English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

في الموقع أيضًا:

القضية الفلسطينية

إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين


اغتيالات عامين تفوق 50 عاما

عماد سيد أحمد**

28/03/2004

حماس صارت مستهدفة على قائمة الاغتيالات

عرفت الإنسانية جرائم الاغتيال منذ القدم والذي كانت تقف وراءه أطماع ومصالح وأهداف محددة، إلا أن المجتمعات القديمة لم تعرف ما عرفته المجتمعات الحديثة والمعاصرة من أدوات وأساليب وتقنيات الاغتيال. ولقد مارست التنظيمات السرية اليهودية الاغتيال قبل إعلان قيام إسرائيل لتحقيق أهداف ما، وبعد تأسيس الدولة العبرية عام 1948 اشتركت أجهزتها الأمنية مع المنظمات السرية في القيام بهذه المهمة.

تحاول الدراسة إلقاء الضوء على "ظاهرة الاغتيال" بأبعادها المختلفة من خلال تناول عمليات ومحاولات الاغتيال التي قامت بها أجهزة الأمن الإسرائيلية والمنظمات الصهيونية، ضد نشطاء وقيادات المقاومة الفلسطينية، والوقوف على الأهداف الحقيقية لهذه العمليات وفلسفتها وموقف القانون والشرعية الدولية منها.

ويتحدد منهج دراسة هذا الموضوع في تقسيمه إلى مبحثين على النحو التالي:

المبحث الأول: ونعرض فيه للاغتيالات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين خلال الفترة من العام 1948 وحتى توقيع اتفاق "أوسلو" عام 1993. وتتكون هذه الفترة من ثلاث مراحل: الأولى تمتد من 1948 إلى 1964، والثانية من 1964 حتى 1987، أما الأخيرة فمن 1987 حتى 1993.

والمبحث الثاني: ينصب على عمليات الاغتيال التي وقعت للفلسطينيين خلال العامين الأولين من عمر الانتفاضة الثانية التي اندلعت في الثامن والعشرين من سبتمبر/ أيلول 2000.

الاغتيالات من 1948 إلى "أوسلو"

تنقسم هذه الفترة إلى ثلاث مراحل، الأولى تقع منذ إعلان قيام الدولة العبرية في منتصف مايو عام 1948 حتى العام 1964، وفيها لم تكن قد تبلورت للحركة الوطنية الفلسطينية إستراتيجية للمقاومة، أو أفرزت فصائل وحركات تعتمد على ذاتها في تحرير بلادها دون الاعتماد على الأنظمة العربية وجيوشها التي أخفقت في حرب 1948 وما بعدها في 1967. ليس معنى ذلك أن هذه المرحلة، قد خلت من حدوث اغتيالات للمقاومين والنشطاء العرب والفلسطينيين.

أما المرحلة الثانية فتمتد من العام 1967 حتى 1987، وقد شهدت هذه المرحلة عددا أكبر من حوادث الاغتيالات للقادة الفلسطينيين، حيث اتسمت هذه المرحلة بالدعوات إلى القطرية الفلسطينية، وضرورة الاعتماد على الذات وعدم الركون إلى الأنظمة العربية؛ لأن هزيمة حزيران/ يونيو 1967، تركت آثارها السلبية على الجميع وألقت بظلالها الثقيلة على العلاقات العربية– العربية، وشعر الفلسطينيون بخيبة الأمل جراء تلك الهزيمة التي منيت بها الجيوش العربية واحتلال أجزاء كبيرة من الأراضي العربية (حيث وقعت الضفة الغربية، وقطاع غزة تحت الاحتلال الإسرائيلي، ومعهما الجولان السوري، وسيناء المصرية)(1). تعجلت قيادة "فتح" إشعال ثورة مسلحة في الضفة الغربية، في آب/ أغسطس 1967، ولم تراع تلك القيادة مدى استعداد شعب الضفة للثورة، آنذاك، فأخفقت المحاولة، وانتهت بإلقاء قوات الاحتلال القبض على النسبة الكبرى من كوادر ومقاتلي "فتح" التي دخلت سرا إلى الضفة(2). وبدأت القوى الفلسطينية في الأردن ولبنان تنشط ضد الاحتلال وتدبر العمليات الموجعة له، كما أن المقاومة في الضفة والقطاع توحدت ما بعد صيف 1973 "حين بدت السلطة الوطنية الفلسطينية في الأفق"(3). ففي هذا العام على سبيل المثال والعام السابق له، وقعت حوادث اغتيال للقادة الفلسطينيين عديدة تفوق عدد ما وقعت في فترات الخمسينيات والستينيات.

أما المرحلة الثالثة فانحصرت في الفترة من 1987 حتى توقيع أوسلو سبتمبر/ أيلول 1993. تلك الفترة التي شهدت الانتفاضة الفلسطينية الأولى التي اندلعت في 8 كانون الأول/ ديسمبر 1987، معبرة عن سنوات طويلة من الكبت والسخط على الأوضاع المتردية، وفي وقت أسقط الداخل الفلسطيني النظام العربي من حسابه تماما. ومع العام 1991 تراجعت حوادث الاغتيال، ومع تراجع الانتفاضة الفلسطينية هدأت حدة المقاومة الفلسطينية، نظراً لعدة عوامل، منها:(4)

1- انفلات الاغتيال السياسي من عقاله، في الفترة السابقة.

2- انهيار المعسكر الاشتراكي 1989، وانفراط عقد رأسه، الاتحاد السوفيتي، بعد سنتين.

3- اندلاع حرب الخليج الثانية (1990 – 1991).

4- ارتفاع الكلفة البشرية للانتفاضة، وتأخر وصول مردودها، أكثر من 3 سنين متصلة، وقع خلالها قرابة 1500 شهيد، و8 آلاف جريح.

5- إحساس شعب الضفة والقطاع بتورط قيادة الخارج في مساومة مبتذلة مع إسرائيل.

مفهوم الاغتيال لدى الإسرائيليين

اغتيال الشيء يعني القضاء عليه والتخلص منه، وهو من الغل.. (الكراهية الشديدة)؛ ويشير هذا المفهوم إلى دلالات عدة، حيث الاغتيال يكون بنية مسبقة ومبيتة عند من يقوم بالاغتيال، ويأتي على غرة، أو غفلة للشخص "المغتال" "المقتول"، وتكون الأداة حادة، عنيفة، قوية، لضمان نجاح العملية. معنى ذلك أن عملية الاغتيال يسبقها تخطيط وتدبير محكم وتدريب قبل الشروع في العملية.

كما أننا لا نستطيع أن نطلق على شخصين يقاوم كل منهما الآخر، أو تنشب بينهما معركة، بالآلات الحادة، أو الرشاشات، مثلاً، وما شابه ذلك: "اغتيال"، لكنه "قتل" قد يقع لأحدهما أو الاثنين معا. أما حوادث الاغتيال ففي الأغلب الأعم تسفر عن القضاء على الشخص المقصود اغتياله وإفلات الآخر؛ وفي حالة نجاة هذا الشخص يهرب الآخر وتبوء العملية بالفشل. عادة الاغتيالات قديمة حديثة في التجمعات والحركات الصهيونية فكانت تأتى في الماضي تعبيرا عن حماية مصالح الحركة، والآن من أجل حماية دولة "إسرائيل".

والاغتيال لدى الكيان الصهيوني ليس حالة طارئة أو أسلوبا مرحليا أو غير ذلك من أشكال وصور العنف والقتل المعروفة فحسب، بل هو -إضافة إلى هذه الأشكال والصور التي ترى في الإرهاب والقتل الفردي والجماعي- وسيلة ناجحة للتخلص من بعض الأعداء والخصوم، حسب ما تقتضيه مصلحة الحركة الصهيونية وأمن إسرائيل ومستقبلها(5).

وهناك مئات الخطب والتصريحات والأحاديث والوثائق التي تثبت كون الإرهاب وسيلة وأداة فعالة، يعتمدها الصهاينة لتحقيق حلمهم الصهيوني. فمؤسس الصهيونية "تيودور هرتسل" قال كلاما واضحا في هذا الشأن: "لنفترض مثلاً، أننا نريد أن نطهر بلداً (فلسطين) من الوحوش الضارية (العرب).. طبعا، لن نحمل القوس والرمح، ونذهب فرادى في أثر الدببة، كما كان الأسلوب في القرن الخامس في أوربا، بل سننظم حملة صيد جماعية ضخمة ومجهزة، ونطرد الحيوانات، ونرمي في وسطها قنابل شديدة الانفجار".

أما جوبوتنسكي فيربط بين الغاية والوسيلة بشكل محكم، لا انفصال فيه بين الاثنتين حيث يقول: "إن التوراة والسيف أنزلا علينا من السماء"، ويقول مناحم بيجين متفلسفا: "أنا أحارب إذن أنا موجود.. كن أخي وإلا سأقتلك...".

وفي الحقيقة فإن تركيز قادة الحركة الصهيونية باستمرار على العنف والإرهاب كوسيلة لتحقيق فكرة "الشعب المختار" في "أرض الميعاد" ليس سوى صدى لما جاء في التوراة "المحرفة" حول الموضوع؛ ولسنا هنا في مجال عرض ما جاء في التوراة بشأن الإرهاب، لكننا بالإشارة لما جاء على لسان "يهوه"، وتدعو إلى استخدام أسلوب الإبادة الجماعية لسكان فلسطين القدماء من غير اليهود: "وأما مدن هؤلاء الشعوب السبعة، التي يعطيك الرب إلهك نصيبا فلا تستبق منها نسمة ما، بل تحرقها، كما أمرك الرب إلهك"(6).

