|
يصب
في خطة شارون "الجهنمية"
اغتيال
ياسين.. تحد للقمة العربية
|
|
محمد
جمال عرفة
**
|
23/03/2004
|
 |
|
اغتيال
ياسين هل يباعد بين الحكومات
العربية وشعوبها؟
|
كأن
القمة العربية لا يكفيها مشاكلها
وخلافات رؤساء دولها الـ22؛ فجاء شارون
ليضرب ضربته في هذا التوقيت بالذات
ليصطاد عدة عصافير بحجر واحد.. ليضمن
مزيدا من الشقاق في الموقف العربي
الرسمي (بين القادة)، ومزيدا من
التباعد بين الحكومات الرسمية وشعوبها
التي تنتظر سرابا لا يتحقق من
حكوماتها، وربما مزيدا من البلبلة
والتشتت بين القوى الفلسطينية
المختلفة وأجنحتها العسكرية في ظل
غياب صمام أمان مثل الشيخ الشهيد ياسين.
فليس
هناك من شك أن ياسين كان على لائحة
الاغتيال دوما، وهو نفسه رحب بها قبل
أن ينالها بأيام، وليس هناك شك أيضا أن
شارون اختار هذا التوقيت قبل عقد القمة
بأسبوع، والمفترض أن تبحث مشروعا
جديدا لترتيب البيت العربي "العمل
العربي المشترك"؛ كي يزيد البلبلة
والتخبط في الطرف العربي، ويضع قادتها
أمام تحديات مصيرية، سواء بتجاهل ما
يجري حولهم والمضي قدما في جدول
الأعمال مع مزيد من الشجب والاستنكار،
أو الاستجابة لرغبات الشارع في التشدد.
بعبارة
أخرى: من المفترض في القمة العربية
القادمة رقم 19 في تونس أن يجدد العرب
"مبادرة السلام العربية" التي سبق
أن أطلقتها قمة بيروت عام 2002، ويعيدوا
إطلاقها بزخم أكبر، رغم أنهم عندما
أعلنوها أول مرة عام 2002 رد عليها شارون
باجتياح كل مدن الضفة الغربية وإعادة
احتلالها، ولكن اغتيال الشيخ ياسين
وغضب الشارع العربي غيّرا الكثير من
معطيات الواقع، وأصبح مطلب الشارع
العربي الأول هو الرجوع عن استجداء
السلام ما دامت إسرائيل ترد عليه
بازدراء وتجاهل.. فماذا ستفعل الحكومات
إزاء هذا المأزق؟ وهل تستمر في تبني
سلام يرفضه الإسرائيليون؟
فلو
تجاهلت الحكومات الموقف الشعبي
واستمرت في "جدول الأعمال" فسوف
تعمق عدم الثقة بينها وبين شعوبها،
والمسألة في نهاية الأمر تتطلب جهدا
كبيرا لاسترداد ثقة الشعوب بها،
ومزيدا من التشدد مع الموقف الصهيوني،
على الأقل بوقف علاقات التطبيع
المختلفة الأشكال والألوان التي
تقيمها 11 دول عربية و23 دولة إسلامية مع
تل أبيب.
ومن عادة الصهاينة -في علاقاتهم مع
العرب- السعي للوقيعة بين الحكومات
العربية وشعوبها عبر تحركات خبيثة
تأتي غالبا عقب اللقاء بين رؤساء
الوزراء الصهاينة والقادة العرب
لإحراجهم أمام شعوبهم، كما فعل بيجين
مع السادات عندما قرر ضم القدس رسميا
في الكنيست لإسرائيل عقب لقائه مع
الرئيس السادات في الإسماعيلية بساعات.
وقد
حدث الشيء نفسه مع العاهل الأردني
الملك عبد الله الثاني الأسبوع الماضي
عندما زار شارون في مزرعته في النقب،
وبعدها بأيام اغتال شارون الشيخ ياسين
ليثير لدى الرأي العام التساؤل عما إذا
كان شارون قد بحث مع عبد الله اغتيال
ياسين أم لا؟
بل..
