|
انتفاضة الصدر:
الحلقة الشيعية في المقاومة العراقية تنشط!
|
|
محمد
جمال عرفة
|
06/04/2004
|
|

|
|
المقاومة
العراقية الشيعية تتحرك |
في
دراسة عن التصورات الأمريكية لدور
الشيعة في العراق بعنوان: تاريخ
حلفاء أمريكا المحتملين نشرته دورية
(بوسطن ريفيو) عدد نوفمبر 2003، كتبت جوان
كول أستاذة تاريخ الشرق الأوسط الحديث
في جامعة ميشيغان تقول إن أحمد الجلبي
زعيم المعارضة العراقية في المنفى (في
ذلك الوقت) المتعاون مع الأمريكان أقنع
الإدارة الأمريكية أن الغالبية
الشيعية الموجودة في العراق هي "غالبية
علمانية"، وأنها سترحب بالقوات
الأمريكية وستكون أغلبية هادئة علي
طول المدى!.
ويبدو
أن الخطأ الذي ارتكبته واشنطن مع
الإمام الخميني في إيران حين تصورت أنه
مجرد رمز ديني لا يتدخل في الشئون
السياسية، عادت لتكرره في العراق
بتصور أن أكبر مرجع شيعي عراقي -وهو آية
الله السيستاني- لا يؤيد فكرة أن
المرجعية الدينية هي الإطار العام
للعمل السياسي والاجتماعي، دون اعتبار
لمخالفي السيستاني في الرأي بين
الشيعة ومنهم مقتدى الصدر الذي يؤمن
بنظرية والده الأمام الصدر عن ارتباط
المرجعية الدينية بالعمل السياسي،
وتحرك أنصاره مؤخرًا ليشعلوا "الحلقة
الشيعية" في المقاومة العراقية
المسلحة.
صحيح
أن قوات الاحتلال الأمريكية تدرك أن
هناك فِرقًا مختلفة للشيعة في العراق
وتعددية في القيادة لحد التنازع على
المسئولية عن الإشراف على العتبات
الشيعية، وأنهم (الأمريكان) لعبوا على
الفريق الرافض للتداخل بين الواجبات
الدينية والمسئوليات السياسية (عكس
فكرة ولاية الفقية الكاملة في إيران)،
ولكن تعقد العلاقة بين الفرق الشيعية
المختلفة وتصارعها مع قوات الاحتلال
ومطالبتها جميعًا بإنهاء الاحتلال ظل
عقبة في طريق قيادة تهدد بانفلات
الأمور لصالح دعاة الربط بين ولاية
الفقة والعمل السياسي.
بعبارة
أخرى لم تحسن قيادة الاحتلال التعامل
مع الفرق الأكثر تشددًا داخل التيار
الشيعي العراقي، ولم تقدم لهم ما يثبت
حسن نيتها، وساهم تخبطها وإهاناتها
المتكررة للرموز الدينية واقتحامها
المساجد، واعتقال قادة دينيين وظهور
نواياها في تأجيل الانتخابات، وتسليم
السلطة للعراقيين، وبالتالي في تدهور
العلاقة بين الطرفين وتسريع الصدام
المتوقع بين قوات الاحتلال والجناح
الشيعي المؤيد للانخراط في المقاومة
العراقية عمومًا وهو جناح مقتدى الصدر.
"ثورة
شيعية"
ولهذا
كان من الطبيعي أن يقابل التصعيد من
أحد الطرفين تصعيدًا مماثلاً، وأن
تشتعل المواجهات خصوصًا عقب إطلاق
القوات الأسبانية النار على أنصار
الصدر المحتجين وسقوط قرابة 20 قتيلاً و150
جريحًا، وتنتقل من منطقة لأخرى في
الجنوب والوسط حتى إن صحيفة "نيويورك
تايمز" وصفت أحداث المصادمات
الأخيرة بأنها: "ثورة شيعية منسقة
تنتشر في كل أنحاء البلاد، من مناطق
عشوائية في بغداد إلى عدة مدن في
الجنوب"، وهو ما لم تكن تتوقعه دوائر
الرصد في واشنطن؛ إذ يُفترض في الشيعة
أن يكونوا "هادئين متفهمين" كما
قال لهم أحمد الجلبي!.