ولا يخفي الإسرائيليون اعتمادهم القتل أسلوبا منهجيا، إنما يجاهرون به، مثلما فعل "رابين" بعد اغتيال الأمين العام لحركة الجهاد فتحي الشقاقى، في 26 تشرين الأول/ أكتوبر العام 1995، في جزيرة مالطا(7)، ومثلما فعل "شيمون بيريز" بعد اغتيال "يحيى عياش" أحد كوادر حماس عام 1996، بل إن رؤساء الموساد أنفسهم تباهوا بعمليات الاغتيال والقتل، مثلما فعل مسئول جهاز العمليات القذرة في الموساد "شتباي شبيط"، بعد قتل "محسن زهير"، عندما اعتبر عمليات الاغتيال "نموذجا ناجحا للعمل". اللافت للنظر أن تفاخرهم ونشرهم لمثل هذه العمليات وتفاصيلها لا يكون إلا للتي ضد العرب، وبخاصة الفلسطينيون، وذلك لإرهاب العرب، وبث الخوف في نفوسهم. وهذا ما فعله إريل شارون بعد فشل عملية اغتيال "خالد مشعل"، حينما أكد أن إسرائيل ستحاول مرة أخرى، وأنها لن تستخدم السم مرة ثانية لقتله!

انخرطت العديد من المنظمات السرية اليهودية، في عمليات القتل والإرهاب، قبل إعلان قيام الكيان الصهيوني؛ وبعد إعلان قيام الدولة العبرية قامت أجهزتها الأمنية والاستخباراتية بالعديد من جرائم القتل والاغتيال؛ وقادتها كانوا يشجعون بل يحرضون على القتل ويوجهون للجنود الإسرائيليين والعملاء التحية الحارة والتهنئة الطيبة عقب كل عملية قتل فردي أو جماعي، كأنهم أنجزوا عملاً مقدسا. ففي أعقاب مذبحة دير ياسين عبر مناحم بيجين عن سعادته قائلاً: "وتقبلوا تهاني بمناسبة التنفيذ الرائع لهذه العملية، وانقلوا لكل الضباط والجنود الذين شاركوا في أدائها.. أننا نحن القيادة نحييكم، ونفخر بالنتائج الباهرة، وبروحكم القتالية في خدمة المعركة غير الهينة، وننحني أمام ذكرى من سقطوا، ونشد على أيدي الجرحى، وليعلم الجنود أن المكاسب التي تحققت بفضل جهودهم سوف تصبح صفحة جديدة في تاريخ إسرائيل، قاتلوا حتى النصر الكامل، وليكن الأمر في كل مكان كما كان في دير ياسين"(8).

القانون الإسرائيلي يبارك الاغتيال

تجدر الإشارة إلى أن القانون الإسرائيلي يبيح اغتيال أو قتل "أعداء إسرائيل". ففي نهاية عام 1972، وبعد قتل 11 رياضيا إسرائيليا في أولمبيات ميونخ، طلبت رئيسة وزراء إسرائيل آنذاك "جولدا مائير" من رئيس الموساد "تسفي زامير"، ضرب كل فلسطيني اتهمته إسرائيل بالاشتراك في عملية احتجاز الفريق الرياضي الإسرائيلي رهائن في ميونخ. ووقفت رئيسة الوزراء الإسرائيلية في أكتوبر/ تشرين الأول 1972 تعلن أن إسرائيل سوف تطارد الفدائيين "في كل مكان وكل بلد"، وصادق الكنيست بأغلبية ساحقة، باستثناء ممثلي الحزب الشيوعي وقتها، على قانون يسمح بمعاقبة أي أجنبي متهم بالعمل ضد إسرائيل، بغض النظر عن مكان وقوع هذا العمل!

هكذا أقرت إسرائيل، رسميا، بشكل علني، خطط الموساد، لقتل قادة منظمة التحرير الفلسطينية، وكانت الذريعة الإسرائيلية المعلنة هي الرد على عملية ميونخ، ومصرع عدد 11 رياضيا إسرائيليا، أثناء تحريرهم من الخطف. بيد أن الحقيقة أن خطط الاغتيال كان قد بدأ تنفيذها قبل حادث أولمبيات ميونخ، في شهر سبتمبر/ أيلول 1972، حينما اغتال "الموساد" في 8 يوليه من العام نفسه الكاتب الفلسطيني، غسان كنفاني في بيروت (انظر الجدول).

لم تمض سوى أسابيع قليلة على القانون الذي أصدره الكنيست حتى بدأ "الموساد" سلسلة من الاغتيالات للفلسطينيين، وكانت البداية في 16 نوفمبر/ تشرين الثاني باغتيال ممثل منظمة التحرير الفلسطينية في إيطاليا "وائل زعيتر"؛ فقد اصطاده "الموساد" وهو عائد إلى منزله مساء، وقبل أن يفتح باب شقته، وأطلقوا عليه 12 رصاصة انحشرت واحدة منها في كتاب، كان يحمله في جيبه، وهو السلاح الوحيد الذي كان يحمله معه.

الموساد يحتضن عمليات الاغتيال

عندما تم إنشاء "الموساد" حرص مؤسس هذا الجهاز، وقادته، على أن يضم بين فروعه وتنظيماته فرقا خاصة للاغتيال والقتل، مثل المجموعة (101)، والمجموعة (131)، والفرقة (100)، وأضيف إلى هذه الأشكال، فرقة أخرى شكلها "الموساد"، مطلع السبعينيات من القرن الماضي، بعد أن قرر "الموساد"، بناء على تعليمات رئيسة الوزراء، آنذاك، "جولدا مائير" أن ينخرط أكثر في عمليات القتل والتخلص من القادة الفلسطينيين، وسميت هذه الفرقة "غضب الرب". كما اهتم قادة "الموساد"، منذ وقت مبكر، بتدريب الذين ينضمون للعمل فيه على استخدام كل أنواع الأسلحة الخفيفة، والتفجير عن بعد، والتفخيخ، وذلك ضمن البرامج التي يتم بها تأهيل العملاء، بالإضافة إلى الإعداد البدني، والتدريب على سرعة التنفيذ، وتدمير الهدف، والانسحاب(9). كما اعتمدت عمليات الاغتيال التي قام بها عملاء "الموساد" على استخدام الوسائل والأساليب التكنولوجية والمتطورة، مثل الاعتماد على ذبذبات، وترددات الهاتف المحمول، مثلما حدث في عملية اغتيال القائد الحمساوي "يحيى عياش" في غزة، مطلع 1996(10)، ويستخدم "الموساد" من خلال عملائه أساليب تقليدية قديمة، كالسم، مثلما حدث في محاولة اغتيال "خالد مشعل" في الأردن.

كان يتم الاستعانة بالأساليب التقليدية عن طريق العملاء "الخونة"، ومن يتم تجنيدهم. ولقد كشفت 7 سنوات من التحقيقات في عملية اغتيال أحد قادة الأمن في منظمة التحرير الفلسطينية "عاطف بسيسو"، في باريس، أن قتلة الموساد تمكنوا منه بسبب الخيانة، حيث خانه شخص يدعى "عدنان ياسين" مسئول السفريات في مكتب منظمة التحرير بالعاصمة الفرنسية؛ فهو الوحيد الذي علم بأن بسيسو قرر في اللحظات الأخيرة أن يسافر من برلين إلى باريس، وليس تونس(11).

أما عندما رفض رجل آخر للمنظمة الخيانة فقد أخفقت محاولة إسرائيلية -لم تكن سوى واحدة من محاولات عديدة- استهدفت قتل "ياسر عرفات"، وهذا ما روته صحيفة إسرائيلية، نقلاً عن مصادر في الموساد.. قالت: "خطط الموساد بناء على تعليمات من ليفي أشكول، رئيس الوزراء الإسرائيلي، وقتها لاغتيال عرفات في عام 1968، بعد أن تعززت مكانته في فتح، في أعقاب معركة الكرامة في 21 مارس عام 1968، وذلك باستخدام شاب فلسطيني من حركة فتح من قرية الخليل اعتقلته السلطات الإسرائيلية بتهمة الانتماء لحركة فتح، وعلى مدى ثلاثة أشهر تعرض هذا الشاب الفلسطيني لتعذيب نفسي وبدني، وغسيل مخ بواسطة ضابط الصحة النفسية في سلاح البحرية الرائد بنيامين شليط، وذلك في محاولة لإقناع هذا الشاب بإطلاق الرصاص على صور عرفات، كلما ظهرت أمامه دون تفكير، ثم أطلق سراحه عندما تصور رجال الموساد أنه صار جاهزا لاغتيال عرفات، غير أن هذا الشاب عندما اجتاز الحدود إلى الدولة العربية -التي كان من المفروض أن تتم فيها عملية الاغتيال- سلم نفسه فورا للشرطة، وأدلى لرجال المخابرات في هذه الدولة بتفاصيل ما جرى معه في جهاز الموساد(12).