وكاد الأمر يحدث مع مصر نفسها التي
تحدث سفير إسرائيل فيها "إيلي شاكيد"
عن تجديد للعلاقات وتحسن وتبادل
اقتصادي، عندما قرر البرلمان المصري -رغما
عن معارضة نواب كثيرين- إيفاد وفد
برلماني للمشاركة في احتفالات الكنيست
بمرور 25 عاما على توقيع معاهدة السلام
في 26 مارس 1979، لولا أن اغتيال ياسين جاء
قبل سفر الوفد المصري بساعات، فأعلن
الرئيس المصري إلغاء المشاركة في
الاحتفالات.
مطلوب
رد من القادة العرب
واللافت
أن المطالب المتزايدة للقادة العرب في
قمة تونس بموقف متشدد تجاه الصهاينة لم
تعد هذه المرة وقفا على الشارع العربي
أو المعارضين، ولكنها باتت مطلبا حتى
لمسئولي الجامعة العربية أنفسهم بعدما
أصبحوا مشجبا تعلق عليهم دوما أخطاء
الحكومات.
فقد
دعت الجامعة العربية بالقاهرة يوم 22
مارس الجاري القادة العرب للرد على
الجرائم الإسرائيلية، وإرسال رسالة
إلى تل أبيب ردا على رسائل تل أبيب التي
تصل للعرب، وتؤكد رفض إسرائيل للسلام.
وقال
الأمين العام للجامعة العربية
بالإنابة سعود الزبيدي في تصريحات
للصحفيين بمقر الجامعة: "عملية
الاغتيال التي قامت بها إسرائيل تثبت
للقادة العرب رفض إسرائيل للسلام؛ مما
يدفعهم إلى الخروج برد قاطع من مؤتمر
القمة المقرر عقده في تونس في أواخر
الشهر الحالي".
وقال:
"آن الأوان لأن تسلك قياداتنا مسلكا
آخر، وتنتهج نهجا آخر بعد أن أفصحت
إسرائيل عن رفضها الباتّ والجاد
والقاطع للسلام، وعلى قياداتنا أن
تستوعب الدرس، وأن تخرج من هذه القمة
برد قاطع محدد".
وأضاف:
"إسرائيل بنَتْ إستراتيجيتها على
العنصرية والانتقاء، وعلى أن تستولي
على كل فلسطين.. إسرائيل لن تقبل
بالسلام مع العرب حتى تستشعر بالخطر
العربي الحقيقي عليها وعلى كيانها،
وما غير ذلك فهو هراء".
ولعلها
من المرات القلائل التي يخرج فيها مثل
هذه التصريحات الرسمية التي تزيد من
العبء على القادة العرب في قمة تونس
بجانب المظاهرات الشعبية التي ملأت
الدول العربية، وكان لسان حالها يقول
للقادة العرب: كيف استقبلتم هدية شارون
بقتل القائد ياسين؟! وكيف ستردون
عليها؟!
لقد
تميزت مظاهرات يوم 22 مارس 2004 للتنديد
باغتيال الشيخ ياسين في عدة دول عربية -منها
فلسطين- على غير العادة بمظاهر جديدة
غير إحراق العلم الإسرائيلي أو
الأمريكي أو حمل نعش للجامعة العربية؛
ففي هذه المرة شاهدنا عبر شاشات
التلفزيونات متظاهرين يدمرون ويحرقون
مجسما مكتوبا عليه "جامعة الدول
العربية"، وهي دلالة بالغة على أن
الجميع بات يعتبر الجامعة أمرا لا
اعتبار ولا أهمية له ولا وجود.
