوط
النظام، تمثلت بالسيطرة على أكبر تجمع
شيعي في العراق، وهو من مدينة الثورة (صدام)؛
وهي حي عشوائي يقطنه مليونا شيعي شرق
بغداد، وأطلق عليها مدينة الصدر. كما
أثبت التيار الذي يقوده الزعيم الشاب
قدرة تعبوية ملحوظة في باقي المدن
والأحياء الشيعية، وإنشاء ميليشيات
خاصة به أدارت الأمن بعد انهيار
السلطة، مما يدل على طموحات واضحة لدى
هذا التيار الذي يفتقر بدوره للخبرة
السياسية، غير أنه يستند إلى تراث فقهي
وفكر شيعي سياسي غني خلفه له والده
الصدر، بالإضافة إلى كونه يمثل
القومية العراقية العربية في مواجهة
التنظيمات والمرجعيات ذات الأصول
والرابطات الإيرانية.(28)
تابع
في نفس الملف:
**
محلل سياسي مصري
14
- 15 - 16 - إبراهيم
نوار، مصدر سبق ذكره.
17
- حسن فحص، فصائل المعارضة العراقية
وخلافات حول الحصص في اجتماع في لندن،
الحياة 13/1/2003.
18
- انظر تصريحات للحكيم، الحياة 1/4/2003.
19
- الحياة 13/1/2003.
20
- الشرق الأوسط، الحياة 3/4/2003.
21
- صلاح النصراوي، مصدر سبق ذكره.
22
- انظر تصريحات الخوئي، الحياة 4/4/2003،
وكذلك صلاح النصراوي، مصدر سبق ذكره.
23
- الحياة 7/3/2003.
24
- الشرق الأوسط 24/4/2003.
25
- الحياة 4/4/2003.
26
- 27 - 28 - صلاح
النصراوي، مصدر سبق ذكره.
|