وإذا كانت الخيانة لها هذا الدور الفعال في نجاح أو فشل عمليات الاغتيال التي انخرط في تنفيذها قتلة الموساد ضد العرب والفلسطينيين، فإن المساعدات التي تلقاها هؤلاء القتلة من أجهزة مخابرات أو حكومات أخرى كان لها دور مؤثر أيضا في فشل أو نجاح عمليات الاغتيال التي قام بها الموساد.

وتؤكد أيضا محاولة القتل الجماعي لقادة "منظمة التحرير الفلسطينية" خلال غارة حمام الشط "مقر م.ت.ف في تونس" أول تشرين/ أول أكتوبر 1985، اعتماد قتلة الموساد دائما على المساعدات الخارجية التي يتلقونها من أجهزة مخابرات وحكومات أخرى. فبعد أن استبعدت فكرة القيام بعمليات اغتيال فردية متتالية لقادة منظمة التحرير الفلسطينية استقر رأي الحكومة الإسرائيلية في عام 1985 على تصفية القيادات الفلسطينية بشكل جماعي من خلال غارة تقوم بها طائرات إف 15، إف 16 على مقر المنظمة في منطقة حمام الشط في تونس. واعتمد على الحماية التي يوفرها الأسطول السادس الأمريكي في البحر المتوسط، لتأمين الطائرات الإسرائيلية أثناء رحلتي الذهاب والعودة، وأيضا التشويش على الرادارات التونسية أثناء تنفيذ الغارة. ولهذا الغرض، سافر أولاً رئيس الأركان الإسرائيلي إلى واشنطن، وطلب من مستشار الأمن القومي الأمريكي مساعدة الأسطول الأمريكي في تنفيذ هذه الغارة، ثم قام وزير الدفاع الإسرائيلي بزيارة أخرى لواشنطن، التقى فيها وزيري الدفاع والخارجية ومستشار الأمن القومي لمناقشة تفاصيل المساعدة المطلوبة. ولم يعد إلى إسرائيل إلا بعد أن وافقت واشنطن على تأمين سلامة الطائرات الإسرائيلية المغيرة؛ ولقد نجا قادة المنظمة من القتل، ومن بينهم عرفات؛ لأنه لم ينم ليلتها في منطقة حمام الشط، وقد سمع دوي القذيفة، وهو في سيارته في طريقه إلى مقر القيادة، فقام على الفور بتغيير اتجاهه(13).

على الرغم من المساعدات والدعم الذي تلقاه الموساد فإن محاولات عديدة أخفقت في قتل الفلسطينيين. وقد يكلف قادة الموساد عادة خمس مجموعات للقيام بالاغتيال، وذلك بعد التخطيط للعملية بعناية فائقة، وبعد الحصول على موافقة رئيس الوزراء الإسرائيلي، هذه الموافقة التي أصبحت مسألة شبه روتينية أو تحصيل حاصل(14).

تختص كل مجموعة من المجموعات الخمس بمهمة محددة، الأولى "مجموعة الإدارة والخدمات"، وتتولى عادة مهمة استئجار الفنادق، والمنازل والسيارات لفريق القتلة، كما تتولى التغطية على فريق الاغتيال حتى يفرغ من أداء مهمته، أو جريمته، وعادة ما ترأس هذه المجموعة امرأة (فتاة حسناء) للتمويه. أما الثانية فهي "مجموعة المراقبة" التي تتابع الهدف، وترصد تحركاته، بينما تسمى المجموعة الثالثة "مجموعة الانسحاب" التي توفر انسحابا آمنا لكل أعضاء فريق الاغتيال، حتى لا يقع أحد منهم في قبضة رجال الأمن في البلد الذي يقومون فيه بتنفيذ الاغتيال. وتختص المجموعة الرابعة بالاتصال بممثلي الشرطة، وأجهزة الأمن، في البلد المحدد، لتنفيذ عملية الاغتيال، وذلك لتحييد سلطاتها إلى أقصى حد، وضمان حمايتها إذا أمكن. أما الأخيرة فتنقسم، عادة، إلى مجموعتين تضم أولها قتلة يتم تدريبهم جيداً، وعددهم يزداد إذا كان للهدف حماية كبيرة، وحراسة مشددة؛ والذي يحدد العدد هو المسئول عن التخطيط في كل جريمة اغتيال، وهو أيضا الذي يحدد موعد تنفيذ الاغتيال؛ أما المجموعة الفرعية الثانية، فتستدعي عند الضرورة القصوى إذا أخفقت مجموعة القتل الأولى، ولدى أفرادها تعليمات بتصفية المجموعة الأولى، حتى لا يقع أفرادها في أيدي السلطات، إذا ما أخفقوا، بالإضافة إلى هذه المجموعات، ثمة حلقة ربط بين هذه المجموعات، وبينها وبين السفارة الإسرائيلية في البلد الذي تتم فيه العملية، ناهيك عن الاتصال الدائم مع قادة الموساد(15).

شخصيات فلسطينية تم اغتيالها

الشهيد خالد ماهر سليم ولويل.. 6 أعوام.. مخيم بلاطة بالضفة الغربية المحتلة

تستعرض الدراسة شخصيات فلسطينية تم اغتيالها في الفترة من العام 1948 حتى 1993 وخلال الانتفاضة الثانية على أيدي الإسرائيليين، وأجهزة الأمن الإسرائيلية، والأساليب المستخدمة في الاغتيال، وأماكنها، وتوزعها على جغرافية فلسطين، وخارجها. غير أن متابعة مثل هذه الموضوعات بالمنظار الإحصائي الدقيق من الأمور التي تحول دونها كثير من الصعوبات؛ فالمنطق الإحصائي منطق جاف بطبيعته، يتعامل مع أعداد وأرقام؛ وهو في مجالنا يتعامل مع عدد العمليات التي تعلن عنها مصادر المقاومة أو السلطة أو منظمة التحرير أو يعترف بها العدو الإسرائيلي، أو حكومات الدول التي تقع فيها الاغتيالات، وهنا يفترض وجود قدر من النسبية، وعدم الدقة في بعض المعلومات من الأمور المتوقعة.

قائمة بأسماء مناضلين فلسطينيين تم اغتيالهم أو تعرضوا لمحاولة اغتيال من قبل إسرائيل*

م

الاسم

الموقع والتنظيم

تاريخ الاغتيال

المكان

الأداة والطريقة

1

غسان كنفاني

رئيس تحرير مجلة الهدف، الناطقة باسم الجبهة الشعبية

9/7/1972

بيروت

تفخيخ سيارة

2

د. أنيس الصايغ

مدير مركز الأبحاث التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية

محاولة لاغتياله في 19/7/1972

بيروت

عبوة ناسفة

3

بسام أبو شريف

الناطق الرسمي باسم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين

محاولة لاغتياله في 25/7/1972

بيروت

طرد ملغوم

4

وائل زعيتر

ممثل م.ت.ف في روما

17/10/72

روما

عبوة ناسفة

5

أحمد وافي "أبو خليل"

ممثل م.ت.ف في الجزائر

22/11/72

الجزائر

عبوة ناسفة

6

محمد الهمشري

ممثل م.ت.ف في باريس

8/12/72

باريس

عبوة ناسفة

7

حسين علي أبو الخير

ممثل م.ت.ف في قبرص

25/1/1973

نيقوسيا

عبوة ناسفة

8

حسين عباد الشير

أحد رجال الارتباط بين م.ت.ف والاستخبارات الروسية.

-

-

-

9

كمال ناصر

عضو اللجنة التنفيذية لـ م.ت.ف والناطق الرسمي باسمها

10/4/1973

بيروت

إطلاق رصاص

10

كمال عدوان

عضو اللجنة المركزية لحركة فتح ومسئول قطاع الأرض المحتلة

10/4/1973

بيروت

طعن بنصل حاد

11

محمد يوسف النجار

عضو اللجنة المركزية لحركة فتح

10/4/1973

بيروت

إطلاق رصاص

12

موسى أبو زياد

عضو حركة فتح

إبريل 1973

أثينا

إطلاق رصاص

13

محمود صالح

مدير المكتبة العربية في باريس

2/2/1977

باريس

عبوة ناسفة

14

سعيد حمامي

مدير مكتب م.ت.ف في لندن

يناير 1978

لندن

إطلاق رصاص

15

عز الدين القلق

مدير مكتب م.ت.ف في باريس

2/7/1978

باريس

إطلاق رصاص

16

علي حسن سلامة

عضو المجلس الثوري لحركة فتح، وقائد قوات الـ 17

22/1/1979

بيروت

سيارة مفخخة

17

زهير محسن

الأمين العام لمنظمة الصاعقة، وعضو اللجنة التنفيذية

25/7/1979

بمدينة "كان" جنوب فرنسا

إطلاق رصاص

18

سمير عزمي طوقان

منظمة التحرير الفلسطينية

أغسطس 1979

قبرص

إطلاق رصاص

19

إبراهيم عبد العزيز

مسئول في حركة فتح

18/2/1980

باريس

إطلاق رصاص

20

محمد طه

ضابط أمن في حركة فتح

16/6/1980

روما

إطلاق رصاص

21

د. نعيم خضر

مدير مكتب م.ت.ف في بلجيكا

1/6/1981

بروكسل

عبوة ناسفة

22

عزيز مطر

طالب فلسطيني في كلية الطب بجامعة روما

16/6/1981

روما

إطلاق رصاص

23

محمد داود عودة

عضو المجلس الثوري

محاولة اغتيال في أغسطس 81

وارسو

إطلاق رصاص

24

ماجد أبو شرارة

عضو اللجنة المركزية لحركة الفتح ومسئول الإعلام الموحد في م.ت.ف

9/10/1981

روما

عبوة ناسفة

25

د. عبد الوهاب الكيالي

سياسي وكاتب فلسطيني

7/12/1981

بيروت

إطلاق رصاص

26

كمال حسن أبو دلو

نائب مدير مكتب م.ت.ف في روما

17/6/1982

أثينا

إطلاق رصاص

27

فضل سعيد العناني

نائب مدير مكتب م.ت.ف في باريس

23/7/1982

باريس

إطلاق رصاص

28

سعد صايل

قائد القوات الفلسطينية المشتركة في لبنان

29/9/1982

لبنان "البقاع"