وخطورة
هذا التصور في المفهوم الفلسطيني
والعربي الشعبي أن "المقاومة هي
الحل" -كما رفع متظاهرون هذا الشعار-
وأن الحكومات لا تعبر عن الشعوب، ما
يفتح الباب في فلسطين على الأقل
لانفلات ربما غير محسوب وغير منظم في
عمليات المقاومة ينتج عنه شهداء
كثيرون.
هل
تضعف حماس؟
المسألة
الأخرى المهمة فيما يتعلق باغتيال
الشيخ ياسين هي السؤال عما إذا كان
اغتيال الشيخ الشهيد سيضعف حماس أم لا؟
وهل يفتح الطريق لفتنة داخلية واقتتال
داخلي كان الشيخ يمثل صمام أمن له
ومرجعية تلزم الجميع بخطوط حمراء أم
لا؟
ومع
أن الأمر يبدو محسوما إذا ما اعتبرنا
أن الحديث يدور عن حركة منظمة وملتزمة
مثل حماس وليست فوضوية، وأن مسألة ضعف
الحركة أو إصابتها بالشلل مشكوك فيها؛
فهناك على الأقل تخوف من نوع ما من
الانفلات -لأسباب تنظيمية بحتة لا
علاقة لها بالالتزام الداخلي- داخل
الفصيل العسكري لحماس (كتائب عز الدين
القسام) في حالة استهداف الصهاينة
المزيد والمزيد من قادة حماس
السياسيين والعسكريين بما قد يخلق
حالة من البلبلة والانقطاع بين
الفصائل المقاتلة، وربما شبه انفصال
بين الجناح السياسي والجناح العسكري.
ومع
هذا يمكن القول بأن تغلغل حماس في
النسيج الاجتماعي الفلسطيني (جمعيات
خيرية، ومستشفيات، وتبرعات، ومشروعات
اقتصادية وغيرها) إضافة إلى أن إثبات
مواقف سابقة مدى الالتزام الديني
والأخلاقي والتنظيمي لدى أعضاء حماس
مقارنة بتنظيمات فلسطينية أخرى.. يفتح
الباب أمام نفي هذه الاحتمالات، ويقلل
مخاوف البعض من أن يحدث داخل حماس ما
حدث مع فتح مثلا عقب أوسلو واجتياح
الضفة من انفصال نسبي بين الأجنحة
السياسية والعسكرية؛ بحيث باتت
الأخيرة -مؤخرا- تتحرك بالمخالفة
لرغبات الأولى.
وربما
لهذه الأسباب وغيرها يرى خبراء
ومحللون فلسطينيون وأجانب أن اغتيال
إسرائيل للشيخ أحمد ياسين لن يحقق لهم (الإسرائيليين)
هدف القضاء على حركة حماس، وعلى النقيض
من ذلك فإنه قد يؤدي إلى تدفق تيار من
المجندين الجدد داخل صفوف الحركة
الإسلامية، ويعزز من موقفها المتشدد.
والغريب
أن الصهاينة يدركون هذا جيدا، وكتبوا
في وسائل إعلامهم (يديعوت أحرونوت: 23
مارس 2004) يؤكدون أن اغتيال الشيخ معناه
اغتيال الجناح المعتدل في الحركة!!
وقالوا:
إن الشيخ ياسين لم يكن مجرد قائد مؤسس
لحركة حماس، ورمزا بالنسبة لجميع
مؤيديها، ولكنه القائد "الذي كبح
جماح قادتها الآخرين، وهو الذي فرض
سيطرته على كل من الرنتيسي والزهار،
وهما الأكثر تشددا في مواقفهما، وتمكن
الشيخ ياسين من إقناع قادة الحركة
بالتوقيع على الهدنة، خلافا لرأي
غالبية كبار مسئولي الحركة من الخارج،
وجزء لا يستهان به من قادتها في الضفة".