مخاطر
التصعيد
ويطرح
التصعيد الأخير وقيام أنصار الصدر
باحتلال العديد من المصالح الحكومية
والمراكز الدينية، ورد قوات الاحتلال
باعتبار الصدر خارجًا عن القانون وقيد
الاعتقال، العديد من التساؤلات حول
مستقبل الحلقة الشيعية في المقاومة
العراقية، وهل تتكامل الحلقتان السنية
والشيعية تدريجيًّا بما يحول حياة
الاحتلال إلى جحيم، أم يقتصر الأمر على
مواجهات وقتية؟
وهل
نتوقع السيناريو المرعب الذي يخشى منه
الأمريكان في صورة اندلاع مقاومة
عراقية شيعية مسلحة عامة بدليل قيامهم
بضرب المقاومين الشيعة بالأباتشي
لسرعة وأد الانتفاضة الشيعية؟ أم
يتغلب رأي قادة الشيعة الآخرين
الموالين للاحتلال؟.
والأهم:
هل تساعد ظروف ومعيشة العراقيين
المتدهورة في ظل الاحتلال على ترجيح
كفة دعاة الصدام والمقاومة المسلحة من
الشيعة على دعاة التهدئة، خاصة أن حالة
الضيق الاجتماعي وشعور الناس أن الوضع
لم يتحسن يتصاعد، وأغلب الناس في الحي
الشيعي، مدينة الصدر، يقولون إن الوضع
كان أفضل في عهد صدام؟!.
ثم
ما هو تأثير ما يحدث على مخططات
الاحتلال وتصوراته لعراق علماني
مستقبلاً؟ ومخططاته الأخرى لتفتيت
العراق أعراقًا ومذاهب وقوميات ليسهل
السيطرة عليه ومن ضمنها اللعب على وتر
الخلاف بين الشيعة والسنة، والعرب
والأكراد لضمان بقاء قوات الاحتلال
لتحقيق الاستقرار.
من
الواضح أن المواجهات التي جرت بين قوات
التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة
في العراق وأنصار الزعيم الشيعي مقتدى
الصدر تصنف على أنها بداية "ثورة
شيعية" تكمل "انتفاضة المثلث
السني"، وليست صدفة أن تحاصر قوات
الاحتلال الفلوجة في المثلث السني بعد
سقوط 8 أمريكيين قتلى، في نفس الوقت
الذي تضرب طائراتهم الأحياء الشيعية
المجاورة المتمردة بعد سقوط 8 قتلى
أمريكيين أيضًا في أسبوع واحد!.
ومن
الواضح أنها كانت قادمة.. قادمة ولكن
عوامل أخرى عديدة عطلتها، خاصة أن "الأمريكيين
أعلنوا قبل أشهر عزمهم القضاء على
الصدر وحركته بسبب تحريضه ضد قوات
الاحتلال ونشر بيانات في صحيفته
المصادرة (الحوزة الناطقة) يحرض فيها
ضد الاحتلال، كما يصعب تصور توقفها
بسهولة بعدما جرت الدماء بين الطرفين،
وبدأ الصدر يطالب بـ "إرهاب العدو".
وخطورة
هذه المواجهات أنها تأتي في وقت حرج
للأمريكان الذين كانوا يرغبون باحتفال
هادئ بذكرى احتلال العراق في 9 إبريل
الجاري يعزز ما يروجه الرئيس الأمريكي
بوش عن نموذج عراقي حر للاستقرار في
المنطقة، كما أنها تقلب حملة بوش
الانتخابية رأسًا على عقب؛ بسبب تزايد
العداء العراقي للأمريكان وتزايد قتلى
الأمريكان (620 وفق إحصاءاتهم)، وتزايد
تساؤلات الأمريكان عن جدوى بقاء
قواتهم هناك طالما لم يَعُد العراقيون
يحبونهم كما تقول لهم إدارة بوش!.