إطلاق رصاص

29

مأمون شكري درويش

أحد مساعدي أبو جهاد - مكلف بتسيير العمليات الخارجية

20/8/1983

أثينا

إطلاق رصاص

30

جميل عبد القادر أبو الرب

مدير شركة للملاحة البحرية في اليونان

22/12/1983

أثينا

إطلاق رصاص

31

إسماعيل عيسى درويش

عضو حركة فتح

14/12/1984

روما

إطلاق رصاص

32

خالد أحمد نزال

مسئول الأمن في الجبهة الديمقراطية

9/7/1986

روما

إطلاق رصاص

33

منذر جودة أبو غزالة

عضو المجلس الثوري، والمجلس العسكري الأعلى، وقائد القوة البحرية

21/10/1986

أثينا

عبوة ناسفة

34

ناجى العلى

فنان ورسام كاريكاتير

22/7/1987

لندن

إطلاق رصاص

35

محمد حسن بحيص "أبو حسن"

من كوادر القطاع الغربي

14/2/1988

ليماسول

عبوة ناسفة

36

محمد باسم التميمي

من كوادر القطاع الغربي

14/2/1982

ليماسول

عبوة ناسفة

37

مروان الكيالي

من كوادر القطاع الغربي

14/2/1988

ليماسول

عبوة ناسفة

38

خليل الوزير "أبو جهاد"

نائب القائد العام لقوات الثورة الفلسطينية، وأهم شخصية بعد عرفات في حركة فتح

18/4/1988

تونس

إطلاق رصاص

39

عادل أبو سالم

عضو حركة فتح

26/10/1989

غزة

إطلاق رصاص

40

صلاح خلف

مسئول الأمن الموحد, والرجل الثاني في فتح

14/1/1991

تونس

إطلاق رصاص

41

هايل عبد الحميد "أبو الهول"

مسئول في الأمن المركزي

14/1/1991

تونس

إطلاق رصاص

42

فخر العمري "أبو محمد"

أحد مساعدي أبو إياد - فتح

14/1/1991

تونس

إطلاق رصاص

43

أحمد خالد سرحان "أبو الريش"

عضو حركة فتح

28/11/1993

خان يونس

إطلاق رصاص

وما توصلت إليه الدراسة أن الفترة من 64 حتى نهاية 1969 لم تشهد أي عمليات اغتيال، إلا أنها تضاعفت بوصولها إلى الذروة في حقبتين، أولاهما حقبة 70-1979 التي اشتد فيها ساعد المقاومة الفلسطينية من جهة، فيما توالت مشاريع تصفية القضية الفلسطينية. أما الحقبة الثانية فامتدت ما بين سنتي 80 و1989، حيث تراجعت المقاومة الفلسطينية، وتزايدت مشاريع التصفية. 

يتضح من الجدول  عدد من الملاحظات، من بينها أن جرائم الاغتيال، في الأغلب والتي أقدم عليها "الموساد"، كانت تتم عادة وفق نمط متكرر، حيث التوجه إلى الهدف المطلوب اغتياله، عبر محطات وسيطة، مثل نيقوسيا، ليماسول، باريس، أوسلو، روما، أثينا، وغيرها، بجوازات سفر (قبرصية أو كندية غالبا)؛ وبعد إتمام العملية يخرج فريق الاغتيال بجوازات سفر أخرى مزورة أيضا، إلى عواصم أو مدن أخرى غير تلك التي جاءوا منها.

لقد جرى خلال الفترة من 1948 وحتى 1993 عدد 43 عملية اغتيال لقادة ونشطاء فلسطينيين، تمت جميعها في الخارج والعواصم الغربية والعربية، عدا عمليتين، وقعت إحداهما بخان يونس في الأرض المحتلة لعضو من حركة فتح أحمد خالد سرحان "أبو الريش"، في الثامن والعشرين من نوفمبر عام 1993، والأخرى في غزة لعادل أبو سالم قيادي في حركة فتح، في السادس والعشرين من أكتوبر/ تشرين الأول 1989، وقد استخدم الموساد عملاء أطلقوا عليهما الرصاص.

وقعت 13 عملية اغتيال في العواصم العربية، 9 منها في لبنان، و3 في تونس، وعملية واحدة في الجزائر. وهذه عواصم عربية انحصرت فيها عمليات الاغتيال لأنه تواجدت فيها رجال م.ت.ف، وحركة فتح، وتنقلت القيادات ونشطاء المقاومة بين هذه العواصم، ولقد تركزت في بيروت وتونس، واتخذت من الجزائر مقرا لاجتماعاتها بعض الأحيان، وفيها تم اغتيال مدير مكتب م.ت.ف وممثلها هناك أحمد وافي "أبو خليل" في 22 نوفمبر/ تشرين الثاني 1972 من خلال استخدام عبوة ناسفة.

توالت عمليات القتل والاغتيال، باستخدام أحدث التقنيات والوسائل، عبر شكلين في الأغلب، الأول "عبوات ناسفة"، ومتفجرات يتم التحكم فيها عن بعد، بواسطة الأجهزة الإلكترونية، أو شبكات الاتصال من خلال شقة يستأجرها العملاء لمراقبة "الهدف"، تكون قريبة من منزله حتى يمكن متابعة تحركاته، ورصدها، بدقة، لمدة زمنية كافية لتحديد مواعيد خروجه ودخوله، وعدد الساعات التي يقضيها في خارج المنزل، من أجل تحديد المكان الأنسب لوضع المتفجرات أو اللغم، مثل السيارة، أو المنزل، أو الأسانسير... إلخ. أما الشكل الثاني فيتمثل في "إطلاق الرصاص" باستخدام كاتم للصوت حتى لا يشعر أحد من الجيران، ويتمكن العملاء من الهرب قبل اكتشاف الجريمة، وفي حالة ما إذا رآهم شخص، يتم التخلص منه على الفور، حتى لا يكون دليلاً ضدهم في المستقبل.

ويعد ذلك سلوكاً غريباً، خاصة أنهم يعترفون -"قيادات الموساد"- فيما بعد بالجريمة في غالبية الأحوال، والاعتراف "سيد الأدلة"، ولكن يبدو أنه لعدم إحراج الدولة التي تجري على أرضها العملية في حينها. هذه "العمليات القذرة" لم يسلم منها أبرياء، لا ناقة لهم ولا جمل، بسبب أخطاء قد يقع فيها عملاء الموساد، مثل فشله في التعرف على الشخص المطلوب (الهدف)؛ فمثلاً وقع اغتيال مواطن مغربي يدعى "أحمد بويحكى"، بدلاً من "حسن سلامة" في يوليو / تموز 1973، وبسبب هذا الحادث قدم رئيس قسم العمليات القذرة في الموساد "مايك هاراري" استقالته إلى رئيس الموساد، آنذاك، "تسفي زامير"، لكن رئيسة الوزراء "جولدا مائير"، رفضت قبول استقالته، فاستمر "هاراري" في منصبه سبع سنوات أخرى. ومعروف أن استخدام المتفجرات والألغام يودي بحياة الكثير من الأبرياء.

نلاحظ أيضاً أنه قد جرت 15 عملية اغتيال عن طريق استخدام المتفجرات والألغام، و26 عملية من خلال إطلاق الرصاص على "الأهداف المطلوبة"، وجرت عملية بالطعن بالسكين لكمال عدوان، عضو اللجنة المركزية لحركة فتح ومسئول قطاع الأرض المحتلة في 10 إبريل/ نيسان 1973 في بيروت.

في كل مرحلة كان يقف وراء عمليات الاغتيال أهداف تتلخص أولاً في التخلص من بعض الشخصيات الخطرة على أمن إسرائيل ومستقبلها؛ حيث إن الانتصارات -التي حققتها م.ت.ف في الساحة الدبلوماسية والسياسية، في سبعينيات القرن العشرين، بسلاح ماض فعال، وهو "عدالة القضية"، من خلال ممثليها في العواصم المختلفة- دفع "الموساد" للتخلص من كل من تطوله يد عملائه من ممثلي المنظمة في الخارج. وتتلخص ثانيا في قطع رأس الانتفاضة الأولى التي بدأت تستشري في الداخل الفلسطيني مع نهاية عام 1987.

ولعل هذا ما كان يبتغيه "الموساد" والقيادة الإسرائيلية من خلال اغتيال "خليل الوزير" أبو جهاد المسئول عن الأراضي المحتلة في فتح في يناير/ كانون الثاني 1988، حيث وصلت مجموعة من عملاء "الموساد" إلى تونس واغتالته بعد مراقبة صارمة، امتدت لأكثر من ثلاثة أشهر في 18 إبريل/ نيسان 1988. بعدها بعام تم اغتيال "محمد التميمي" أحد قادة الانتفاضة، عبر عبوة ناسفة وضعت في سيارته، فلقي مصرعه، مع اثنين من كبار ضباط منظمة التحرير كانا برفقته.