بل
قالوا: إن اغتيال الشيخ ياسين قد قضى
عمليا وبصورة كلية على الجناح المعتدل
داخل حماس، خاصة بعد اغتيال إسماعيل
أبو شنب أيضا في سبتمبر الماضي الذي
كان بدوره -وفق تحليلات الإسرائيليين-
من المعتدلين؛ بحيث سيكون من الصعب
الآن على قيادة حماس -بدون الشيخ ياسين-
إقناع أعضاء حركة المقاومة الإسلامية
بالموافقة على اتفاق لوقف إطلاق النار
أو أي هدنة ترعاها مصر.
وربما
كان هذا سر غضب الرئيس المصري حسني
مبارك من اغتيال الشيخ ياسين؛ فقد كان
منزل الشيخ هو قبلة الوفود الرسمية
المصرية التي تذهب إلى غزة والضفة
للترتيب لأي هدنة، وغالبا ما كانت
الموافقة على الهدنة تخرج من بيت
الشيخ، في الوقت الذي يكون فيه قادة
آخرون من حماس يشددون على رفض الهدنة.
خطة
شارون الجهنمية
وهنا
يثور التساؤل: هل كان شارون يعلم كل
هذا؟، وأنه اختار قتل الرموز المعتدلة
في الحركة من جهة، وهذا التوقيت (البحث
في خطة الانسحاب من غزة) من جهة أخرى كي
يجد مبررا لاقتحام قطاع غزة وتوجيه
ضربة قاسية له على غرار ما فعله في
الضفة الغربية عام 2002؟
بعبارة
أخرى: هل سعى شارون -عبر اغتيال ياسين-
لضمان اشتعال المقاومة ووقوع تفجيرات
في المدن الإسرائيلية؛ بحيث تكون
مبررا لحملته المقبلة ضد قطاع غزة
ليسويه بالأرض -وفق تهديداته- قبل أن
ينسحب -حسب خطته- نهاية هذا العام؟
لقد
وضع قادة الأجهزة الأمنية الصهيونية
تصورا للانسحاب من غزة كما طلب شارون،
أبدوا فيه المخاوف من أن تعتبر حماس
هذا الانسحاب انتصارا لها كما حدث في
جنوب لبنان مع حزب الله، وأن يترتب على
هذا تقوية شوكة حماس في غزة، وتصعيد
للهجمات على المستوطنات تمهيدا
لانسحاب مماثل من مدن الضفة الغربية،
واقترحوا لهذا خططا لضرب غزة.
وقد
هدد بالفعل آفي ديختر رئيس جهاز
الشاباك (الأمن الداخلي) الإسرائيلي
يوم 24-2-2004 أمام لجنة العلاقات الخارجية
والأمن بالكنيست (البرلمان)
الإسرائيلي بشن هجوم عسكري واسع في
قطاع غزة قبل أي انسحاب محتمل؛ بحجة
"شل قدرة المقاومة الفلسطينية على
شن هجمات بالصواريخ على المدن
والبلدات الإسرائيلية".
كما
تحدث قادة عسكريون صهاينة عن خطط لضرب
قطاع غزة وتصفية قادة المقاومة في حماس
والجهاد لضمان منطقة هادئة لا تهدد
مدنا ومستوطنات إسرائيلية، وقالوا
بوضوح: إن هذه الخطط تأتي في إطار إرسال
رسالة للداخل الإسرائيلي؛ مفادها أن
"الانسحاب من غزة لم يأتِ نتيجة
هزيمة وتراجع للقوات الإسرائيلية،
وإنما في إطار تصفية للمقاومة أولا".
فهل
قتل شارون الشيخ ياسين كجزء من خطته
الجهنمية لغزو قطاع غزة كما فعل في
الضفة؛ بحيث يتحرك بعد أن تبدأ
المقاومة تفجيراتها ردا على اغتيال
ياسين؟ أو على الأقل القول بأنه انسحب
بعدما صفى المقاومة الفلسطينية؟
**
محلل الشؤون السياسية بإسلام اون لاين.
نت
|