ما
هي دوافع الصدر للتحرك؟
ومع
أن المظهر العام يوحي بأن صراع الصدر
مع القوات الأمريكية صراع حقيقي قد
يمتد، وأنه نتاج كبت مشاعر غاضبة منذ
اليوم الأول للاحتلال منع تفجرها
اعتبارات أخرى، فهناك آراء يطرحها
محللون تشكك في نوايا الصدر، وترجح أن
تكون معركته مع الأمريكان لها أهداف
أخرى؛ ما يعني أنها ستتوقف فور حصوله
على الثمن(!) منها:
1-
هناك من يقولون إن الصدر الذي لم يختره
الحاكم الأمريكي في العراق بول بريمر
ضمن مجلس الحكم الحالي، يسعى للعب دور
في السلطة العراقية الجديدة التي سوف
تتولى حكم العراق في يونيو المقبل،
وأنه تحرك في هذا التوقيت وأشعل الموقف
ليبعث برسالة لإدارة الاحتلال وأطراف
اللعبة الآخرين بأنه سيقلب الطاولة لو
أخرجوه منها!.
2-
وهناك من يتخوفون من أن تسحب "مقاومة
الصدر" البساط من تحت أقدام "المقاومة
السنية"، بحيث لا تنسب المقاومة
تاريخيًّا وفعليًّا في العراق للسنة،
ويختفي دور المقاومة السنية
تدريجيًّا، وتنسب المقاومة للأغلبية
الشيعية خاصة أن مقاومة السنة يعيبها
عدم وجود جناح سياسي وقيادة معلنة لها
في حين أن مقاومة الشيعة لها رمز واضح
معلن يناطح الأمريكان.
3-
وهناك فريق ثالث يرى أن مقاومة الصدر
هدفها الحقيقي هو الانفراد بالزعامة
الشيعية في العراق، وإعادة مركز
السلطة الدينية الشيعية إلى جناح
الإمام الصدر والد مقتدى بعدما تفرق
بين السيستاني والحكيم وأطراف أخرى،
واللافت هنا أن قياديًّا في "جيش
المهدي" التابع لمقتدى الصدر قال
لصحيفة الشرق الأوسط 6 إبريل 2004:
ميليشيات الصدر تفرض سيطرتها الكاملة
على مدينة النجف وضريح الإمام علي
فيها، وطالب بإعطاء الصدر "فرصة
لقيادة العراق وفي حالة فشله فعلى
الأمريكيين مواجهته"!.
وأيًّا
كانت دوافع الصدر فهي في نهاية الأمر
تصب ضد مصلحة الأمريكان الذي أدى قتل
باقر الحكيم رئيس المجلس الأعلى
للثورة الإسلامية العام الماضي لتحقيق
مكسب كبير لهم بالقضاء على مرجع شيعي
كبير لا يرى فارقًا بين الدين
والسياسة، ويؤمن بدور لمراجع الشيعة
في الحكم على الطريقة الإيرانية، على
عكس آية الله العظمى علي محمد
السيستاني الذي لا يحبذ التدخل في
السياسة، ويؤمن بأن على علماء الدين
ألا يتدخلوا في شئون الحكومة، وأنه يجب
المحافظة على مسافات تفصل بين الدين
والسياسة، ويهتم أكثر بالتصوف.
فليس
من صالح الأمريكان عمومًا ظهور قيادة
شيعية تربط بين الدين والسياسة، وتحرض
الجماهير على المظاهرات والقتال كما
يفعل الصدر، وهذا يفسر سر التعامل
العنيف مع مظاهرات الصدريين، والسعي
لضمان تحالف ضد الصدر من مجلس الحكم
والسيستاني وباقي القيادات الشيعية
الأخرى عبر اللعب على وتر أنه يسعى
للسلطة على حساب باقي مراجع الشيعة.
فهل
ينجح المخطط الأمريكي ويتم وأد وكسر
الحلقة الشيعية في المقاومة، أم تتسع
وتتصل بالحلقة السنية في المثلث السني
في بغداد لتحيل حياة الاحتلال إلى
جحيم، ويضطر للرحيل كما فعل من قبله
الاحتلال البريطاني أوائل القرن
الماضي بعدما توحد العراقيون ضده؟!
تابع
في نفس الملف:
|