وما نستخلصه من هذه الدراسة، أن الفترة من عام 1964 حتى نهاية عام 1969، لم تشهد عمليات اغتيال، في حين أن عمليات الاغتيال قد تضاعفت معدلاتها، ووصلت إلى الذروة في حقبتين، أولاهما حقبة 70-1979 التي اشتد فيها ساعد المقاومة الفلسطينية من جهة، فيما توالت مشاريع تصفية القضية الفلسطينية. أما الحقبة الثانية فامتدت ما بين سنتي 80 -1989 حيث تراجعت المقاومة وتزايدت مشاريع التصفية.

الاغتيالات الإسرائيلية بعد الانتفاضة الثانية

فلسطينيون يشيعون جنازة محمود عمر -20 عاما- في مخيم الدهيشة القريب من مدينة بيت لحم

لقد شهدت المرحلة الراهنة، ومنذ اندلاع الانتفاضة الثانية، في الثامن والعشرين من أيلول/ سبتمبر عام 2000، في الأراضي المحتلة، موجة من عمليات الاغتيال لم تشهدها من قبل، في ظل ظروف محلية، وإقليمية، ودولية بالغة الصعوبة. وحظيت عمليات الاغتيال في هذه المرحلة بمباركة صناع القرار الصهاينة على كل المستويات، وأيضا مباركة الرأي العام الصهيوني، إذ بارك الجنرال "باراك" رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق، عمليات الاغتيال، وحيا منفذيها معتبرا إياها تندرج في إطار سياسة الدولة لمكافحة الإرهاب، بينما اعتبر "موشيه كاتساف" اغتيال الكوادر الفلسطينية دفاعا عن النفس.

فيما يعد قرار المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر يوم 3 يوليو/ تموز 2001، الخاص بسياسة الاغتيالات هو الأوضح والأخطر على مواصلة سياسة الاغتيالات والتصفيات ضد ناشطين فلسطينيين، ثم يعود ويقرر في 1 أغسطس عام 2001، مواصلة سياسة الاغتيالات للناشطين الفلسطينيين، موضحا أنه لا أحد من الفلسطينيين محصن أمام الاغتيالات، كما يؤكد شارون أن سياسة الاغتيالات التي انتهجت في مواجهة الانتفاضة الفلسطينية، أفضل السياسات التي تلبى احتياجات إسرائيل الأمنية (16).

لماذا الاغتيال الآن؟

يأتي تصاعد عمليات القتل والاغتيال، كشكل يعبر عن حالة العجز الأمني لدى الصهاينة. ولقد عبرت الصحافة الإسرائيلية عن هذه الحالة من العجز بعبارات مجازية، مثل: "إنها رقصة الموت ومباراة بينج بونج مرعبة" (يديعوت أحرونوت في 29 يناير 2002)، تسببت في فيضان "أنهار الدم"، (إعلان رافضي الخدمة العسكرية، هاآرتس 8 فبراير 2002). "كما أدت إلى غوص في المياه الراكدة، وإلى الغرق في المستنقع الذي غرقت فيه قواتنا بدءا من الثمانينيات" (في إشارة واضحة للمستنقع اللبناني). وتشير الصحف الإسرائيلية إلى العام الأول للانتفاضة بأنه عام "مضرج بالدماء"، (معاريف 10 فبراير 2002)، "وأنه الأسوأ في تاريخ إسرائيل في كل ما يتعلق بمواجهة الإرهاب" (معاريف 11 فبراير 2002)؛ وقد وصف أحد الكتاب الموقف بهذه العبارة الدالة "صغيرة هي المسافة بين الخوف والذعر، والجمهور الإسرائيلي يعيش بين هذا وذاك" (معاريف 10 فبراير 2002)(17).

ولقد وصل العقل الإسرائيلي إلى حالة "ابن بريرا"، وهي عبارة تعني "لا خيار"، وكانت تعني في الماضي أن المستوطن الصهيوني محكوم عليه بالدخول في حروب مستمرة، الواحدة تلو الأخرى لمدة طويلة، ولكن الاعتقاد الصهيوني الراسخ هو أن ثمة مخرجا في نهاية النفق المظلم من خلال ما يسميه الفكر الأمني الإسرائيلي "الحائط الحديدي"، أي أن يبني المستوطنون حائطا حديديا حول أنفسهم لا يمكن للعرب اختراقه؛ وهو ما يضطرهم للرضوخ للأمر الواقع، والاقتناع بأنه لا يمكن هزيمة هؤلاء الوافدين.

ولكن بدلاً من الحائط الحديدي، ظهرت عبارة "العجز الأمني"؛ فهي حالة "ابن بريرا" دون أمل، أو كما يقول أحد الكتاب في (معاريف 30 يناير 2002) : "إن المجتمع الإسرائيلي يشعر باليأس مثل قطيع بلا راع، محاط بذئاب مجنونة"؛ أو كما قال آخر في "يديعوت أحرونوت" (11 نوفمبر 2001).. "ليلة سعيدة أيها اليأس.. والكآبة تكتنف إسرائيل". لذا تأتي عمليات الاغتيالات الآن تعبيراً عن حالة من حالات العجز الصهيوني وقلة الحيلة، واختصار الطريق لتحقيق أهداف باتت بعيدة في ظل الانتفاضة الفلسطينية التي اشتعلت بضراوة، ولم تخب بعد؛ والتي كان من شأنها أن تهدد نظرية الأمن الصهيوني، ومفهومه، هذا المفهوم الذي يعد مركزيا بالنسبة لإسرائيل. وتبعا لعبارة تقليدية لوزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق "موشي ديان": "ليس لدى الدولة الصغيرة سياسة خارجية، وإنما فقط سياسة أمنية".

أعلن باراك أن الحرب ضد الفلسطينيين، منذ بداية "انتفاضة الأقصى"، هي المعركة الأخيرة في الحرب من أجل أرض إسرائيل، وأن حدود إسرائيل في هذه المعركة هي حيث يجري وضع آخر تجمع استيطاني، وأن إسرائيل على أعتاب وضع جديد، وأنه لم يعد هناك شريك للسلام بين الفلسطينيين، ويجب ضرب الأهداف الفلسطينية والقيادات الفلسطينية بقوة. أما شلومو بن عامي فقال: "إن المجابهات الجارية مع الفلسطينيين هي المعركة الأخيرة الأكثر حسما، منذ عام 1948".

وتأتي عمليات الاغتيال حاليا كنمط من أنماط التدابير الاحترازية التي تلجأ إليها قوات الاحتلال الصهيوني، وأجهزتها الأمنية، في مواجهة القيادات والنشطاء الخطرين على أمن إسرائيل، كما تتخذ كإجراء وقائي، وأيضا كعقوبة لمن قام بالتخطيط والتنفيذ لعمليات ضد العدو الصهيوني. تستخدم قوات الاحتلال عمليات التصفية الجسدية بحق الشعب الفلسطيني، كردع وإرهاب للمواطنين لحملهم على عدم المشاركة في أعمال المقاومة، كما تعتبر تلك العمليات رد فعل على أعمال المقاومة والعمليات الاستشهادية التي باتت تمثل تهديدا إستراتيجيا للكيان الصهيوني.

تطوير أدوات الاغتيال

نجحت الأجهزة الأمنية في تطوير أساليب وأدوات الاغتيال، فمثلاً عمليات التفجير اللاسلكي، تعتبر إحدى وأخطر وسائل الاغتيال، وتطلق عليها المخابرات الإسرائيلية "حرب الأشباح"، على الرغم من استخدامها من قبل، فإنها أصبحت أكثر تقنية ودقة، وتمتاز هذه الوسيلة بأنها تضمن أمن المنفذين بوجودهم بعيدين عن مكان التفجير، كما تضمن وقوع الانفجار في اللحظة المناسبة التي يكون فيها "الهدف" ضمن مدى وتأثير وضرر الانفجار؛ وهذا ما يميزها عن عملية التفجير بالتوقيت التي تستخدم لضرب الأهداف المتحركة، ويتكون نظام التفجير عن بعد من:

1- جهاز لاسلكي يبث موجات لاسلكية ذات ترددات معينة.

2- جهاز لاسلكي مستقبل يعمل على ترددات الجهاز المرسل.

3- عبوة ناسفة أو قذيفة.

4- صاعق كهربائي موجود داخل العبوة الناسفة أو في جهاز إشعال الحشوة الرافعة للقذيفة، مربوط مع الجهاز المستقبل.

5- فخ لمنع فك الجهاز المستقبل أو العبوة الناسفة في حال اكتشافها.

6- راصد يستطيع رؤية الهدف وتحديد لحظة وصوله إلى المنطقة المحددة، ويكون على اتصال مباشر مع حامل الجهاز المرسل سواء كان الاتصال لاسلكيا، أم هاتفيا، أم بالنظر، أم بأية وسيلة ضوئية أخرى(18).

شهدت كل هذه المكونات في عملية الاغتيال اللاسلكي تطورات تقنية مهمة، ساعدت في اغتيال القادة والنشطاء من مهندسي الانتفاضة الفلسطينية الثانية. كذلك ثمة مجموعات من المستعربين من جيش الاحتلال الصهيوني، يطلق عليهم "القوات الخاصة" يعيشون في قرية هي نموذج يشبه القرى الفلسطينية، شيدها جيش الاحتلال، ليتدرب فيها أفراد "القوات الخاصة" على نمط الحياة الفلسطينية، وعادات وتقاليد أهل الضفة والقطاع، حتى لا يثيروا الشكوك في شخصياتهم عندما يقومون بأعمال اختطاف واغتيال داخل المجتمع الفلسطيني الحقيقي(19).

يعود ظهور وحدات المستعربين الخاصة إلى عام 1987، حيث ظهر جنود إسرائيليون متنكرون بالزى العربي، وأطلقوا النار على بعض نشطاء المقاومة؛ وقد كشف إيهود باراك عن وجود وحدات تسمى "دوفدفان" و"شمشون" تتغلغل داخل المجتمع الفلسطيني، للقضاء على ما أسماه "النواة الصلبة للانتفاضة"(20).

تعتبر وحدات المستعربين أهم الوحدات الخاصة لدى الاحتلال الصهيوني، حيث إن عمليات الاعتقال، والاغتيال تتطلب جرأة، وشجاعة، مما يتطلب اختيار هذه العناصر، بعناية، وبشروط خاصة، مثل إجادة اللغة، وبخاصة اللهجة الفلسطينية العربية، وإطلاق النار، وأن يكون أفرادها قريبي الشبه بالفلسطينيين من حيث الملامح، والملابس، حسب الحالة، كما أنهم يتلقون تدريبات مستمرة في مناطق معدة لتحاكي واقع المجتمع الفلسطيني، ويتم تسليح أفراد هذه الوحدة ببنادق أوتوماتيكية صغيرة. وتعد الوحدة لمهمة اختطاف واعتقال أو تصفية المواطنين الفلسطينيين، الذين تعتقد سلطات الاحتلال الإسرائيلي بأنهم يشكلون خطرا على أمنها، حيث اشتركت تلك القوات في اغتيال أكثر من 200 ناشط فلسطيني، منذ عام 1987 حتى عشية اندلاع انتفاضة الأقصى.

وقد تعرضت تلك الوحدات، لعدة إخفاقات جعلتها مثار سخرية وانتقاد من الصحافة الصهيونية؛ الأمر الذي أدى إلى تقليص نشاطها عدة مرات، وتغيير قياداتها بعد كل عملية فاشلة. ومن أشهر تلك العمليات عمليات "عصيرة الشمالية" قبل بدء انتفاضة الأقصى التي استهدفت اغتيال الشهيد "محمود أبو هنود" الذي نجا منها، بعد أن نجح في قتل 3 من ضباط هذه الوحدات وإصابة آخرين(21).

وقد كشفت الصحف العبرية عن أن جيش الاحتلال يقوم باستخدام وحدات سرية جديدة، في مطاردة المسلحين الفلسطينيين في الضفة الغربية، ويطلق على هذه الوحدات اسم "دوفدفان" -نسبة إلى أحد الطيور الجارحة- وأن الجيش الإسرائيلي أعاد تشكيل الفرق السرية الخاصة التي أسهمت في اغتيال ناشطي الانتفاضة الأولى.

وقد عادت تلك الوحدات إلى نشاطها، بقوة كبيرة، خلال عملية "الجدار الواقي"؛ ما تسبب في اعتقال واغتيال العشرات من القادة الفلسطينيين، ولعل من أبرز عمليات الاعتقال التي قامت بها اعتقال أمين سر حركة فتح في الضفة الغربية "مروان البرغوثي". يقول أحد ضباط وحدة المستعربين "دوفدفان" الذي تم تسريحه بعد أن شارك في مئات العمليات، منها عمليات اغتيال غير قليلة: "لا يجب اعتباري قاتلا محترفا وأنا لست مقاتلاً مأجوراً للمافيا.. إن قرار الاغتيال يكون من صلاحيات المستوى السياسي وحده". ويضيف: "إن طريقة الاغتيال سواء كانت سكينا أو مسدسا، أو صاروخاً من مروحية، يكون باختيار طريقة العمل لكي تتلاءم مع الوضع على الأرض؛ وفي أغلب الأحيان يكون هذا قائما على معلومات استخبارية محددة، وتأتي التعليمات لنا بألا نخاطر بأنفسنا، وعلينا عندما نقوم باعتقال أحد المطلوبين إطلاق النار عليه فورا إذا ما قام بأي رد فعل".

إن هذه الوحدات لا تتورع في ارتكاب أفظع الانتهاكات، لا سيما أن عملياتها سرية، ولا تخضع لأية ضوابط أو قوانين. وقد وظفت دولة الاحتلال جيشها بكل وحداته وأسلحته وتقنياته العالية، في حربها الشاملة ضد الشعب الفلسطيني، واستخدمت تقنيات عالية ومتطورة في عمليات الاغتيال(22).

جدول يوضح اغتيالات نشطاء وكوادر الانتفاضة الثانية التي تنفذها إسرائيل

(المصدر: مختارات إسرائيلية – العدد 97، يناير 2003، "القاهرة")    

الانتماء التنظيمي للنشطاء

عدد العمليات

الشهر

مجهول الانتماء

الشعبية

الديمقراطية

الجهاد

حماس

فتح

 

 

لا يوجد

لا يوجد

لا يوجد

لا يوجد

1

6

7

نوفمبر 2000

لا يوجد

لا يوجد

لا يوجد

2

3

3

9

ديسمبر 2000

لا يوجد

لا يوجد

لا يوجد

لا يوجد

لا يوجد

2

2

يناير 2001

لا يوجد

لا يوجد

لا يوجد

لا يوجد

1

لا يوجد

1

فبراير 2001

لا يوجد

لا يوجد

لا يوجد

لا يوجد

لا يوجد

لا يوجد

لا يوجد

مارس 2001

لا يوجد

لا يوجد

لا يوجد

2

2

5

9

إبريل 2001

1

لا يوجد

لا يوجد

1

2

5

9

مايو 2001

لا يوجد

لا يوجد

لا يوجد

1

لا يوجد

1

2

يونيو 2001

2

لا يوجد

لا يوجد

3

10

6

21

يوليو 2001

1

1

لا يوجد

لا يوجد

2

1

5

أغسطس 2001

لا يوجد

1

لا يوجد

لا يوجد

لا يوجد

1

2

سبتمبر 2001

لا يوجد

لا يوجد

لا يوجد

لا يوجد

6

3

9

أكتوبر 2001

3

لا يوجد

لا يوجد

لا يوجد

6

2

11

نوفمبر 2001

1

لا يوجد

لا يوجد

لا يوجد

1

1

3

ديسمبر 2001

لا يوجد

لا يوجد

لا يوجد

لا يوجد

5

لا يوجد

5

يناير 2002

لا يوجد

لا يوجد

4

لا يوجد

3

1

8

فبراير 2002

3

لا يوجد

لا يوجد

5

1

4

13

مارس 2002

لا يوجد

لا يوجد

لا يوجد

لا يوجد

8

3

11

إبريل 2002

2

لا يوجد

لا يوجد

لا يوجد

لا يوجد

5

7

مايو 2002

لا يوجد

لا يوجد

لا يوجد

1

9

1

11

يونيو 2002

لا يوجد

لا يوجد

لا يوجد

1

2

2

5

يوليو 2002

4

1

لا يوجد

لا يوجد

2

7

14

أغسطس 2002

3

لا يوجد

لا يوجد

1

4

لا يوجد

7

سبتمبر 2002

20

3

4

17

68

59

176

المجموع

يتضح من الجدول أن "حماس" نالت النصيب الأكبر من الاغتيالات الإسرائيلية على مدى العامين الأولين من عمر الانتفاضة الثانية، حيث كان نصيب "حماس" (68)، تلتها فتح (59)، فالجهاد (17)، والديمقراطية (4) فالشعبية (3) فيما كان نصيب مجهولي الانتماء (20). 

إن القراءة في الجدول، تعطينا دلالات عدة، مهمة. فقد شهد شهر يوليو 2001، أوسع عمليات الاغتيال، أي بعد نجاح إريل شارون في انتخابات رئاسة الوزارة الإسرائيلية بخمسة أشهر؛ ومنذ تسلم شارون هذه الرئاسة ارتفع معدل المغتالين على مدى الأشهر الثلاثة الأولى، التي تولى فيها هذا المنصب إلى 9 نشطاء، فيما كان نصيب سلفه، إيهود باراك الرقم نفسه (9) خلال ديسمبر 2000.

كما يتضح أن شارون حافظ على المعدل العالي للاغتيالات خلال أكتوبر ونوفمبر 2001، (9 و11 على التوالي)؛ وإذا كان المعدل قد انخفض في ديسمبر 2001، فذلك لأن شارون صب جام غضبه على مقرات ومروحيات الرئيس عرفات ومهابطها، ابتداء من الثاني من ديسمبر 2002، ولكنه بعد أن أنهى هذه المهمة عاد لتصعيد الاغتيالات.

إن جرائم الاغتيال في تصاعد مستمر، ففي العام الأول من الانتفاضة اقترفت قوات الاحتلال 41 جريمة اغتيال راح ضحيتها عدد 77 شهيدا بينهم 35 مستهدفا، أما العام الثاني فشهد ارتفاعا في حجم العمليات وبلغ عدد العمليات 50 جريمة اغتيال راح ضحيتها عدد 94 شهيدا بينهم 70 مستهدفا.

أوسلو وإعادة ترتيب الداخل

إن الفرز الذي قام على أرضية اتفاق أوسلو، أعاد من جديد تشكيل خريطة الحركة الوطنية الفلسطينية، وتشكلت من جديد القيادات الشعبية التي حاولت الالتصاق بالشعب، ورفعت شعارات ترفض أوسلو، وما جاء فيه، وتعلي من شأن المواجهة مع العدو، فيما القيادات السابقة، التي قدمت تنازلات غير مسبوقة، على موائد المفاوضات، تتراجع عن برامجها السابقة وطموحات شعبها. جاءت هذه التنازلات، بعد انسداد أفق مفاوضات منظمة التحرير مع الإدارة الأمريكية، وتمكن الهزيمة من نسبة غير قليلة من القيادات الفلسطينية.

وهرولة المنظمة نحو إسرائيل لها أسباب عديدة؛ لعل أولها خشية عرفات المتزايدة من الصعود الملحوظ في خط "حماس" في الضفة والقطاع، بما يهدد قيادة عرفات للحركة الوطنية الفلسطينية، وهي الخشية التي تحولت إلى فزع حقيقي، مع صدور تقرير البعثة الأمريكية التي زارت الضفة والقطاع، وقطعت بأن "حماس" تنظيم محكم، موحد سياسياً، بعكس فتح، وانتهى تقرير البعثة إلى تقديم نصيحة للإدارة الأمريكية بالتعامل مع "حماس" دون "فتح".

فيما تمثل العامل الثاني في تخوف عرفات من عدم توصل الوفد الفلسطيني، في مدريد وواشنطن إلى شيء ما، مع الوفد الإسرائيلي؛ وهو ما يسدل الستار على قيادة منظمة التحرير، لتسليم الأمر لقيادات الضفة والقطاع. وقد التقط عرفات مؤشرات عدة في هذا الصدد، خاصة بعد أن أخذ مربع "فتح" (في وفد مدريد واشنطن) "فيصل الحسيني، صائب عريقات، حنان عشراوي، وسري نسيبة" يخفي جوانب من أسرار المفاوضات عن عرفات؛ وهو ما أجبره، ذات مرة، إلى استدعاء الأربعة المومأ إليهم في تونس، وتأخيرهم عن موعدهم في واشنطن، في إشارة واضحة للإدارة الأمريكية إلى أن زمام الموقف الفلسطيني لا يزال بيد عرفات. لكن الإدارة الأمريكية ردت، في سرعة البرق، حين زار وزير الخارجية الأمريكية، آنذاك، وارين كريستوفر "بيت الشرق" في القدس، والتقى وفداً فلسطينياً، يتقدمه فيصل الحسيني، ونادى الوزير على الأخير: "سيدي الرئيس"!

أما عامل الدفع الثالث فكان توجس عرفات في احتمال عودة الملك حسين إلى الضفة الغربية، خاصة أن شتى الأحزاب الإسرائيلية تحبذ "الخيار الأردني"، على أن ما نقل التوجس إلى الخوف إقدام الملك حسين على التلويح مجددا بمشروع "المملكة المتحدة"(23). بيد أن فزع عرفات الأكبر كان من الرغبة المحمومة لدول الخليج – خاصة السعودية والكويت – لإنهاء قيادة عرفات في "فتح" و"منظمة التحرير" في آن، حتى يدفع ثمن موقفه المؤيد للاجتياح العراقي للكويت (1990 – 1991)، وقد أخذت المعارضة لقيادة عرفات تشتد، باطراد، داخل "فتح" و"المنظمة"، على حد سواء.

لذا تقدم عرفات إلى العدو الإسرائيلي بأقل الأسعار في مناقصة التسوية، فرست عليه المناقصة في أوسلو على النحو المعروف(24).

خرجت من رحم هذه المستجدات الثقيلة، وتبلورت حركات وفصائل الإسلام السياسي كالجهاد وحماس؛ وبعد خروج حماس من لعبة التفاوض، رفعت صوتها أكثر بمشروعها، وبرنامجها الوطني "تحرير كامل التراب"، ورفضت العدو "الكيان الصهيوني" تماما.

لذا كان من نصيب الجهاد الإسلامي، وحماس -بعد توقيع أوسلو- النصيب الأكبر من اغتيال كوادرها وقياداتها. وفجعت الجهاد باغتيال أمينها العام فتحي الشقاقى، وتتالى وقوع عدد من قياداتها التي رأت فيهم إسرائيل الخطر الحقيقي في هذه المرحلة. وما إن اندلعت انتفاضة الأقصى في الثامن والعشرين من سبتمبر/ أيلول عام 2000 حتى كانت قيادات حماس الهدف الأول لأجهزة الأمن الإسرائيلية، حيث تحملت هذه القيادات العبء الأكبر في تحريك الانتفاضة، وتوجيه دفتها التي فلتت من يد عرفات ورجاله.

لا شك أن الفرز الذي جرى على أرضية أوسلو بالنسبة للفصائل الفلسطينية يعد بمثابة المصدر الرئيسي لمأزق هذه الفصائل الحالي، والذي ظهر جليا في حوارات غزة والقاهرة (الفلسطينية – الفلسطينية)، من أجل قيام وحدة وطنية فلسطينية، والتي لن تتحقق إلا بعد أن تكف السلطة عن اتهام الفصائل بالانتقائية في تنفيذ قرارات السلطة (منطق الأبيض والأسود)، والكف عن التعامل مع الفصائل بصيغة "قررنا نحن وقف إطلاق النار"، وأن تحترم الفصائل، القيادات المنتخبة، وتلتف حولها، مع صياغة مشروع وبرنامج مرحلي يرتضيه الجميع في شكل ديمقراطي حقيقي. ذلك يساعد على قيام "الجبهة الوطنية الفلسطينية" التي من شأنها التصدي للعدو الصهيوني، وحماية رجالها من الاغتيال والتصفية، سوف تقلل اختراق الصف الفلسطيني، وسوف تكون أكثر كفاءة في التعامل مع الآخر.

لقد ادعت إسرائيل أن سقوط المدنيين الفلسطينيين ضحايا على هامش عمليات الاغتيال أمر غير مقصود، وهي حجة غير مقبولة في ظل حقيقة امتلاك إسرائيل معلومات استخبارية دقيقة وتقديرات توضح وتؤكد سقوط ضحايا مدنيين. فحينما جرت جريمة اغتيال الشيخ "صلاح شحادة" ورفيقه "زاهر نصار"، بتاريخ 22 يوليو/ تموز 2002، أودت بحياة 14 مدنيا عزلا، بينهم 8 أطفال أبرياء، وأصابت 77 مدنيا آخرين، بجروح خطيرة، كما أسفرت عن هدم 11 منزلاً هدماً كلياً وأصيب 22 منزلاً بأضرار جزئية(25).

نلاحظ أيضاً من الجدول أن فتح تمثل المرتبة الثانية، من حيث نصيبها في اغتيال قياداتها ونشطائها، وهذا يعطينا دلالة مهمة، تتلخص في الانفصال داخل الحركة ورفاهية القيادة التاريخية، وأن حالات الاغتيال تقع في قيادات الصف الثاني "الحركية" في كل الحالات، كما تدل على حجم الأزمة التي تعيشها والحركات الفلسطينية، وفصائلها، والانفصال الذي بات واضحا بشكل عام بين القيادات والقواعد، وأيضاً استشراء الفساد داخل السلطة ومؤسساتها بالذات.

انتهاك الشرعية الدولية

تعد عمليات الاغتيال والتصفية الجسدية التي تنتهجها قوات الاحتلال الصهيوني انتهاكاً صارخاً لكل القوانين والمواثيق، والأعراف الدولية، التي تؤكد على الحق في الحياة، كأحد الحقوق الأساسية للإنسان. رغم ذلك انتهجت الصهيونية سياسة القتل خارج القانون بطريقة منتظمة، ومحكمة طبقاً لتخطيط مسبق، للقضاء على جميع الكوادر والنشطاء الفلسطينيين الذين يقفون حجر عثرة في وجه الاحتلال الغاشم، ولا شك في أن حكومة الاحتلال الصهيوني تنتهك المواثيق الدولية كافة، بما تقترفه من عمليات اغتيال وإعدام، فردية وجماعية مما يعد جرائم حرب، تجرمها أحكام وقواعد القانون الدولي الإنساني الذي يؤكد على الحق في الحياة، كأحد الحقوق الأساسية للإنسان، فقد نصت "المادة 3" من اتفاقية جنيف الرابعة المؤرخة في 12 أغسطس 1949 على أن تحظر فيما يتعلق بالأشخاص المذكورين "المحميين"، وتبقى محظورة في جميع الأوقات والأماكن. فهي تحظر الأفعال التالية: الاعتداء على الحياة، والسلامة البدنية، وخاصة القتل بجميع أشكاله، والتشويه للمحميين في جميع الأحوال، حق الاحترام لأشخاصهم، وشرفهم وحقوقهم العائلية، وعقائدهم الدينية، وحمايتهم بشكل خاص، ضد جميع أعمال العنف والتهديد.

كما أن "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان" نص في مادة "3" منه على أن "لكل فرد الحق في الحياة والحرية وفى الأمان الشخصي".

وتؤكد مادة (7) من "العهد الدولي لحقوق المدنية والسياسية" على أن الحق في الحياة حق مكفول لكل إنسان وعلى القانون أن يحمي هذا الحق، ولا يجوز حرمان أحد من حياته تعسفاً، وتنص مادة (4) من العهد نفسه على أنه لا يجوز الانتقاص من حق الحياة، حتى في أوقات الطوارئ العامة، التي تهدد حياة الأمة(26).

تعد سياسة الاغتيالات التي تنتهجها إسرائيل ضد الفلسطينيين وفقاً لمبادئ القانون الدولي العام، والإنساني مندرجة في نطاق حالات الإعدام غير القانوني، أو الإعدام دون محاكمة، وحالات القتل العمد والإرهاب، ومن ثم تتحمل إسرائيل المسئولية الجنائية والمدنية عليها في آن واحد. وما تقوم به سلطات الاحتلال من انتهاكات وعمليات تصفية يعطي الفلسطينيين -كمتضرر من هذه الانتهاكات- الحق في المساءلة المدنية لكيان الاحتلال الإسرائيلي، وطلب تعويض الأفراد المتضررين، ولا تعفى إسرائيل بتنفيذها تلك الطلبات، أي الوقوف الفوري لأعمالها غير المشروعة، من مسئولياتها الجنائية الدولية؛ لأن الشق الجنائي لا يسقط بتنفيذ الشق المدني. من ثم يكون من حق الفلسطينيين ملاحقة ومساءلة الآخرين، الذين أمروا بارتكاب تلك الجرائم على أرضها، سواء كانوا عسكريين، أو ساسة أو رجال دولة، ولا يسري سقوط الجريمة أو العقوبة بالتقادم المعمول به في التشريعات الجنائية الداخلية على الجرائم الدولية، وهذا يعد من أهم الضمانات التي تضمن للشعب الفلسطيني حقه(27).

يتضح أن عمليات الاغتيال والقتل التي ينفذها العدو الصهيوني في حق المدنيين الفلسطينيين تعتبر انتهاكا لكل المواثيق والأعراف الدولية، كما أنها انتهاك صارخ لكل المواثيق والأعراف الدولية، كما أنها انتهاك صارخ لقواعد حقوق الإنسان، التي تؤكد على الحق في الحياة، وتحرم إعدام المدنيين.

التباينات بين الفترتين

إن فكرة الاغتيالات ذات جذور قديمة في الفكر اليهودي.. حيث إن تحقيق الحلم الصهيوني، يبرر كل جريمة، سواء الاغتيال أو الترحيل أو التجريف والهدم، أو غيرها من الجرائم. والاغتيال لدى الكيان الصهيوني، ليس حالة طارئة أو أسلوبا مرحلياً، بل سياسة يشجعها القادة الصهاينة وكثير من المسئولين في الدولة العبرية، ويبيحها القانون الإسرائيلي، بذريعة محاربة الإرهاب.

ولقد استخدمت قوات الاحتلال، وأجهزة الأمن الإسرائيلية خلال الفترتين، وسائل وتقنيات متطورة، ومتعددة، بداية بإطلاق النار على الأشخاص، وعمليات القتل والتصفية في المنازل، مرورا بعمليات تصفية بواسطة القناصين، وصولاً إلى إطلاق الصواريخ بواسطة "طائرات الأباتشي" وطائرات "إف 16" على السيارات والمنازل، والمكاتب.. وهناك عمليات الاقتحام والتصفية بواسطة الوحدات الخاصة، والهواتف والسيارات المفخخة وزرع العبوات الناسفة، واستخدام الوسائل التقليدية كالسم، عن طريق الخونة، وتجنيد العملاء.

هناك عدة تباينات بين الفترتين من أبرزها:

- وقوع الاغتيالات في الخارج أكثر من الداخل، خلال الفترة الأولى (1948 – 1993)، والعكس بالنسبة للفترة الثانية (العامين الأولين من عمر الانتفاضة)، ويرجع ذلك إلى التغير الحاصل على ساحة المقاومة الفلسطينية، ورجوعها إلى الأراضي المحتلة، في ظل "سلطة الحكم الذاتي الإداري المحدود".

- كان النصيب الأكبر من الاغتيالات لنشطاء م.ت.ف وحركة فتح، خلال الفترة الأولى، أما خلال الفترة الثانية كان النصيب الأكبر من الاغتيالات لقيادات ونشطاء حركة حماس.

- الاعتماد على وحدات المستعربين خلال الفترة الثانية أكثر من الفترة الأولى.

- شهدت الفترة الثانية عددا أكبر من عمليات الاغتيال، يفوق أضعاف ما وقع في الفترة الأولى، رغم التباين الواضح بين المساحتين الزمنيتين، ويرجع ذلك لسببين: الأول: باتت الأهداف أكثر سهولة الآن عما سبق؛ لأن المقاومة أصبحت في جوف الاحتلال. الثاني: تهديد الانتفاضة لنظرية الأمن الإسرائيلي، إلى حد كبير، بالإضافة إلى أن الاغتيال في الخارج، يكون أكثر كلفة منه في الداخل.

- خلال الفترة الأولى، جاءت عمليات الاغتيال، بناء على إستراتيجية للتخلص من نشطاء وقيادات م.ت.ف، أما في الفترة الثانية جاءت في الأغلب كرد فعل، وبخاصة لردع العمليات الاستشهادية ومحركيها. فمثلاً نجد شهر يوليو من العام 2001، الذي وقعت فيه أكبر عملية استشهادية في مطعم وملهى "الدولفين"، أعقبتها أوسع عمليات اغتيال في العامين الأولين من عمر الانتفاضة.

وتجدر الإشارة إلى أنه هناك عدة عوامل تساعد على التقليل من عمليات الاغتيال للقادة والنشطاء الفلسطينيين من بينها:

- دراسة أساليب، واتجاهات، وأدوات العدو، تقلل من وقوع القيادات الفلسطينية في شباك وبراثن مؤامرات الاغتيال.

- قيام جبهة وطنية فلسطينية موحدة، يقلل من اختراق الصف الفلسطيني، ويعوق حوادث الاغتيال، وبخاصة في الداخل.

- إعادة النظر في العمليات العسكرية خارج حدود 1967، على الأقل كشكل مرحلي.  

اقرأ أيضًا:


* المصادر :

1- يوسف حجازي: سلسلة أيام فلسطينية في القرن العشرين، المركز القومي للدراسات والتوثيق، غزة، ط1، 1999.

2- عبد القادر شهيب: الموساد وسقوط الأسطورة، الهيئة العام المصرية للكتاب، القاهرة، ط1، 2002.

3- صحيفة الوفد، القاهرة: 11، 12، 13، 14، 15/4/1999.

4- روزاليوسف "القاهرة": 25/5/1988.

5- هاآرتس "تل أبيب": 17/3/1998.

6- www.pna. net

7- www. sis. gov. ps

8- www.palestine-pms.com 

(1)- عبد القادر ياسين: الحركة الوطنية الفلسطينية، دار الحكمة، القاهرة، ط، 2002، ص 50.

(2)- المرجع نفسه: ص 50.

(3)- المرجع نفسه: ص 51.

(4)- المرجع نفسه: ص 72.

(5)- سعيد الجزائري: التصفيات السياسية في العالم، دار الجبل، بيروت، 1993 الجزء الأول، ص 237.

(6)- المرجع نفسه: ص 238.

(7)- د. رفعت سيد أحمد: نجوم فوق الجبين، مركز يافا للدراسات والأبحاث، القاهرة، ط1، 1999، ص15.

(8)- هاآرتس، (تل أبيب): مارس 1998.

(9)- عبد القادر ياسين: الموساد وسقوط الأسطورة، الهيئة العامة المصرية للكتاب (القاهرة)، ط1، 2002، ص 89.

(10)- المرجع نفسه: ص90.

(11)- معاريف (تل أبيب) : 16 مارس 1999.

(12)- هاآرتس (تل أبيب): 26 أغسطس 1998.

(13)- المرجع نفسه: ص 100.

(14)- المرجع نفسه: ص 101.

(15)- المرجع نفسه: ص 91.

(16)- معاريف: 2 أغسطس 2001.

(17)- د. عبد الوهاب المسيري: من الانتفاضة إلى حرب التحرير الفلسطينية، مركز الإعلام العربي، القاهرة، ط1، 2002، ص 19.

(18)- سعيد الجزائري: ملف الثمانينات عن حرب المخابرات، دار الجيل، بيروت، 1989.

(19)- www.qassam.com

(20)- المرجع نفسه.

(21)- آمال الخزامي: عامان من جرائم القتل الإسرائيلي، مختارات إسرائيلية، العدد 97 يناير 2002، مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام، القاهرة، ص 173.

(22)- المرجع نفسه: ص 175.

(23)- عبد القادر ياسين: مرجع سبق ذكره، ص 76.

(24)- المرجع نفسه: ص 77.

(25)- المرجع نفسه: ص 78.

(26)- المجلد الأول لحقوق الإنسان: إعداد محمود شريف بسيوني، وآخرون، دار العلم للملايين، "بيروت"، ط 1988، ص 18-19.

(27)- صحيفة الحياة "لندن"، 20 أغسطس 2001.


** كاتب سياسي.

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

بث مباشر: 11/11

أدلة وخدمات

 


إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين


من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع